
الجزء الثاني
ظللت أحدق في البطاقة الموجودة داخل يدي طوال الطريق.
لم تكن بطاقة بنكية عادية.
كانت بطاقة مرتبطة بحساب مهني مستقل، أنشأته قبل سنوات عندما بدأت عملي في مجال المراجعة المالية.
الحساب لم يكن باسم ياسر.
ولم يكن له أي علاقة بحساباتنا المشتركة.
ولهذا السبب تحديدًا، لم يستطع تجميده.
فتحت هاتفي، وبدأت أراجع الملفات التي احتفظت بها خلال الأشهر الستة الماضية.
لم أكن أبحث عن أموال أستطيع استخدامها.
كنت أبحث عن الحقيقة.
منذ ستة أشهر، لاحظت شيئًا غريبًا في حسابات شركة ياسر.
كانت هناك مبالغ ضخمة تخرج من الشركة تحت مسميات تبدو طبيعية جدًا:
“استشارات.”
“خدمات تقنية.”
“أبحاث وتطوير.”
لكن عندما قارنت الفواتير بالعقود، اكتشفت أن بعض الشركات التي تتلقى هذه الأموال لا تمتلك حتى موظفين حقيقيين.
والأغرب أن أسماء ملاكها كانت مرتبطة بأشخاص قريبين من عائلة ياسر.
في البداية، ظننت أن الأمر مجرد تلاعب محاسبي.
لكنني مع الوقت اكتشفت أن الموضوع أكبر بكثير.
كانت هناك تحويلات متكررة إلى عدة حسابات، ثم تختفي الأموال من تلك الحسابات خلال أيام.
وفي إحدى الليالي، اكتشفت رقمًا جعلني أجلس أمام الكمبيوتر لساعات دون أن أتحرك.
46 مليون جنيه.
لم تكن الأموال موجودة كلها في حساب واحد.
كانت موزعة بين شركات وحسابات استثمارية وكيانات مسجلة بأسماء مختلفة.
لكن الخيط بينها كان واحدًا.
شركة ياسر.
والغريب أنني عندما حاولت معرفة المستفيد النهائي، وجدت اسمًا لم أتوقع رؤيته أبدًا.
حسام.
والد ياسر.
لكنني لم أواجه ياسر وقتها.
كنت أعرف أنه لو علم أنني وصلت إلى هذه المعلومات، فسيمسح كل شيء قبل أن أتمكن من إثباته.
لذلك احتفظت بنسخ من المستندات في أماكن متعددة.
لم أكن أثق في جهاز واحد.
ولا في حساب واحد.
ولا حتى في شخص واحد.
وصلت إلى منزل صديقتي سارة بعد منتصف الليل.
فتحت الباب وهي ترتدي ملابس النوم، وبمجرد أن رأت وجهي، تغيرت ملامحها.
—مريم… إيه اللي حصل؟
دخلت دون أن أجيب.
وضعت حقيبتي على الطاولة وجلست.
قالت وهي تنظر إلى خدي:
—هو ضربك؟
هززت رأسي.
جلست بجواري.
—ليه ما اتصلتيش بيا؟
—لأني كنت محتاجة أفكر قبل ما أتكلم.
فتحت الحقيبة وأخرجت مجموعة من الأوراق.
وضعتها أمامها.
—شايفة الأرقام دي؟
نظرت إليها باستغراب.
—دي حسابات شركة ياسر؟
—أيوه.
بدأت أشرح لها ما اكتشفته.
كلما انتقلت من ورقة إلى أخرى، كانت عيناها تتسعان أكثر.
ثم قالت:
—يعني إنتِ بتقولي إن الـ46 مليون جنيه دول…
قاطعتها:
—مش فلوسي.
سكتت.
ثم قلت:
—لكنهم ممكن يكونوا الدليل اللي يوقع كل اللي عملوه.
في تلك اللحظة وصلني إشعار جديد على هاتفي.
كان من ياسر.
“واضح إنك فاكرة إن الموضوع لعبة.”
ثم رسالة ثانية:
“بكرة هتكتشفي إنك ما عندكيش أي حق في حاجة.”
نظرت إلى الشاشة.
ولأول مرة منذ أن خرجت من المطعم، ابتسمت.
قلت لسارة:




