
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بصيت للبنت اللي كانت بتلوّن رسمة صغيرة، وبدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.
قلت بصوت مكسور:
— ليه ما حاولتيش ترجعي تاني؟ ليه ما جيتيش تقوليلي؟
ردت وهي بتحاول تتحكم في دموعها:
— حاولت يا آدم. والله حاولت. رحت بيتك أكتر من مرة، واتصلت بيك، وبعتلك رسايل، لكن إنت كنت رافض تسمعني.
— كنت فاكر إنك خنتيني.
قالت بحزن:
— وإنت سألتني مرة واحدة بس؟ إنت حتى ما اديتنيش فرصة أشرح!
سكتُّ، وما لقيتش أي رد.
كملت ليلى:
— لما عرفت إني حامل، كنت محتاجة وجودك جنبي. كنت خايفة، ومش عارفة هربي بنتي إزاي لوحدي. لكن كل ما أحاول أوصلك، كنت ألاقي الباب مقفول في وشي.
— وأنا آسف…
قاطعتني:
— أنا مش محتاجة منك فلوس يا آدم، ولا محتاجة ترجعني لحياتك. أنا اشتغلت وتعبت وربيت بنتي، وكنت بالنسبالي أبواب كتير اتقفلت، لكن ربنا فتحلي أبواب تانية.
بصيت لصوفي وسألت:
— هي تعرف إني أبوها؟
هزت ليلى راسها.
— لا. أنا ما حبيتش أحكيلها عنك قبل ما تبقى مستعدة تعرف الحقيقة. بالنسبة لها، إنت مجرد راجل قابلته في الطيارة.
الكلام وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
كنت أب لبنت عندها ست سنين، وما أعرفش عنها أي حاجة.
وقبل ما أكمل كلامي، رن تليفوني.
كانت داليا.
رديت، فجالي صوتها غاضب:
— إنت فين يا آدم؟ وليه مش بترد عليا من امبارح؟
قلت بهدوء:
— أنا في اجتماع مهم.
قالت:
— اجتماع مع مين؟
بصيت لليلى، وبعدين رديت:
— مع الحقيقة اللي اتأخرت ست سنين علشان أعرفها.
سكتت داليا للحظات، وبعدين قالت بصوت متوتر:
— إنت قابلت ليلى، صح؟
اتجمدت مكاني.
أنا ما قلتلهاش إني قابلتها!
سألتها مباشرة:
— عرفتي منين؟
حاولت تغير الموضوع، لكني ضغطت عليها بالسؤال.
قالت بعصبية:
— آدم، اسمعني كويس. الست دي رجعت لحياتك علشان تستغلك. متصدقش أي حاجة بتقولها!
قلت:
— غريبة إنك عارفة إني معاها، وعارفة إني بدور في رسائل من ست سنين.
فجأة صوتها اتغير.
— إنت فتحت الإيميلات القديمة؟
— أيوه.
سكتت.
وبعدين قالت جملة واحدة خلتني أتأكد إن فيه سر أكبر من مجرد رسائل اختفت:
«آدم، إنت مش فاهم… أنا عملت كل ده علشان أحميك من حاجة ليلى كانت مخبياها عنك!»
قفلت المكالمة وأنا مش قادر أستوعب.
بصيت لليلى وقلت:
— هي تقصد إيه؟ إيه الحاجة اللي كنتِ مخبياها عني؟
ليلى وشها اتغير، وحطت إيديها على الترابيزة.
وقالت بصوت منخفض:
— أنا كنت متأكدة إن داليا هتوصل للحقيقة في يوم من الأيام… لكن ما توقعتش إنها هتقدر تقنعك إنها كانت بتحميك.
وبعدين فتحت شنطتها وطلعت ظرف قديم، وحطته قدامي.
— قبل ما نحكم على أي حد، لازم تشوف الورق ده.
فتحت الظرف، ولقيت مستندات قديمة وصورة لورقة رسمية عليها توقيع داليا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ورقة…
كان فيه اتفاق مالي اتعمل قبل انفصالنا بأيام، واسم داليا كان موجود فيه، ومعاها شخص تاني من عيلتي!
مين الشخص اللي ساعد داليا؟ وليه كانت مصممة تفرق بيني وبين ليلى؟
يتبع… 👇
الجزء الرابع
فضلت ماسك الورقة وببص للاسم اللي مكتوب فيها، ومش قادر أصدق اللي شايفه.
كان اسم محمود المنشاوي… أخويا الأصغر!
رفعت عيني ناحية ليلى وسألتها بصدمة:
— محمود؟ إزاي أخويا يدخل في الموضوع ده؟
ليلى أخدت نفس طويل وقالت:
— قبل انفصالنا بحوالي شهر، محمود جه زارني في البيت وإنت كنت مسافر. قال إنه عايز يتكلم معايا في موضوع يخص الشركة، وإنه محتاج مساعدتي.
— وبعدين؟
— بدأ يسألني عن حسابات الشركة، وعن حصتك فيها، وعن بعض المستندات اللي كنت بتحتفظ بيها في البيت. استغربت أسئلته، خصوصًا إنه ما كانش مسؤول عن أي حاجة من دي.
بصيت للورقة تاني.
كانت عبارة عن اتفاق لتحويل مبلغ مالي كبير من حسابات الشركة إلى حساب وسيط، وموجود فيها توقيع داليا وتوقيع محمود.
سألتها:
— وإنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟
قالت:
— محمود نسي ملف في البيت عندنا، ولما فتحته لقيت المستندات دي. صورتها واحتفظت بنسخة، وكنت ناوية أقولك أول ما ترجع من السفر.
— وليه ما قلتيليش؟
ابتسمت بحزن.
— حاولت يا آدم. لكن قبل ما أقدر أكلمك، وصلتني الصور اللي بتتهمني بالخيانة، وبعدها بدأت المشاكل بيننا. ولما حاولت أشرحلك موضوع محمود، إنت رفضت تسمعني.
حسيت إن قلبي اتقبض.
أخويا اللي كبرنا في بيت واحد، وكنت بعتبره أقرب الناس ليا، ممكن يكون شارك في مؤامرة ضدي؟
سألت ليلى:
— هل معاكي دليل تاني؟
طلعت من الظرف فلاشة صغيرة وقالت:
— دي فيها نسخة من تسجيل صوتي. محمود اتصل بيا بعد ما اكتشفت المستندات، وكان فاكر إني ما سجلتش المكالمة.
حطيت الفلاشة قدامي.
لكن قبل ما أشغلها، صوفي قربت مني ورفعت رسمة كانت بتلوّنها.
قالت ببراءة:
— بص يا عمو، دي ماما، وده أنا، وده بابا اللي رسمته من خيالي.
بصيت للرسمة.
كانت راسمة راجل طويل واقف جنبها وجنب أمها، وفوقهم شمس كبيرة.
سألتها:
— وإنتِ سميتيه بابا ليه؟
قالت:
— علشان كل البنات في المدرسة عندهم بابا بييجوا ياخدوهم، وأنا نفسي يكون عندي واحد.
ما قدرتش أتكلم.
ليلى مدت إيدها ومسحت على شعرها وقالت:
— يلا يا صوفي، سيبي عمو يكمل كلامه.
لكن البنت بصتلي وسألت:
— هو ممكن تيجي معانا يوم المدرسة؟
ابتسمت وأنا بحاول أخفي دموعي.
— ممكن يا صوفي، لو ماما وافقت.
ليلى ما ردتش.
لكن نظرتها قالتلي إن الطريق لقلبي بنتي مش هيكون سهل.
رجعت الفندق واتصلت بمحامي الشركة.
طلبت منه يراجع المستندات ويتأكد من صحتها، وطلبت من فريق الحسابات مراجعة كل التحويلات المالية القديمة.
وبعد ساعات، ظهرت مفاجأة جديدة.
المبلغ اللي كان مكتوب في الاتفاق ما اتصرفش بالكامل، لكن جزء كبير منه اتحول فعلًا لحساب شركة وهمية، اتأسست قبل انفصالنا بشهرين.
والأغرب إن الشركة دي كان ليها ارتباط مباشر بشخص قريب من داليا.
في نفس الوقت، موظف تكنولوجيا المعلومات بعتلي تقرير إضافي.
كان فيه رسائل متبادلة بين داليا ومحمود، بعضها اتبعت قبل انفصالي عن ليلى بأيام.
فتحت أول رسالة.
كان محمود بيقول:
«لازم الموضوع يخلص قبل ما آدم يرجع من السفر. لو ليلى فضلت موجودة، هتكتشف كل حاجة.»
وردت داليا:
«متقلقش. أنا هتصرف. المهم آدم ما يسمعش منها أي كلمة.»
حسيت بالغضب بيزيد جوايا.
لكن كان فيه رسالة تانية أكثر خطورة.
داليا كانت بتقول:
«بعد ما ينفصلوا، آدم هيكون لوحده، وساعتها نقدر نتحكم في كل حاجة بسهولة.»
قفلت اللابتوب.
بدأت أفهم إن الموضوع ما كانش مجرد غيرة أو خلاف شخصي.
كان فيه خطة كاملة اتعملت علشان أبعد عن ليلى، وأفقد ثقتي فيها، وأبقى بعيد عن أي حد ممكن يكشف اللي بيحصل داخل الشركة.
لكن لسه ما عرفتش ليه داليا كانت مصممة تدخل حياتي بالشكل ده.
في اليوم التالي، رجعت القاهرة وطلبت من داليا تقابلني في مكتبي.
دخلت وهي مبتسمة، وحطت شنطتها على الكرسي.
— صباح الخير يا حبيبي. أخيرًا قررت ترد عليا.
ما رديتش على ابتسامتها.
حطيت قدامها نسخة من الاتفاق المالي.
اختفت ابتسامتها بالتدريج.
سألتها:
— تعرفي الورق ده؟
بصت للمستندات وقالت:
— مش فاهمة إنت جايب الكلام ده منين.
حطيت قدامها صورة الرسائل الإلكترونية.
— ودي كمان مش فاهمة هي إيه؟
اتغير لون وشها.
قالت بسرعة:
— آدم، إنت بتسمع كلام واحدة عايزة تخرب حياتنا!
قلت بهدوء:
— أنا لسه ما سمعتش منك أي تفسير.
قربت مني وقالت:
— محمود هو اللي طلب مني أساعده. كان بيقول إن فيه مشاكل في الشركة وإنه محتاج فلوس مؤقتًا، وأنا صدقته.
سألتها:
— طب ليه حولتي رسائل ليلى بعيد عن بريدي؟
ما ردتش.
كررت السؤال:
— ليه خليتيني أصدق إنها بتخونني؟
بدأت عينيها تدمع.
— علشان كنت بحبك يا آدم!
ضحكت بمرارة.
— الحب مش بيخلي الإنسان يزوّر الحقيقة ويفرق بين زوجين.
صرخت:
— إنت مش عارف أنا ضحيت بإيه علشان أوصل للمكانة دي!
وهنا فهمت إن الموضوع أعمق مما تخيلت.
قلت:
— وضحيلي.
جلست على الكرسي، وبعد لحظات من الصمت قالت:
— أنا كنت عارفة إنك هتختار ليلى عليا لو عرفت الحقيقة، ومحمود وعدني إنه بعد انفصالكم هيساعدني أقرب منك، وإننا نقدر نبدأ حياة جديدة.
سألتها:
— ومحمود كان مستفيد بإيه؟
نزلت عينيها للأرض.
وبصوت منخفض قالت:
— كان عايز يستولي على جزء من حصتك في الشركة، وكان محتاج يبعد ليلى لأنها اكتشفت التحويلات المالية.
وقبل ما أتكلم، موبايلها رن.
ظهر اسم محمود على الشاشة.
بصتلي، وبعدها بصت للتليفون.
قلت لها:
— ردي.
فتحت المكالمة، وحطيتها على مكبر الصوت.
جالنا صوت محمود غاضب:
— داليا، إنتِ قلتيلي إن آدم مش هيعرف حاجة! إيه اللي حصل؟!
وبعدين سكت فجأة لما سمع صوتي.
قلتله:
— صباح الخير يا محمود… كنت مستني مكالمتك.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
— آدم، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
قلت:
— يبقى تعال المكتب، وفسرلي بنفسك.
قفل المكالمة.
لكن قبل ما داليا تقوم من مكانها، وصلتني رسالة من ليلى.
كانت بتقول:




