
—هو لسه فاكر إني خرجت وأنا خايفة.
—ومش كده؟
—لا.
أغلقت الهاتف.
—أنا خرجت وأنا مستعدة.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب المحامي الذي كنت قد تواصلت معه قبل أسابيع دون أن يعرف ياسر.
كان اسمه عمر الشافعي.
وضعت أمامه الملفات.
قرأ أول صفحة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وبعد حوالي عشر دقائق، رفع عينيه إليّ.
—مريم، إنتِ متأكدة من مصدر المستندات دي؟
—أنا راجعتها بنفسي.
—لو الأرقام دي صحيحة، فالموضوع مش مجرد خلاف عائلي.
—أنا عارفة.
أخذ نفسًا عميقًا.
—إنتِ فاهمة إن نشر أو استخدام أي مستند من غير إثبات مصدره ممكن يقلب ضدك؟
—عشان كده جبتك.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
—هنحتاج نتحرك بهدوء شديد.
في نفس اليوم، بدأ ياسر في تصعيد الأمور.
وصلني إخطار من البنك يفيد بأن الحساب المشترك تم تجميده مؤقتًا بناءً على طلب أحد أصحاب الحساب.
ثم وصلتني رسالة من داليا:
“ارجعي لعقلك قبل ما تخسري كل حاجة.”
لم أرد.
بعدها بعشر دقائق وصلتني رسالة أخرى:
“أخويا ممكن يخلّيكي تندمي.”
حذفت الرسائل.
لكن شيئًا واحدًا جعلني أتوقف.
كانت داليا تعرف أن هناك مشكلة مالية.
وهذا يعني أن ياسر لم يكن يعمل وحده.
في المساء، كنت أجلس مع عمر نراجع الملفات عندما فتح أمامي مستندًا قديمًا.
—مريم، بصي هنا.
اقتربت من الشاشة.
كان هناك توقيع إلكتروني على إحدى العمليات.
توقيع لم أره من قبل.
قلت:
—مين ده؟
قال عمر:
—ده هو الشخص اللي كان بيدير التحويلات بين الشركات.
شعرت بقشعريرة.
—تعرفه؟
هز رأسه.
—المشكلة مش في اسمه.
—أمال في إيه؟
أشار إلى التاريخ.
كان تاريخ العملية قبل زواجي من ياسر بأكثر من عام.
ثم قال:
—وده معناه إن الموضوع بدأ قبل ما تدخلي العيلة أصلًا.
حدقت في الشاشة.
فجأة فهمت.
ياسر لم يبدأ هذه العمليات بعد زواجه مني.
كان يفعلها قبل أن يعرفني حتى.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصفحة التالية.
وجدنا اسم شركة لم أسمع به من قبل.
وعندما بحث عمر في سجلاتها، تغير وجهه.
—مريم…
—إيه؟
قال ببطء:
—الشركة دي مسجلة باسم والدتك.
تجمدت في مكاني.
—إيه؟
—اسم والدتك موجود رسميًا كمؤسسة للشركة.
هززت رأسي بسرعة.
—مستحيل. أمي عمرها ما كان ليها شركة.
فتح عمر مستندًا آخر.
ثم قال:
—يبقى السؤال الحقيقي…
مين استخدم اسم والدتك؟
نظرت إليه.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.
كان رقمًا مجهولًا.
ترددت للحظة، ثم أجبت.
لم يتحدث الشخص في البداية.
ثم جاء صوت امرأة مسنة، مرتجف لكنه واضح:
—مريم… أنا نوال.
عرفت صوت حماتي فورًا.
—نعم؟
قالت بصوت منخفض:
—لا تثقي في ياسر… ولا في حسام.
صمتت للحظة.
ثم أضافت:
—ولو عايزة تعرفي الحقيقة عن الـ46 مليون…
توقفت أنفاسـي.
—تعالي لي وحدك.
ثم أغلقت الهاتف.
نظرت إلى عمر.
لم أقل شيئًا.
لكنه فهم من وجهي أن شيئًا خطيرًا بدأ للتو.
لأن حماتي، المرأة التي ظلت صامتة طوال سنوات، قررت أخيرًا أن تتكلم.
والذي كانت ستخبرني به في ذلك اللقاء…
كان سيغير كل شيء.
الجزء الثالث
في اليوم التالي، لم أخبر عمر بكل تفاصيل المكالمة.
لم أكن أعرف إن كان يجب أن أثق في نوال أم لا.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
المرأة التي همست لي في المطعم “لا تكوني مثلي”، لم تكن تتحدث بدافع الشفقة.
كانت خائفة.
وبشكل واضح.
اتصلت بها من هاتف مختلف.
—فين عايزة تقابليني؟
جاء صوتها منخفضًا:
—في مكان مفيش حد يعرفه.
—فين؟
—المكتبة القديمة في وسط البلد. الساعة ستة.
—ليه هناك؟
—لأن حسام عمره ما بيدخلها.
أغلقت الهاتف.
في السادسة إلا عشر دقائق، كنت أجلس في آخر قاعة بالمكتبة.
دخلت نوال مرتدية ملابس بسيطة، ونظرت خلفها أكثر من مرة قبل أن تجلس أمامي.
وضعت حقيبة صغيرة على الطاولة.
ثم قالت:
—قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إني خفت سنين.
—من حسام؟
أومأت.
—ومن ياسر كمان.
فتحت الحقيبة وأخرجت ملفًا قديمًا.
—حسام بدأ يستخدم شركات بأسماء أشخاص قريبين منه من زمان. في البداية كنت فاكرة إنه بيحاول يحمي فلوس العيلة.
قلت:
—والـ46 مليون؟
تنهدت.
—دي مش كل الفلوس.
توقفت.
—يعني إيه؟
—الـ46 مليون مجرد المبلغ اللي قدرتي توصلي له.
نظرت إليها بصدمة.
—في أكتر؟
—أيوه.
أخرجت ورقة أخرى.
—لكن الأهم إن الفلوس دي ما كانتش بتروح كلها لحسام.
نظرت إلى الورقة.
كان هناك اسم يتكرر في عدة معاملات.




