
الجزء الثاني والاخير
وقف الأستاذ أحمد الكيلاني في منتصف صالة الاستقبال، ممسكًا بالملف الأسود المختوم، بينما عيون الموجودين كلها كانت متعلقة بيه.
سارة الشافعي حاولت تستعيد ثقتها بنفسها، وعدّلت وقفتها وقالت باستهزاء:
«أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل هنا! مين حضرتك أصلًا؟ وإزاي تدخل المستشفى بالشكل ده وتوقف شغلي قدام الناس؟»
أحمد ما ردش عليها فورًا.
فتح الملف بهدوء، وأخرج منه ورقة عليها توقيعات وأختام رسمية، وبعدها التفت ناحية مديرة العلاقات العامة، منى فؤاد.
«أستاذة منى، ممكن توضحيلي مين المسؤول عن إصدار أمر بطرد المريضة مريم عبد الرحمن من المستشفى؟»
منى اتلخبطت، وبصت لسارة بسرعة.
«أعتقد إن حصل سوء تفاهم بسيط، وإحنا ممكن نحل الموضوع بهدوء.»
أحمد قفل الملف للحظة وقال بنبرة حاسمة:
«سوء تفاهم؟ سيدة حامل مسجلة عندكم كمريضة، اتعرضت للإهانة قدام الناس، واتفتشت شنطتها من غير موافقتها، وبعد كده أفراد الأمن أخرجوها بالقوة، لدرجة إن جسمها خبط في عربة معدنية. وكل ده متسجل بالصوت والصورة.»
سارة ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت متوترة.
«هي اللي عملت مشكلة! وبعدين، أنا كنت ببث مباشر لمتابعيني، ومن حقي أحافظ على مستوى المكان اللي أنا موجودة فيه.»
أحمد بص لها مباشرة.
«مستوى المكان؟»
وبعدين أشار بإيده ناحية شعار المستشفى المعلق فوق المدخل.
«عارفة الشعار ده بيمثل إيه؟»
سارة رفعت كتفيها وقالت:
«طبعًا عارفة. دي واحدة من أشهر المستشفيات الخاصة في البلد، وأنا من الناس اللي بيدعموا المكان ده.»
هنا أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها ما كانتش ابتسامة ود.
«بتدعمي المكان؟ جميل جدًا. يبقى أكيد تعرفي إن المستشفى دي ليها مجلس إدارة، وإن فيه قوانين واضحة بتنظم التعامل مع المرضى والزوار.»
سارة ردت بسرعة:
«وأنا مالي بالقوانين الإدارية؟ أنا مش موظفة عندكم!»
أحمد هز راسه، وبعدها فتح الملف مرة تانية، ورفع أول ورقة قدام الموجودين.
«عندك حق. إنتِ مش موظفة عندنا، لكن ده ما يديكيش الحق إنك تهيني مريضة أو تدي أوامر لأفراد الأمن بطردها.»
وبعدين التفت ناحية أفراد الأمن.
«مين فيكم اللي نفّذ الأمر؟»
واحد منهم تقدم خطوة، ووشه كان واضح عليه القلق.
«أنا يا فندم، لكن مدام منى هي اللي وافقت، والأستاذة سارة قالت إن وجود المدام هنا بيضر بسمعة المستشفى.»
أحمد سأله:
«هل المريضة اعتدت على أي حد؟ هل كسرت حاجة؟ هل خالفت تعليمات طبية؟»
الرجل سكت.
وبعد ثوانٍ قال:
«لأ يا فندم.»
«إذن على أي أساس اتطردت؟»
ماحدش رد.
في اللحظة دي، سارة بدأت تدرك إن الموقف خرج من إيديها.
قربت من أحمد وقالت بنبرة مختلفة:
«بص يا أستاذ، أنا شخصية معروفة، وعندي متابعين كتير، وممكن نحل الموضوع من غير ما نكبره. أنا مستعدة أعتذر لو ده هيريّحها.»
بصيتلها وأنا واقفة جنبه.
من شوية، كانت بتضحك عليَّ قدام آلاف الناس، وبتتعامل معايا كأني إنسانة أقل منها.
والآن، فجأة، بقت مستعدة تعتذر!
لكن أحمد ما اداهاش فرصة تغيّر الموضوع.
«الاعتذار مش هيكون ليا، يا أستاذة سارة. الاعتذار هيكون للمدام اللي أُهينت قدام الناس.»
وبعدين التفت ناحيتي وسألني:
«مريم، تقدري تقفي شوية؟ ولا نروح الأول نطمن على صحتك؟»
قلتله بصراحة:
«أنا محتاجة دكتور يكشف عليَّ. جنبي لسه بيوجعني.»
ملامحه اتغيرت فورًا.
لف ناحية موظفي الاستقبال وقال:
«جهزوا غرفة الكشف، وخلّوا دكتورة النساء والتوليد تيجي فورًا. ومحدش يلمس أي حاجة من متعلقات المدام قبل ما يتم توثيق اللي حصل.»
وبعدها بص لأحد أفراد الأمن.
«من فضلك، هات كرسي متحرك.»
سارة حاولت تتدخل:
«بس إحنا لسه ما خلصناش الكلام!»
أحمد رد من غير ما يرفع صوته:
«صحة المريضة أهم من أي كلام.»
وبالفعل، وصلت الممرضة ليلى منصور، اللي كانت أول واحدة حاولت تدافع عني قبل ما أخرج من المستشفى.
قربت مني وقالت بقلق:
«يا مريم، أنا آسفة جدًا. ماكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده.»
مسكت إيدها وقلت:
«إنتِ حاولتي تساعديني، وده كفاية عندي.»
وبعدها دخلوني غرفة الكشف.
قبل ما الباب يتقفل، سمعت أحمد بيقول بصوت واضح:
«محدش يغادر المكان قبل ما الإدارة القانونية تراجع تسجيلات الكاميرات، ويتم حفظ نسخة كاملة من البث المباشر اللي اتنشر.»
ولأول مرة، سارة ما لقتش رد تقوله.
—
بعد حوالي عشرين دقيقة، خرجت الدكتورة من غرفة الكشف.
أحمد كان واقف في الممر، وملامحه مشدودة من القلق.
سألها فورًا:
«طمنيني يا دكتورة، هي والطفلة بخير؟»
الدكتورة قالت:
«الحمد لله، النبض كويس، وحركة الجنين مطمئنة. لكن لازم ترتاح، وهنحتاج نتابع الألم اللي عندها ونتأكد إنه مفيش أي مشكلة. أي زيادة في الوجع أو نزيف أو أعراض جديدة تستدعي تقييمًا عاجلًا.»
أحمد تنفس براحة، وبعدها دخل يطمن عليَّ.
كنت قاعدة على السرير، وبإيدي المظروف اللي فيه صورة السونار.
بصلي وقال:
«الحمد لله على سلامتك. أنا آسف إنك اضطرّيتي تمري بالموقف ده.»
قلتله:
«المهم إن بنتي بخير.»
سكت لحظة، وبعدها سألته:
«الملف معاك؟»
رفع الملف الأسود وقال:
«معايا. وكل الأوراق الأصلية موجودة، زي ما طلبتي.»
بصيت ناحية الباب، وبعدين رجعت عيني ليه.
«أنا مش عايزة الموضوع يتحول لخناقة شخصية. أنا عايزة كل واحد يتحاسب على اللي عمله، بالقانون.»
هز راسه وقال:
«وده بالضبط اللي هيحصل.»
—
في صالة الاستقبال، كانت سارة قاعدة على أحد المقاعد، وما زالت فاتحة البث المباشر.
لكن الوضع اتغير تمامًا.
التعليقات اللي كانت بتشجعها في البداية، بدأت تتحول لأسئلة محرجة.
واحد من المتابعين كتب:
«إزاي تطردي واحدة حامل من المستشفى لمجرد إن لبسها مش عاجبك؟»
وكتب شخص تاني:
«الممرضة قالت إنها مريضة مسجلة، إنتِ مين عشان تخرجيها؟»
وبعدها ظهرت تعليقات أكتر بتطالبها تعتذر.
سارة حاولت تضحك وتقول:
«يا جماعة، إنتوا مش فاهمين الصورة كاملة. الست دي دخلت المكان بطريقة غريبة، وأنا كنت بحاول أحافظ على النظام.»
لكن المشكلة إن التسجيل كان واضحًا.
صوتها وهي بتسخر مني كان مسموعًا.
وأمرها بتفتيش الشنطة كان مسجلًا.
وكلامها عن الفقراء كان موجودًا في البث.
وحتى اللحظة اللي أمرت فيها أفراد الأمن يخرجوني، كانت ظاهرة قدام الناس.
ما بقاش عندها فرصة تقنعهم إن الموضوع مجرد سوء تفاهم.
وفجأة، ظهر أحمد من باب الممر، وخلفه رجلان من الإدارة القانونية.
حط الملف الأسود على مكتب الاستقبال، وطلب من منى فؤاد تجلس قدامه.
وبعدين قال:
«قبل ما نفتح الملف، أحب أوضح نقطة مهمة. إحنا مش هنا عشان نعاقب حد بسبب رأيه أو شهرته. إحنا هنا عشان نعرف مين خالف اللوائح، ومين سمح باستخدام سلطة مش من حقه، ومين حاول يبرر الإساءة لمريضة.»
منى كانت بتفرك إيديها بتوتر.
«أنا نفذت اللي شفته مناسب في اللحظة دي.»
أحمد سألها:
«هل راجعتي بيانات المريضة قبل ما توافقي على طردها؟»
«لأ.»
«هل طلبتي من الطبيب المسؤول تقييم حالتها؟»
«لأ.»
«هل فيه تقرير أمني بيقول إنها خالفت النظام أو اعتدت على أي شخص؟»
منى ما ردتش.
أحمد فتح الملف وأخرج مستندًا آخر.
«إذن، خلينا نبدأ بمراجعة صلاحيات كل شخص اتدخل في الواقعة.»
سارة قامت من مكانها فجأة وقالت:
«لحظة واحدة! أنا مش هسمح إنكم تستخدموا نفوذكم ضدي. أنا عندي محامين، وهرفع قضية لو حد حاول يضر بسمعتي!»
أحمد بص لها بهدوء.
«من حقك تلجئي للقانون، ومن حق أي شخص يدافع عن نفسه. لكن محدش يقدر يمسح تسجيلات الواقعة أو يتجاهل حقوق المريضة.»
وبعدين رفع المستند اللي في إيده.
«والأهم من كل ده، إنك لحد دلوقتي مش عارفة مين السيدة اللي أمرتي بطردها.»
سارة ضحكت بتوتر.
«والمفروض أعرفها يعني؟»
أحمد رد:
«مش مطلوب منك تعرفي اسم كل مريض. المطلوب منك تحترميه.»
وبعدها سكت لحظة، ثم أضاف:
«لكن بما إنك مصممة تعرفي، أعتقد إن الوقت جه تشوفي المستند اللي كان المفروض يتراجع قبل ما أي حد يسمح لنفسه يتعامل معاها بالطريقة دي.»
فتح الملف الأسود، وأخرج وثيقة رسمية طويلة، عليها ختم المجموعة المالكة للمستشفى وتوقيعات مجلس الإدارة.
سارة قربت خطوة، ومدت رقبتها تحاول تقرأ العنوان.
ولما شافت أول سطر، ابتسامتها اختفت تمامًا.
أما منى، فحطت إيدها على فمها، وكأنها مش مصدقة اللي قدامها.
أحمد رفع عينيه وقال:
«قبل ما نصدر أي قرار، لازم الكل يعرف الحقيقة كاملة. مريم عبد الرحمن مش مجرد مريضة جاية تعمل كشف.»
وبص ناحية باب غرفة الكشف اللي كنت موجودة جواها.
«هي صاحبة الحق القانوني في مراجعة قرارات إدارة المستشفى، بصفتها ممثلة عن الجهة المالكة، وبموجب التفويض الرسمي الموجود في الملف.»
سارة اتراجعت خطوة.
«إيه؟!»
أحمد كمل:
«والأوراق اللي معايا مش مجرد خطاب إداري. دي مستندات أصلية بتوضح حدود صلاحيات الإدارة، والإجراءات اللي لازم تتبع في أي شكوى تخص التعامل مع المرضى.»
وبعدين أشار للوثيقة الأولى.




