
مدام فاطمة سابت خرطوم الميه من إيدها، وقربت مني وهي بتبص حواليها كأنها خايفة حد يسمعنا.
قالت بصوت واطي:
«أنا مش عارفة أقولك إيه يا بنتي، بس اللي أعرفه إن أبو أحمد كان متخانق مع أبوكي قبل ما يسافروا بيومين. سمعت صوتهم عالي جدًا، وأبوكي خرج من عندهم وهو متعصب بشكل مش طبيعي.»
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
سألتها بسرعة:
«يعني بابا كان عارف إن أحمد هيسافر؟»
هزت راسها وقالت:
«مش بس كده، أنا شفته وهو بيسلمه ظرف بني كبير. وبعدها بيوم، عيلة أحمد كلها اختفت.»
حسيت ببرودة في جسمي رغم إن الجو كان دافي.
رجعت البيت وأنا مش قادرة أفكر. كنت عايزة أواجه أبويا، لكني كنت عارفة إنه مش هيسمعني، وإنه ممكن يمنعني حتى من الخروج من البيت.
وفي اليوم التالي، حاولت أتصل بأحمد من تليفون محل قريب، لكن الرقم كان خارج الخدمة.
كررت المحاولة مرات كتير، وبعت له رسائل مع معارف مشتركين، لكن مفيش أي رد.
مرت أسابيع، وبطني بدأت تكبر، وأهلي زاد ضغطهم عليّ.
أمي كانت تدخل أوضتي كل يوم تقريبًا وتحاول تقنعني إني أتنازل عن الطفل.
كانت تقول:
«إنتِ لسه صغيرة، وحياتك لسه قدامك. هتضيعي مستقبلك عشان طفل؟»
كنت أرد عليها:
«ده ابني يا ماما، مش هقدر أسيبه.»
لكنها كانت ترد بنفس الجملة:
«إنتِ مش فاهمة مصلحتك.»
وفي الشهر السابع من الحمل، أخدني أبويا لمكتب محامي في وسط البلد.
قال لي إننا رايحين نخلص بعض الإجراءات الخاصة بالطفل، وإن الموضوع مجرد أوراق عادية.
لكن لما دخلنا المكتب، لقيت راجل قاعد مستنينا، وقدامه مجموعة أوراق.
بدأ يشرح لي إن فيه أسرة محترمة مستعدة تتبنى الطفل وتوفر له حياة مستقرة.
اعترضت فورًا وقلت:
«أنا مش موافقة على أي حاجة من دي.»
أبويا قرب مني وهمس بغضب:
«إنتِ هتمضي، ومش عايز أسمع صوتك.»
بصيت لأمي أستغيث بيها، لكنها كانت بتبص للأرض ومش قادرة ترفع عينيها في وشي.
خرجت من المكتب من غير ما أمضي.
لكن بعد أيام، بدأت أتعرض لضغط أكبر، وفضلوا يقولوا لي إن الطفل هيكون أحسن مع عيلة عندها فلوس، وإنهم هيعرفوا يربوه أحسن مني.
كنت كل ليلة بحط إيدي على بطني وأوعد ابني إني مش هسيبه أبدًا.
وفي صباح يوم الولادة، دخلت المستشفى وأنا منهكة وخايفة.
وبعد ساعات طويلة، سمعت أول صرخة لطفلي.
حطوه للحظات بين دراعاتي.
كان صغير جدًا، وملامحه هادية، وإيده بتتحرك كأنه بيدور على إيدي.
عيطت وأنا ببص له، وقلت:
«أهلًا يا حبيبي… أنا أمك، ومش هسيبك.»
كنت مجهزة له بطانية صغيرة، وفي طرفها خيطت جيبًا صغيرًا خبّيت جواه الصليب الفضي اللي كان هدية من جدتي.
كان الصليب فيه خدش صغير من الناحية الشمال، وكنت محتفظة بيه من طفولتي.
اعتبرته أول هدية أقدمها لابني.
لكن فرحتي ماكملتش.
بعد الولادة بساعات، دخلت أمي الأوضة وقالت إن فيه مشكلة في الأوراق، وإن لازم أرتاح شوية لحد ما يخلصوا الإجراءات.
طلبت أشوف ابني، لكنها قالت لي إنه في الحضانة عشان الفحوصات.
وبعد وقت قصير، دخل أبويا ومعاه المحامي.
حط مجموعة أوراق على الترابيزة وقال:
«وقّعي هنا، وهننهي الموضوع بهدوء.»
رفضت وأنا بعيط:
«عايزة ابني! هاتولي ابني!»
أبويا قرب مني وقال:
«إنتِ مش قادرة تربيه، وده القرار النهائي.»
ماكانش عندي القوة الكافية أقاومهم. كنت لسه خارجة من الولادة، ومرهقة جدًا، ومش قادرة حتى أقف على رجلي.
وفي النهاية، لقيت نفسي بمضي على أوراق ماكنتش فاهمة كل تفاصيلها.
بعدها بساعات، قالوا لي إن الطفل اتسلّم لأسرة، وإنهم سافروا بيه لمحافظة تانية.
فضلت أصرخ وأسأل عن اسمه وعنوانهم، لكن محدش اداني إجابة واضحة.
أمي قالت لي:
«انسَي الموضوع يا بنتي، وابدئي حياتك من جديد.»
لكن إزاي أنسى طفل شيلته بين إيديا للحظات؟
إزاي أنسى أول صرخة ليه؟
وإزاي أعيش وأنا مش عارفة حتى إذا كان بخير؟
مرت السنين.
حاولت أبحث عنه أكتر من مرة، لكن الأوراق كانت ناقصة، والمحامي اللي تولى الإجراءات اختفى من المنطقة، وأبويا كان بيرفض يتكلم عن الموضوع تمامًا.
وبعد فترة، اتجوزت، وخلفت بنتين، لكن جزءًا مني فضل متعلق بالطفل الأول.
كنت كل سنة في يوم ميلاده أطلع صورة البطانية الصغيرة وأقعد أبكي لوحدي.
لحد ما وصلت لسن الخمسين.
وفي اليوم اللي دخلت فيه المستشفى بسبب الأزمة المفاجئة، ماكنتش أعرف إن السر اللي دفنته السنين كلها قرب يظهر.
رجعنا للحظة اللي كنت فيها على سرير المستشفى، والجرّاح واقف قدامي والسلسلة الفضية في إيده.
سألته بصوت مبحوح:
«إنت عرفت منين حكاية الصليب؟ وإيه علاقتك بابني؟»
سحب كرسي وقعد جنبي.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
«قبل ما أقولك أي حاجة، محتاج أسألك سؤال مهم… هل اسم الطفل اللي اتولد ليكي كان مكتوب في أي ورقة باسم يوسف؟»
اتجمدت مكاني.
لأن ده كان الاسم اللي اخترته لابني قبل الولادة.
قلت له وأنا مش مصدقة:
«أيوه… أنا كنت عايزة أسميه يوسف. إنت تعرف الاسم ده منين؟»
الجرّاح نزل عينيه للصليب، وبعدين رفع رأسه وقال جملة خلت دموعي تنزل من غير ما أحس:
«لأن يوسف ده… أنا.»
يتبع…
فضلت باصة له من غير ما أتكلم. كنت حاسة إن الكلام اللي سمعته أكبر من قدرتي على الاستيعاب.
الجرّاح مد إيده ومسح دمعة من عينه، وقال بهدوء:
«أنا عارف إن الكلام صعب تصدقيه، وعارف إنك محتاجة دليل. عشان كده أنا جاي النهارده ومعايا حاجة تانية غير الصليب.»
فتح درج صغير في مكتبه المتنقل، وطلع منه ظرف قديم لونه أصفر، أطرافه كانت متآكلة من الزمن.
حطه قدامي وقال:
«الظرف ده كان معايا من وأنا طفل. أمي اللي ربتني قالت لي إنها احتفظت بيه عشان ييجي اليوم اللي أعرف فيه الحقيقة.»
بإيدين بتترعش، فتحت الظرف.
كان جواه صورة قديمة لطفل حديث الولادة ملفوف في بطانية بيضاء، وعلى طرف البطانية تطريز صغير على شكل وردة.
وتحت الصورة ورقة مكتوب فيها بخط ست واضح:
«إلى ابني يوسف… سامحني لو الدنيا فرّقت بينا، لكن اعرف إن أمك حبتك من أول لحظة شافتك فيها.»
انهرت في العياط.
قلت له:
«دي خط إيدي… أنا اللي كتبت الكلام ده!»
قرب الكرسي مني وقال:
«أنا عشت طول عمري مع عيلة محترمة جدًا. أمي وأبويا اللي ربوني كانوا بيحبوني، وماقصروش معايا في حاجة. لكن لما كبرت وبدأت أسأل عن أصلي، قالولي إني اتولدت من أم صغيرة ماكانتش قادرة تربي طفل، وإنهم استلموني عن طريق محامي.»
سألته:
«طب إزاي عرفت إن أنا أمك؟»
أخذ نفسًا طويلًا وبدأ يحكي.
قال إن أمه بالتربية، السيدة نادية، كانت محتفظة بملف صغير يخص إجراءات استلامه، وكانت دايمًا بتقوله إن فيه حاجات في حياته لازم يعرفها لما يكبر.
ولما وصل لسن 25 سنة، صارحته إنها مش أمه البيولوجية، وإنها هي وزوجها استقبلوه وهو طفل رضيع بعد ما قيل لهما إن والدته وافقت على التنازل عنه.
لكن نادية كانت عندها شكوك.
لأنها وقتها لاحظت إن الأوراق اتجهزت بسرعة غريبة، وإن المحامي كان مستعجل جدًا في إنهاء الإجراءات، وإن والد الطفل كان غائبًا تمامًا عن كل التفاصيل.
قال يوسف:
«أمي فضلت محتفظة بكل حاجة، حتى اسم المستشفى اللي اتولدت فيها. ولما بدأت أدرس الطب، قررت إني أدور على جذوري بنفسي.»
سألته وأنا مش قادرة أصدق:
«يعني إنت كنت بتدور عليّ طول السنين دي؟»
هز رأسه وقال:
«سنين طويلة. لكن المشكلة إن اسمي اتغير بعد التبني، وبعض الأوراق القديمة كانت ناقصة. وكل ما أوصل لخيط، ألاقيه بينتهي.»
وبعدين قال حاجة خلت قلبي يدق بسرعة:
«من حوالي سنة، أمي نادية تعبت، وقبل ما تتوفى طلبت مني أفتح صندوق كانت مخبياه في دولابها. جواه لقيت خطاب من المحامي اللي تولى إجراءات التبني، وكان مكتوب فيه اسم والدتك وعنوان عيلتك القديم.»
سألته:
«وإيه اللي حصل بعد كده؟»
قال:
«بدأت أبحث عنك. عرفت إنك اتجوزتي وخلفتي بنتين، وإنك عايشة في القاهرة. لكن ماكنتش عايز أظهر فجأة في حياتك من غير ما أتأكد من كل حاجة.»
سكت لحظة، ثم أضاف:
«ولما وصلت للمستشفى اللي إنتِ فيها، ماكنتش متوقع إني هكون أنا الجرّاح المسؤول عن حالتك.»
فضلت أبص له، وبعدين سألت السؤال اللي كان بيقتلني من جوايا:
«طب ليه الصليب معاك؟»
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
«أمي نادية قالت لي إن الصليب ده كان موجود في بطانيتي يوم ما وصلت بيتهم. وإنه كان معاه خطاب صغير من المستشفى. احتفظت بيه طول عمرها، ولما كبرت، اديتهولي وقالت لي إن دي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تربطني بأمي الحقيقية.»
مديت إيدي ولمست الصليب، ودموعي بتنزل على خدي.
قلت له:
«أنا كنت فاكرة إنك ضعت مني للأبد.»
مسك إيدي وقال:
«وأنا كنت فاكر إن أمي الحقيقية ماكانتش عايزاني.»
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
قلت له بسرعة:
«لا يا حبيبي، لا… أنا ما سبتكش بإرادتي. أنا كنت عايزة أربيك، وكنت بحبك قبل ما أشوف وشك حتى.»
بدأ يبكي هو كمان.
ولأول مرة من 31 سنة، حسيت إن الجزء المفقود من حياتي رجع لي.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
سألته:
«مين اللي خدك من حضني؟ وليه أهلي قالولي إنك اتسلمت لعيلة غريبة وسافرت؟»
اختفت الابتسامة من وشه.
فتح الظرف مرة تانية وطلع ورقة تانية، وقال:
«أنا لقيت خطاب تاني، وده اللي خلاني أعرف إن الموضوع ماكانش مجرد تبنّي عادي.»
بصيت له بقلق.
فقال:
«الخطاب ده مكتوب من المحامي، وبيوضح إن أبوكي هو اللي اتفق معاه على كل الإجراءات، وإنه كان فيه مبلغ مالي اتدفع مقابل إنهاء الموضوع بسرعة.»
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
سألته:
«أبويا دفع فلوس عشان ياخدوا ابني؟»
هز رأسه وقال:
«الخطاب بيقول إن فيه اتفاق حصل، لكن لسه محتاجين نعرف التفاصيل كاملة. والأهم من ده كله إن المحامي كتب إن فيه شخص تاني كان حاضر يوم توقيع الأوراق.»
سألته بسرعة:
«مين؟»
بص لي في عيني وقال:
«أمك يا ماما… أمك كانت عارفة كل حاجة، ومش بس كانت موجودة، دي كمان وقّعت على ورقة بتثبت إنك وافقتِ على التنازل بإرادتك، رغم إنك كنتِ وقتها لسه خارجة من الولادة.»
حطيت إيدي على صدري، وفضلت ساكتة.
كل السنين دي كنت فاكرة إن أمي كانت ضعيفة ومش قادرة تساعدني.
لكن الحقيقة اللي بدأت تظهر كانت مختلفة تمامًا.
وفي اللحظة دي، يوسف قال لي:
«أنا مش عايز أظلم حد قبل ما نعرف الحقيقة كاملة، لكن فيه حاجة لازم تشوفيها.»
وطلع من جيبه صورة قديمة لخطاب تالت.


