
الجزء الثاني
في التاسعة إلا عشر دقائق من صباح اليوم التالي، كنت أقف أمام منزل العم حمدي وأنا أشعر بأنني ذاهبة إلى محاكمة، وليس إلى اجتماع عائلي.
كان كريم بجواري.
وقبل أن نطرق الباب، أمسك يدي وقال:
— مهما حدث، لن أتركك وحدك.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
— أنا لا أخاف منهم يا كريم… لكنني أريد أن أعرف ما الذي يقصدونه.
دخلنا.
كان الجميع موجودين بالفعل.
نوال تجلس في المقدمة، وبجوارها الحاج محمود، بينما جلس باقي أفراد العائلة في صفين متقابلين وكأنهم ينتظرون بدء جلسة رسمية.
ما إن دخلنا حتى ساد الصمت.
ثم قالت نوال:
— اجلسي يا سلمى.
جلست بجوار كريم.
أما هو فبقي واقفًا.
— قبل أن نبدأ، أريد أن أعرف لماذا استدعيتِ زوجتي إلى هنا وكأنها متهمة؟
تدخل والده:
— اجلس يا كريم. هذه مشكلة عائلية.
رد كريم:
— زوجتي جزء من عائلتي، وإذا كانت المشكلة تخصها فسأبقى واقفًا.
وضعت نوال حقيبة صغيرة على الطاولة.
ثم أخرجت منها مجموعة أوراق.
قالت:
— منذ زواجك من سلمى، تغيرت يا كريم.
لم يرد.
تابعت:
— قبل الزواج كنت تهتم بعائلتك، وتساعد والدك في الشركة، وتزورنا باستمرار.
ثم نظرت إليّ.
— أما بعد أن تزوجتها، أصبح كل شيء مختلفًا.
قلت بهدوء:
— أنا لم أمنع كريم يومًا من زيارة عائلته.
ضحكت ريم بسخرية.
— بالطبع! أنتِ فقط جعلته يقضي كل وقته معك!
كريم التفت إليها.
— لأنني تزوجتها يا ريم. هل كنتِ تتوقعين أن أتزوج ثم أعيش معكم؟
لكن نوال لم تهتم.
فتحت أول ملف أمامها.
— نحن لا نتحدث عن الزيارات.
ثم دفعت الأوراق نحو كريم.
— نحن نتحدث عن المال.
نظرت إلى الأوراق.
كانت كشوفًا مصرفية قديمة.
قالت نوال:
— قبل خمس سنوات، كان والدك ينوي شراء قطعة أرض كبيرة لتوسيع الشركة.
أومأ كريم.
— أعرف.
— وكان والدك يحتاج إلى مبلغ كبير لإتمام الصفقة.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
— لكن في ذلك الوقت، كان هناك شخص واحد أقنع كريم ألا يضع أمواله في الشركة.
شعرت بقلبي يتوقف.
— أنا؟
قالت:
— نعم.
هز كريم رأسه.
— هذا غير صحيح.
لكن والده قاطعه:
— انتظر يا بني.
ثم قال:
— في ذلك الوقت، كنت مستعدًا لضخ كل مدخراتي في مشروع جديد. لكنك تراجعت فجأة.
نظر كريم إلى الأوراق.
— لأنني اكتشفت أن الأرض عليها مشكلة قانونية.
صمت والده.
فقلت:
— وما علاقتي أنا؟
ابتسمت نوال ابتسامة باردة.
— لأنك في ذلك الوقت كنتِ قد أقنعته بأن يحتفظ بماله من أجل شراء منزل مستقل لكما.
نظرت إلى كريم.
— هل هذا ما حدث؟
هز رأسه.
— لا.
ثم أضاف:
— أنا لم أخبرك بهذا من قبل، لكنني اكتشفت قبل الزواج بأسابيع أن الصفقة التي اقترحها أبي كانت ستكلفنا خسائر ضخمة.
نظر والده إليه بغضب.
— ومن أخبرك؟
— محامي الشركة.
بدأت الهمسات تنتشر في الغرفة.
قلت:
— إذن أنا لم أكن السبب.
لكن نوال رفعت صوتها:
— سواء كنتِ السبب أم لا، الحقيقة أن كريم لم يدخل أموالًا في الشركة، وبعدها ارتفعت قيمة الأرض بشكل كبير.
قال كريم:
— لو اشتريتها وقتها، ربما كنا خسرنا كل شيء.
رد والده:
— لكننا لم نخسر!
ثم ضرب بيده على الطاولة.
— أنا أصلحت المشكلة لاحقًا، والشركة توسعت بدون أموالك!
تدخل العم حمدي:
— دعونا لا نضيع الوقت.
ثم نظر إليّ.
— المشكلة الحقيقية أن البيت الذي تعيشان فيه كان من المفترض أن يكون لعائلة الشافعي.
نظرت إليه باستغراب.
— ماذا؟
قال:
— والد كريم اشتراه قبل الزواج.
تدخل كريم فورًا:
— هذا البيت اشتريته أنا.
أخرج والده ورقة.
— بالمال الذي أعطيتك إياه.
أخذ كريم الورقة.
قرأها.
ثم رفع عينيه.
— هذا قرض.
ابتسم والده.
— لم تسدده.
قال كريم:
— لأنك قلت لي إنه هدية زواج.
صرخت نوال:
— وأنا قلت لك وقتها إننا لن نطالبك به!
ثم أشارت إليّ.
— لكن بعد زواجك منها تغير كل شيء.
شعرت بالغضب.
— لماذا تتحدثون عن البيت وكأنه ملككم؟
لم يجب أحد.
حتى لاحظت شيئًا غريبًا.
الأوراق التي أمامهم لم تكن كاملة.
كان هناك مستند ناقص.
قلت:
— أين عقد الملكية؟
نظر الجميع إليّ.
أكملت:
— إذا كنتم تقولون إن البيت لكم، فأين العقد؟
سادت لحظة صمت.
ثم قال الحاج محمود:
— الأوراق موجودة.
— أريد رؤيتها.
تغير وجهه.
هنا بدأ كريم يفهم شيئًا.
قال:
— أبي… أين عقد الملكية؟
لم يجب.
نوال تدخلت بسرعة:
— لا داعي لهذا التحقيق. نحن عائلة واحدة.
ضحكت للمرة الأولى منذ بداية الاجتماع.
— الغريب أنكم عندما تريدون طردي من منزلي أصبحنا “عائلة واحدة”، وعندما كنت أعمل وأساعدكم وأتحمل إهاناتكم لم يتذكر أحد ذلك.
ثم وقفت.
— أنا لن أخرج من بيتي بناءً على كلام بلا دليل.
قالت نوال بغضب:
— إذن ستجعلين ابننا يعادي والديه؟
رد كريم:
— لا يا أمي. أنتم من تطلبون مني الاختيار.
ثم أمسك يدي.
— وأنا اخترت زوجتي.
لكن قبل أن نغادر، رن هاتف الحاج محمود.
نظر إلى الشاشة.
وتغير وجهه بالكامل.
قال بصوت منخفض:
— ماذا؟
استمع لبضع ثوانٍ.
ثم وقف.
— مستحيل!
الجميع نظر إليه.
سألته نوال:
— ماذا حدث؟
لم يجبها.
خرج إلى الشرفة وأغلق الباب خلفه.
كريم نظر إليّ.
— هناك شيء لا نعرفه.
وبعد دقائق عاد والده.
كان وجهه شاحبًا.
قال:
— البنك أرسل إشعارًا.
سأله كريم:
— بشأن ماذا؟
ابتلع ريقه.
— بشأن الحساب القديم الذي كان يُستخدم لدفع أقساط هذا البيت.
ثم نظر إليّ.
— هناك تحويلات مالية كبيرة تمت قبل خمس سنوات.
قلت:
— وما علاقتي بهذا؟
لم يجب.
لكنني لاحظت أن نوال بدأت ترتجف.
وكان واضحًا أنها تعرف شيئًا.
اقتربت منها.
— أنتِ تعرفين من أرسل تلك الأموال، أليس كذلك؟
رفعت عينيها نحوي.
لثوانٍ طويلة لم تتكلم.
ثم قالت بصوت خافت:
— نعم.
سألها كريم:
— من؟
نظرت إليه، ثم إليّ.
— والد سلمى.
تجمدت في مكاني.
والدي؟
والدي توفي قبل سنوات من زواجي.
لم أفهم شيئًا.
قال كريم:
— ماذا تقولين؟
لكن نوال لم تجب.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف العم حمدي.
فتح رسالة وصلته للتو.
قرأها…
ثم تغير لون وجهه.
رفع عينيه نحونا وقال:
— هناك شخص طلب مني أن أخبركم بالحقيقة اليوم.
سأل كريم:
— من؟
أجاب:
— المحامي الذي كان يتولى أوراق والد سلمى قبل وفاته.
ثم أضاف جملة جعلت الجميع يصمت:
— ويقول إن هناك وصية سرية لم تظهر منذ خمس سنوات…
وصية قد تكشف لماذا كانت عائلة زوجي تحاول منذ اليوم الأول أن تجعلني أشعر بأنني لا أستحق هذا المنزل.
والأغرب…
أن اسم كريم كان موجودًا فيها أيضًا.
الجزء الثالث
ظل الجميع صامتين بعد أن ذكر العم حمدي وجود وصية سرية.
أما أنا فكنت عاجزة عن استيعاب ما يحدث.
قلت:
— أبي ترك وصية؟
أومأ العم حمدي.
— هذا ما يقوله المحامي.
نظر كريم إلى والده.
— أبي، هل كنت تعرف شيئًا عن هذا؟
هز الحاج محمود رأسه بسرعة.
— لا.
لكن صوته لم يكن مقنعًا.
تدخلت نوال:
— ربما هناك سوء تفاهم. والد سلمى توفي منذ سنوات، فلماذا تظهر وصية الآن؟
أجاب العم حمدي:
— لأنها لم تكن وصية عادية.
ثم قال:
— المحامي طلب حضور سلمى وكريم شخصيًا إلى مكتبه.
قال كريم:
— سنذهب الآن.
حاولت نوال إيقافنا.
— انتظروا. الاجتماع لم ينتهِ بعد.
التفت إليها كريم.
— بالنسبة لي انتهى منذ اللحظة التي حاولتم فيها طرد زوجتي من منزلها.
ثم خرجنا.
—
كان مكتب المحامي في وسط الإسكندرية.
دخلنا غرفة الاجتماعات، فوجدنا رجلًا في الستين من عمره ينتظرنا.
نهض وقال:
— السيدة سلمى عبد الرحمن؟
— نعم.
ابتسم بحزن.
— كنت أعرف والدك جيدًا.
جلست أمامه.
— ماذا ترك لي أبي؟
فتح حقيبة جلدية قديمة وأخرج ظرفًا بنيًا.
كان مغلقًا بالشمع.
ثم قال:
— والدك طلب مني ألا أفتح هذا الظرف إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة على زواجك.
نظرت إلى كريم.
— لماذا خمس سنوات؟
قال المحامي:
— لأن والدك كان يعرف أن زواجك من كريم سيضعك في مواجهة عائلته.
شعرت بقشعريرة.
— كان يعرفهم؟
أجاب:
— أكثر مما تتخيلين.
فتح الظرف وأخرج عدة أوراق.
ثم قال:
— والدك لم يكن فقيرًا كما كنتِ تظنين.
اتسعت عيناي.
— ماذا؟




