
الجزء الثاني والاخير
خرجت من بيت أبويا وأنا حاسة إن آخر خيط كان رابطني بالعيلة دي اتقطع.
ركبت عربيتي القديمة، وقفلت الباب، وفضلت قاعدة مكاني كام دقيقة من غير ما أدور الموتور.
كنت ببص على البيت الكبير اللي عشت فيه طفولتي، البيت اللي كنت فاكرة إن أبوابه هتفضل مفتوحة ليا مهما حصل.
لكن النهارده، وأنا خارجة منه، كنت عارفة إن حياتي مش هترجع زي الأول أبدًا.
مسحت دموعي، وبصيت لصورة يوسف الصغيرة المثبتة جنب تابلوه العربية.
ابتسامته كانت كفاية إنها تخليني أتحمل أي حاجة.
همست لنفسي:
«هتخف يا حبيبي… حتى لو اضطرّيت أبدأ حياتي من الصفر.»
في اليوم التالي، أخدت قراري.
عرضت عربيتي للبيع، ووافقت على أول سعر مناسب يخليني أقرب من المبلغ المطلوب لعلاج يوسف.
كانت عربية مستعملة، وكنت عارفة إنها مش هتجيب المبلغ كله، لكن كل جنيه هيفرق.
بعتها، وضميت فلوسها للمدخرات البسيطة اللي كنت محوشاها على مدار سنين.
وبعد ما حسبت كل حاجة، اكتشفت إن لسه فيه مبلغ ناقص.
ما استسلمتش.
اشتغلت ساعات إضافية، وبدأت أقبل شغل في أيام إجازتي، وقللت مصاريف البيت لأقصى درجة ممكنة.
كنت بصحى قبل الفجر، أجهز أكل يوسف، وأوصله لمواعيده الطبية، وبعدها أروح شغلي، وأرجع آخر اليوم وأنا حاسة إن جسمي كله بيصرخ من التعب.
لكن كل مرة كنت أشوفه نايم، كنت بافتكر كلام الدكتور:
«كل ما نبدأ العلاج بدري، فرصته في التحسن هتكون أفضل.»
الجملة دي كانت بتدفعني أكمل حتى لما كنت بحس إني خلاص مش قادرة.
وبعد أسابيع من الجري وراء الفلوس، قدرت أوفر المبلغ المطلوب.
دفعت تكاليف العلاج، وبدأ يوسف برنامجه الطبي المتخصص.
كانت رحلة طويلة، مليانة مواعيد وفحوصات وأيام من القلق، لكن لأول مرة من شهور، حسيت إن فيه أمل حقيقي.
وفي يوم، خرج الدكتور من غرفة الفحص، وبص لي بابتسامة مطمئنة.
قال:
«النتائج الجديدة مبشرة جدًا. يوسف بيستجيب للعلاج بشكل كويس، وده شيء كنا مستنيينه.»
حطيت إيدي على بقي، ودموعي نزلت من غير ما أقدر أوقفها.
ماكانتش دموع حزن المرة دي.
كانت دموع أم أخيرًا بدأت تستعيد ابنها من قبضة المرض.
يوسف كمان بدأ يرجع لطبيعته بالتدريج. رجعت ضحكته، وبقى يسألني عن المدرسة وأصحابه، وطلب مني في يوم إني أخرجه يلعب زي باقي الأطفال.
حضنته بقوة، وقلت له:
«قريب يا حبيبي… قريب هترجع تعمل كل اللي نفسك فيه.»
وبالفعل، مع مرور الشهور، تحسنت حالته بصورة كبيرة، وبقى قادر يعيش حياة أقرب للطبيعية.
أما أنا، فكنت لسه بحاول أعوض الخسارة المادية اللي اتعرضت لها.
كنت بروح الشغل بوسائل المواصلات، وأحسب كل مصروف قبل ما أدفعه، وأحاول أحوش أي مبلغ صغير علشان أرجع أقف على رجلي من جديد.
ومع ذلك، ما ندمتش ولا يوم على بيع عربيتي.
لأن كل ما كنت أشوف يوسف بيضحك، كنت بحس إن العربية دي كانت أرخص حاجة ممكن أضحي بيها علشانه.
لكن علاقتي بأهلي اتغيرت تمامًا.
ما قطعتش علاقتي بيهم بشكل رسمي، لكن بطلت أطلب منهم أي حاجة، وبطلت أحكي لهم عن مشاكلي أو أحلامي.
كنت برد على اتصالات أمي من وقت للتاني، وأسأل على أبويا، لكن من غير ما أستنى منهم اهتمامًا ماقدروش يقدموه وقت ما كنت محتاجاه.
أما أخويا، فكان بيبعت صور كريم مع عربيته الجديدة على مجموعة العيلة.
صور قدام مطاعم فخمة، وصور في رحلات، وصور للعربية وهي واقفة قدام البيت الكبير.
وكل مرة كانت أمي تكتب:
«ربنا يفرح قلبك يا كريم، وتفضل دايمًا مرفوع الراس.»
كنت بقرا الرسائل وأسكت.
ماكانش عندي طاقة أدخل في نقاشات، ولا كنت عايزة أثبت لأي حد إن ابني كان يستحق المساعدة أكتر من عربية جديدة.
كنت خلاص اتعلمت الدرس.
اللي يختار يسيبك لوحدك وقت الشدة، ماينفعش تبني حياتك على أمل إنه هينقذك يومًا ما.
مرت الشهور، وبدأت أرتب حياتي من جديد.
وبعد حوالي سنة، وصلتني مكالمة من أمي.
كان صوتها مختلفًا، متوترًا ومليان قلق.
قالت:
«سلمى، إنتِ فاضية دلوقتي؟ محتاجين نتكلم في موضوع مهم.»
سألتها:
«خير يا ماما؟ بابا كويس؟»
سكتت ثواني، وبعدها قالت:
«إحنا عندنا مشكلة كبيرة في البيت.»
قلبي انقبض، وسألتها عن اللي حصل.
قالت إن جزءًا كبيرًا من سقف البيت انهار بعد ما ظهرت فيه أضرار شديدة، وإن الإصلاحات المطلوبة هتكلف مبلغًا ضخمًا.
الحمد لله، محدش اتصاب، لكن البيت بقى محتاج تدخل عاجل علشان يبقى آمنًا للسكن.
قلت لها:
«طب ما تكلموا شركة التأمين أو مقاول يشوف المشكلة.»
ردت بسرعة:
«إحنا بنتصرف، لكن المصاريف أكبر مما توقعنا.»
وبعدها أضافت بصوت منخفض:
«أبوكي عايز يكلمك بنفسه.»
بعد دقائق، سمعت صوته على الهاتف.
كان نفس الصوت اللي رفض يساعدني من سنة، لكن المرة دي ماكانش فيه هدوء المدير اللي واثق إن كل حاجة تحت سيطرته.
كان متوترًا، وبيحاول يخفي قلقه.
قال:
«إزيك يا سلمى؟ وإزي يوسف؟»
استغربت إنه سأل عن يوسف، لأن آخر مرة اتكلمنا فيها، ماكانش مستعد يساهم في علاجه حتى بجزء بسيط.
رديت:
«الحمد لله، يوسف بقى أحسن كتير.»
قال:
«الحمد لله، ربنا يتمم شفاءه على خير.»
وبعدها دخل في الموضوع مباشرة.
«بصي يا بنتي، إحنا عندنا مشكلة كبيرة في البيت، والسقف محتاج إصلاحات ضرورية. المقاول طلب مبلغ كبير مقدمًا، وإحنا محتاجين سيولة بسرعة.»
فضلت ساكتة، مستنية يكمل.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال الجملة اللي خلتني أفتكر كل كلمة قالها لي في المطبخ القديم:
«كنت عايز أسألك لو تقدري تسلفينا مبلغ لحد ما نرتب أمورنا. إحنا مش بنطلب منك هدية، ده مجرد قرض، وهنرجعهولك أول ما نقدر.»
غمضت عيني.
رجعت بذاكرتي لليوم اللي كنت واقفة فيه قدامه، ماسكة تقارير ابني الطبية، وبترجاه يساعدني.
افتكرت لما قال لي إن 32 ألف دولار مبلغ مستحيل يوفره.
وافتكرت العربية الجديدة اللي اشتراها لابن أخويا بمبلغ 45 ألف دولار، من غير ما يفكر مرتين.
افتكرت نفسي وأنا ببيع عربيتي الوحيدة، وبروح شغلي كل يوم وأنا مرهقة، وبحاول أخفي خوفي عن ابني علشان ما يحسش إن الدنيا كلها ضده.
والنهارده، أبويا نفسه بيتصل بيا، وبيطلب مني قرضًا.
ما ضحكتش، وما شمتّش فيه، وما قلتش له إنه يستاهل اللي حصل.
كل اللي حسيت بيه كان حزنًا عميقًا، لأن الموقف ده أكد لي إن المشكلة ماكنتش في الفلوس وحدها.
المشكلة كانت في الاختيار.
هو كان عنده القدرة يساعد، لكنه اختار وقتها إن رفاهية حفيده الآخر أهم من صحة ابني.
والآن، هو بيطلب مني أكون الشخص اللي هو رفض يكونه بالنسبة لي.
سألني بصوت متردد:
«إنتِ معايا يا سلمى؟ سامعاني؟»
فتحت عيني، وبصيت ليوسف اللي كان قاعد على الأرض بيرسم، وبيضحك وهو بيحاول يشرح لي رسمة جديدة عملها.
ثم رجعت للهاتف وقلت بهدوء:
«أيوه يا بابا، سامعاك.»
قال بسرعة:
«طيب، تقدري تساعدينا بكام؟ إحنا محتاجين نتصرف في أسرع وقت.»
سكتُّ لحظة، ثم سألته سؤالًا واحدًا:
«بابا، فاكر لما كنت عندك في المطبخ، ومعايا ملف علاج يوسف، وطلبت منك تساعدني في مبلغ الـ32 ألف دولار؟»
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ما ردش.
فقلت:
«فاكر لما قلت لي إنكم مش قادرين تدفعوا تكاليف علاجه، لكن تقدروا تشتروا عربية لكريم بـ45 ألف دولار؟»
سمعت حركة خفيفة، وبعدها صوت أمي من بعيد بتسأله مين اللي بيتكلم.
لكنه ما جاوبش.
وأخيرًا، قال بنبرة دفاعية:
«يا سلمى، الموضوع كان مختلفًا وقتها. إحنا كنا بنفكر في مصلحة العيلة كلها.»
رديت بهدوء:
«وأنا كمان كنت بفكر في مصلحة عيلتي يا بابا. يوسف ابني، وكان محتاجني. وبعت عربيتي، واشتغلت أكتر، ودفعت علاجه بنفسي. والحمد لله، هو دلوقتي أحسن.»
قال بسرعة:
«وأنا فرحان إنه بقى كويس، والله العظيم فرحان.»
ما شككتش في فرحته بتحسن حفيده، لكن كان فيه سؤال لسه محتاج إجابة.
قلت له:
«طيب، عايزاك تجاوبني بصراحة. لو كنت مكانّي وقتها، وعندك حفيد محتاج علاج ضروري، وفي نفس الوقت عندك حفيد تاني عايز عربية جديدة، كنت هتختار مين؟»
لم أسمع سوى أنفاسه المتقطعة.
ثم قال:
«إنتِ ليه بترجعي تفتحي الموضوع ده دلوقتي؟ إحنا في مشكلة، وعايزين نحلها.»
أجبته:
«لأنك النهارده بتطلب مني أساعدك، وأنا محتاجة أفهم إذا كنت فعلًا شايف الفرق بين الموقفين.»
ارتفع صوته قليلًا:
«يعني إنتِ مش هتساعدينا؟ ده بيت أبوكي يا بنتي!»
الجملة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
لأن البيت اللي كان بيذكرني بيه دلوقتي، هو نفسه البيت اللي خرجت منه قبل سنة وأنا حاسة إني فقدت عيلتي.
أخذت نفسًا عميقًا، وقلت:
«أنا مش بتمنى لكم أي أذى يا بابا، ومش عايزة البيت يقع أو يحصل لكم حاجة. لكن أنا مش هقدر أتحمل مصاريف الإصلاحات بدلًا منكم. عندي التزاماتي، وعندي ابني ومستقبله، ولسه بحاول أعوض اللي خسرته علشان علاجه.»
رد بغضب:
«يعني هتسيبي أبوكي وأمك في الظروف دي؟»
أغمضت عيني للحظة.
ثم قلت الجملة اللي كنت محتاجة أقولها من يوم ما خرجت من بيته:
«أنا ما سبتكوش يا بابا. أنا بس بطلت أضحي بابني علشان أرضيكم.»
وبعدها أنهيت المكالمة بهدوء.
حطيت الهاتف على الترابيزة، وقعدت جنب يوسف.
رفع وشه ناحيتي، وسألني:
«ماما، إنتِ زعلانة؟»
ابتسمت له رغم الدموع اللي كانت بتلمع في عيني.
قلت:
«لأ يا حبيبي، أنا بس بفكر في حاجة.»
مد إيده الصغيرة ومسكني من صوابعي، وقال:
«طب تعالي شوفي أنا رسمت إيه.»
قربت منه، وبصيت للرسمة.
كان راسم بيتًا صغيرًا، وشمسًا كبيرة، وستًا ماسكة إيد طفل.
وتحت الرسمة، كتب بخط طفولي متعرج:
«أنا وماما.»
في اللحظة دي، فهمت إن البيت الحقيقي مش هو المكان اللي اتربيت فيه، ولا الجدران العالية، ولا الرخام الغالي، ولا حتى اسم العيلة.
البيت الحقيقي هو المكان اللي تلاقي فيه حد مستعد يقف جنبك لما الدنيا كلها تضيق بيك.
حضنت يوسف، وقلت له:
«رسمة جميلة أوي يا حبيبي.»
لكنه ماكانش يعرف إن المكالمة دي مش هتكون نهاية الحكاية.
لأن في الأيام اللي بعدها، بدأت توصلني رسائل من أفراد العيلة، وكل واحد فيهم كان عنده رواية مختلفة عن اللي حصل في بيت جدي.
وبعدها بيومين، اتصل بيا أخويا، وقال لي بنبرة غريبة:
«سلمى، لازم نتكلم. في حاجة حصلت في موضوع البيت، وفيه تفاصيل إنتِ ما تعرفيهاش.»
وقبل ما أقدر أسأله عن قصده، أضاف:
«الموضوع مش مجرد سقف وقع… وفيه قرار اتاخد من غير ما حد في العيلة يعرف حقيقته.»
ساعتها أدركت إن طلب أبويا للفلوس كان مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير.
فضلت ماسكة الموبايل بعد ما أخويا قال جملته الأخيرة.
«الموضوع مش مجرد سقف وقع… وفيه قرار اتاخد من غير ما حد في العيلة يعرف حقيقته.»
سألته بقلق:
«تقصد إيه يا محمود؟ إيه اللي حصل بالضبط؟»
اتنهد وقال:
«مش هقدر أشرح لك كل حاجة في التليفون. لازم نتقابل.»
كنت مترددة. آخر حاجة كنت عايزاها إني أرجع لنفس الدوامة اللي خرجت منها بالعافية. لكن فضولي كان أقوى، خصوصًا إن كلامه خلاني أحس إن فيه حاجة كبيرة مستخبية ورا حكاية البيت.
اتفقنا نتقابل تاني يوم في كافيه قريب من شغلي.
وصل محمود متأخر حوالي عشر دقايق. كان شكله مرهق، وملامحه متغيرة، وكأنه شايل هم أكبر من مجرد مشكلة في بيت العيلة.
قعد قدامي، وفضل يقلب فنجان القهوة بين إيديه من غير ما يشرب منه.
قلت له:
«محمود، أنا جيت علشان أسمع منك الحقيقة. اتكلم.»
رفع عينيه وقال:
«إنتِ عارفة إن بابا اشترى عربية لكريم بـ45 ألف دولار، صح؟»
رديت:
«طبعًا عارفة. هو بنفسه قال لي وقتها إن ده حقه، وإنه محتاج العربية علشان يبدأ حياته.»
هز راسه بأسى.
«طيب، فيه حاجة إنتِ ما تعرفيهاش. العربية دي ما اتدفعتش من فلوس مدخرات بابا زي ما إحنا كلنا كنا فاكرين.»
عقدت حاجبي وسألته:
«أمال اتدفعت منين؟»
قرب بجسمه ناحية الترابيزة وخفض صوته.
«بابا كان عامل حساب استثماري قديم، وكان فيه مبلغ كبير محوشه على مدار سنين. جزء من الفلوس دي كان مخصصًا للطوارئ، وجزء تاني كان المفروض يفضل احتياطيًا لمصاريف البيت والعلاج لو حد في العيلة احتاج.»
حسيت بقلبي بيدق أسرع.
سألته:
«وإيه علاقة ده بعلاج يوسف؟»




