
الجزء الثاني: السر اللي أبويا خبّاه عني لمدة 12 سنة
في صباح اليوم التالي، صحيت بدري جدًا، وكنت واقفة قدام المراية بظبط بدلتي العسكرية الجديدة، بينما حازم كان بيجهز نفسه علشان نتحرك لفرح أخويا.
بص لي من خلال المراية وقال:
— ليلى، إنتِ متأكدة إنك عايزة تروحي بعد اللي حصل امبارح؟
عدّلت ياقة البدلة، ورديت بهدوء:
— أيوه يا حازم. أنا مش رايحة علشان أرضي أمي، ولا علشان أثبت لأبويا إني أحسن من اللي كان فاكره. أنا رايحة علشان ده فرح أخويا، ولأن عندي إحساس إن فيه حاجة لازم أعرفها.
حازم سكت لحظة، وبعدين قرب مني.
— المستند اللي هيوصل النهارده ممكن يغيّر نظرتك لعيلتك كلها.
بصيت له باستغراب.
— إنت عارف إيه بالضبط؟
اتردد ثانية، وبعدها قال:
— أنا وعدتك إني مش هتدخل في حياتك العائلية من غير إذنك. لكن بعد اللي حصل امبارح، أعتقد إن من حقك تعرفي الحقيقة كاملة.
قبل ما أسأله، موبايله رنّ.
رد على المكالمة، وسمعته بيقول بصوت رسمي:
— تمام. اتأكدوا إن المستند يوصل في معاده، وإن كل الإجراءات تكون سليمة.
قفل المكالمة، وبص لي.
— هنفهم كل حاجة النهارده.
الوصول إلى قاعة الفرح
وصلنا قاعة الفرح في التجمع الخامس قبل الظهر بشوية.
المكان كان متزين بالورود البيضاء والذهبي، والضيوف بيتوافدوا واحد ورا التاني. صوت الموسيقى كان مالي القاعة، والكل بيتصور وبيضحك.
لكن أول ما دخلت، حسيت إن بعض الضحكات بدأت تقل.
بعض قرايبي بصوا لبدلتي العسكرية، وبعدها بصوا لبعض باستغراب.
واحدة من قرايبي قربت من أمي وهمست لها، لكني سمعتها بتقول:
— هي ليلى جاية بالبدلة العسكرية فعلًا؟ بعد كل اللي حصل امبارح؟
أمي ردت عليها بصوت واطي:
— سيبيها. هي طول عمرها بتحب تلفت النظر.
ابتسمت لنفسي، وكملت طريقي.
أنا ما كنتش جاية علشان ألفت النظر.
أنا كنت جاية علشان أحضر فرح أخويا، وأكتشف ليه أبويا كان قلقان طول السنين دي من إني أعرف الحقيقة.
المواجهة الأولى
حازم أخويا كان واقف جنب المنصة، لابس بدلته الأنيقة، وبيستقبل الضيوف.
أول ما شافني، قرب مني بسرعة.
— ليلى، إنتِ جيتي!
حضنته وقلت له:
— قلت لك إني هاجي.
بص لبدلتي، وابتسم ابتسامة مرتبكة.
— بصراحة، كنت متوقع إنك تيجي بلبس عادي.
رديت عليه بهدوء:
— دي مش مجرد بدلة يا حازم. دي جزء من حياتي، ومش هخبيها علشان حد يرتاح.
وشه اتغير، وكأنه كان عايز يقول حاجة، لكنه تردد.
فجأة، ظهر أبويا صلاح من وراه.
كان لابس بدلة غالية، وبيحاول يحافظ على ابتسامته قدام الضيوف.
لكن أول ما شاف حازم الشافعي واقف جنبي، ابتسامته اختفت.
قرب مني وقال بصوت منخفض:
— ممكن تيجي معايا دقيقة؟
بصيت لحازم، فهز راسه كأنه بيقول لي إني حرة أقرر.
مشيت مع أبويا ناحية ممر جانبي بعيد عن الضيوف.
أول ما بقينا لوحدنا، مسك دراعي وقال بانفعال:
— إنتِ إزاي تتجوزي لواء في الجيش من غير ما نعرف؟ وإزاي تخبي علينا حاجة بالحجم ده؟
سحبت دراعي من إيده.
— زي ما إنت خبيت عني حاجات كتير يا بابا.
اتغيرت ملامحه.
— تقصدي إيه؟
بصيت في عينيه مباشرة.
— أقصد إنك طول عمرك كنت بتعاملني كأني أقل من حازم. كنت بتقول إني ضيّعت مستقبلي، وإن الجيش مش مكان ليا، وإن اختياراتي كلها غلط. عمرك ما سألتني أنا حققت إيه، ولا تعبت قد إيه علشان أوصل لمكاني.
رد بانفعال:
— أنا كنت خايف على مستقبلك!
— لا يا بابا. إنت كنت خايف إني أعيش حياة مش إنت اللي اخترتها لي.
سكت لحظة، وبعدين قال جملة خلت قلبي يدق بسرعة:
— فيه حاجات إنتِ ما تعرفيهاش عن شغلك في الجيش، ولو عرفتيها، هتندمي إنك رجعتي النهارده.
بصيت له باستغراب.
— إنت بتحذرني من إيه؟
ساب دراعي، وبص ناحية القاعة.
— أنا بنصحك. خدي جوزك وامشي قبل ما الموضوع يكبر.
لكن قبل ما أرد، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
كان حازم الشافعي.
وقف جنبي، وبص لأبويا.
— أعتقد إن زوجتي من حقها تسمع كل حاجة، يا أستاذ صلاح.
أبويا بدا عليه الارتباك.
— دي مشاكل عائلية، ومش من حق حد يتدخل فيها.
حازم رد بثبات:
— لو كانت مشاكل عائلية فعلًا، ما كنتش هتدخل. لكن لما الموضوع يتعلق بمستندات رسمية، وحقوق ممكن تكون اتأثرت بسبب إخفاء معلومات، يبقى لازم الحقيقة تظهر.
ملامح أبويا اتغيرت.
ولأول مرة في حياتي، شفت القلق في عينيه بدل الثقة المعتادة.
وصول الضابط صاحب المستند
رجعنا للقاعة، وبعد حوالي عشر دقايق، وقفت مجموعة من العربيات الرسمية قدام المدخل.
الضيوف بدأوا يلتفتوا ناحية الباب، والهمس انتشر في المكان.
دخل ثلاثة ضباط كبار، وكان في مقدمتهم اللواء المتقاعد محمود فؤاد، وهو رجل معروف في الوسط العسكري، وكان حازم الشافعي على معرفة سابقة بيه.
لكن الضابط اللي كان شايل الحافظة الجلدية المختومة ما كانش اللواء محمود.
كان عقيد اسمه كريم منصور، مسؤول عن مراجعة مجموعة من الملفات الإدارية القديمة.
تقدم ناحيتنا، وأدى التحية لحازم، وبعدها بص لي.
— حضرتك الرائد ليلى صلاح؟
رديت:
— أيوه، أنا.
فتح الحافظة، وأخرج ظرفًا بنيًّا عليه أختام رسمية.
— فيه مستندات لازم تتسلم لحضرتك شخصيًا، بعد التحقق من هويتك.
مد إيده بالظرف، لكن قبل ما آخده، ظهر أبويا بسرعة.
— استنى يا سيادة العقيد. أعتقد إن فيه خطأ. المستندات دي تخص شركتي، ومش من حق بنتي تستلمها هنا.
العقيد بص له باستغراب.
— حضرتك الأستاذ صلاح؟
— أيوه.
— يبقى حضرتك عارف إن المستند ده اتطلبت مراجعته رسميًا من فترة، وإن فيه مراسلات سابقة بخصوصه.
أبويا حاول يحافظ على هدوئه.
— دي أمور مالية قديمة، واتقفلت من زمان.
العقيد قفل الملف وقال:
— لو كانت اتقفلت فعلًا، ما كناش احتجنا نراجعها مرة تانية.
القاعة بدأت تسكت تدريجيًا.
حتى الموسيقى توقفت للحظات، لأن مسؤول التنظيم لاحظ إن معظم الضيوف بقوا مركزين معانا.
أمي جت من ناحية المنصة، وكانت ملامحها متوترة.
— هو فيه إيه؟ إحنا في فرح، مش في اجتماع شغل!
العقيد قال باحترام:
— حضرتك معاكي حق، يا مدام. لكن المستندات دي لازم تتسلم لصاحبتها، والموضوع مش متعلق بالفرح نفسه.
وبعدين مد الظرف ناحيتي.
أخدته بإيدين ثابتتين، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة.
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ أول صفحة.
في البداية، ما فهمتش كل التفاصيل. كانت فيه أرقام وتواريخ وأسماء شركات، وإشارات إلى اتفاق قديم اتعمل من حوالي اتناشر سنة.
لكن بعد ما وصلت للسطر اللي في منتصف الصفحة، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كان مكتوبًا إن فيه مبلغ مالي كبير تم تخصيصه ضمن اتفاق مرتبط ببرنامج دعم طبي وتأهيل لمصابين، وإن شركة والدي كانت طرفًا في تنفيذ جزء من الاتفاق.
وتحت البيانات، كان فيه توقيع باسم:
صلاح عبد الحميد.
أبويا.
رفعت عيني وبصيت له.
— إيه ده يا بابا؟
رد بسرعة:
— ورق قديم، وإنتِ مش فاهمة تفاصيله.
رجعت للصفحة التانية.
كان فيه اسم تاني خلاني أتوقف عن القراءة للحظات.
ليلى صلاح عبد الحميد.
اسمي أنا.
وبجانبه إشارة إلى مبلغ مالي تم اعتماده ضمن بند خاص بالتأهيل والتدريب الطبي، مع توضيح إن المستفيدة لم تتسلم نسخة من الاتفاق الأصلي.
همست:
— ليه اسمي موجود هنا؟
حازم قرب مني، لكنه ما حاولش ياخد الورق من إيدي.
قال بهدوء:
— كمّلي قراءة يا ليلى.
قلبت الصفحة التالتة، وهناك لقيت صورة ضوئية من خطاب قديم، مؤرخ بتاريخ اليوم اللي سافرت فيه لأول تدريب طويل ليا خارج القاهرة.
الخطاب كان بيؤكد إن فيه طلبًا اتقدم لتعديل جهة صرف جزء من المبلغ، وإن الطلب اتوافق عليه بناءً على توقيع ولي الأمر في الملف الأصلي.
لكن أنا في الوقت ده كنت بالغة، وكنت بدأت خدمتي بالفعل.
رفعت رأسي ببطء.
— مين اللي طلب تعديل جهة الصرف؟
العقيد كريم منصور أشار إلى أسفل الصفحة.
— اسم مقدم الطلب موجود هنا يا فندم.
بصيت للمكان اللي أشار إليه.
وكان الاسم واضحًا.
صلاح عبد الحميد.
أبويا.
اتراجعت خطوة، وأنا مش قادرة أصدق اللي شايفاه.
أبويا قرب مني وقال بصوت متوتر:
— ليلى، اسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
سألته:
— طيب فهمني. الفلوس دي كانت مخصصة لإيه؟ وليه اسمي موجود؟ وليه ما كنتش أعرف أي حاجة عن الاتفاق ده؟
بص للأرض، وما ردش.
حازم أخويا كان واقف بعيد شوية، وملامحه بتقول إنه بيسمع الكلام لأول مرة.
بص لأبويا وسأله:
— بابا، إنت كنت تعرف إن فيه مستندات باسم ليلى؟
أبويا رفع عينيه له.
— حازم، مش وقته.
لكن حازم أصر:
— لا، وقته. أنا أخوها، ومن حقي أفهم. إنت طول عمرك بتقول إنها اختارت الجيش وضحّت بمستقبلها، لكن واضح إن فيه حاجة تانية إحنا ما نعرفهاش.
أمي بدأت تبكي، وقالت:
— كفاية بقى! مش معقول تخلوا فرح أخوكم يتحول للموقف ده بسبب ورق قديم!
بصيت لها، وقلبي مليان أسئلة.
— أنا ما عملتش حاجة يا أمي. أنا بس فتحت ظرفًا كان المفروض يوصل لي من سنين.
في اللحظة دي، العقيد كريم أخرج ورقة أخيرة من الملف.
وقال:
— فيه نقطة مهمة لازم حضرتك تعرفيها، يا رائد ليلى. المستندات اللي معاكي مش النسخة الكاملة. فيه ملحق تاني محفوظ ضمن ملف منفصل، ولازم يتم الاطلاع عليه من خلال الإجراءات الرسمية.
سألته بسرعة:
— والملحق ده فيه إيه؟
بص ناحية أبويا، وبعدها رجع بص لي.
— فيه أسماء الأشخاص اللي وافقوا على التعديلات، وتفاصيل الجهة اللي استلمت المبلغ بعد تغيير مسار الصرف.
أبويا اتقدم خطوة وقال بانفعال:
— كفاية! أنا مش هسمح إن الكلام ده يستمر هنا!
لكن اللواء حازم الشافعي وقف بينه وبيني، وقال بنبرة حاسمة:
— محدش بيحكم على حد هنا، يا أستاذ صلاح. إحنا بس بنحاول نفهم الحقيقة، وأي حاجة هتتراجع من خلال الجهات المختصة.
وبعدين التفت لي.
— القرار قرارك يا ليلى. تقدري تطلبي مراجعة رسمية لكل المستندات، وتعرفي إيه اللي حصل بالضبط.
بصيت للظرف اللي في إيدي.
اتناشر سنة وأنا بحاول أثبت لأهلي إني مش فاشلة، وإن اختياري لحياتي ما كانش غلطة.
لكن دلوقتي، بدأت أفهم إن المشكلة ما كانتش في اختياراتي أصلًا.
كان فيه سر أكبر من كل الانتقادات اللي سمعتها، وأكبر من الخلاف اللي حصل بيني وبين أمي بسبب بدلتي العسكرية.
سر متعلق باسمي، وبمستقبلي، وباتفاق اتعمل وأنا كنت فاكرة إن كل اللي عليّ هو إني أخدم بلدي وأبني حياتي بنفسي.
رفعت رأسي، وبصيت لأبويا.




