منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

نظرت هبة إلى حقيبتي مرة أخرى، ثم قالت:

«هل أنتِ متأكدة إنك عايزة تستأجري الغرفة؟»

أومأت برأسي.

«أيوه.»

سألتني:

«عندك شغل؟»

ترددت للحظة.

«لسه بدور.»

«فلوسك هتكفي قد إيه؟»

نظرت إلى الأرض.

«مش كتير.»

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«الغرفة مش فاخرة، وأنا مش محتاجة حد يدفع لي مبلغ كبير. لو اشتغلتي والتزمتي، تقدري تقعدي.»

كانت تلك أول مرة منذ وقت طويل يعرض عليّ أحدهم شيئًا من دون أن يطلب مني أن أثبت أنني أستحقه.

انتقلت إلى الغرفة في اليوم نفسه.

كانت صغيرة جدًا.

سرير ضيق، ومكتب خشبي قديم، وخزانة لا تغلق جيدًا، ونافذة تطل على موقف سيارات.

لكنها كانت لي.

لأول مرة في حياتي، كان لدي مفتاح لباب لا يستطيع أحد أن يطردني منه لمجرد أنه غاضب مني.

في صباح اليوم التالي، بدأت أبحث عن عمل.

قدمت طلبات في المطاعم، والمتاجر، والمكاتب، وحتى في المستودعات.

وفي اليوم الرابع، حصلت على وظيفة استقبال في شركة صغيرة للشحن.

لم يكن الراتب كبيرًا، لكنني قبلت فورًا.

كنت أصل قبل الجميع تقريبًا، وأغادر بعد معظم الموظفين.

وبمجرد أن اكتشفت الإدارة أنني أجيد التعامل مع الأرقام والملفات، بدأ المدير يطلب مني مراجعة الفواتير.

ثم اكتشفت أن سجلات الشركة كانت في حالة فوضى شديدة.

جلست بعد انتهاء الدوام عدة ساعات أرتبها.

وبعد شهر، قال لي المدير:

«ليان، مين علمك كل ده؟»

قلت:

«أبي كان عنده متجر.»

ضحك.

«يبقى أنتِ كنتِ بتشتغلي عنده؟»

نظرت إلى الشاشة أمامي.

«أيوه.»

لم أخبره أنني كنت أعمل هناك دون راتب.

ولم أخبره أنني كنت أتعامل مع حسابات المتجر منذ أن كنت في السادسة عشرة.

بعد ثلاثة أشهر، عرض عليّ المدير وظيفة أفضل في قسم الحسابات.

وبعد ستة أشهر، كنت أتعلم برامج المحاسبة التي لم أكن أعرف حتى بوجودها.

كنت أدرس في الليل.

وأعمل في النهار.

وأوفر كل دولار أستطيع توفيره.

وفي نهاية العام الأول، كنت قد ادخرت ما يكفي للالتحاق بالجامعة.

لم أعد أنتظر من عائلتي أن تدفع لي.

دفعت بنفسي.

كنت أدرس إدارة الأعمال والمحاسبة.

وكانت هبة أكثر شخص شجعني.

كانت تقول لي دائمًا:

«أنتِ مش محتاجة تثبتي إنك أذكى منهم. أنتِ محتاجة تبني حياة محدش يقدر ياخدها منك.»

احتفظت بهذه الجملة في ذاكرتي.

ومرت السنوات.

في السنة الثالثة من الجامعة، حصلت على تدريب في شركة استثمارية كبيرة.

هناك، بدأت أكتشف أنني لم أكن جيدة في الحسابات فقط.

كنت أجيد اكتشاف الأخطاء التي لا يلاحظها الآخرون.

كنت أقرأ العقود ببطء.

وأراجع الأرقام أكثر من مرة.

وأطرح أسئلة كثيرة.

وفي أول مشروع كبير شاركت فيه، اكتشفت خطأً في تقرير مالي كان يمكن أن يكلف الشركة ملايين الدولارات.

لم أكن صاحبة منصب مهم.

كنت مجرد متدربة.

لكنني أثبتُّ الخطأ بالأرقام.

بعد أسبوع، استدعاني المدير التنفيذي.

وقال لي:

«أنتِ عندك موهبة حقيقية.»

كانت هذه أول مرة يقولها لي شخص في موقع مسؤولية.

لم يقل:

«أنتِ جميلة.»

ولم يقل:

«أنتِ محظوظة.»

قال:

«أنتِ تعرفين كيف تفكرين.»

وهذه المرة، لم أشعر بالخجل من كون الذكاء هو الشيء الذي أمتلكه.

بعد تخرجي، حصلت على وظيفة دائمة في الشركة.

وبدأت مسيرتي المهنية.

كنت أعمل لساعات طويلة.

لكن الفرق أنني هذه المرة كنت أعمل من أجل نفسي.

بعد سنوات، أصبحت مسؤولة عن فريق صغير.

ثم أصبحت مديرة.

ثم بدأت أشارك في صفقات واستثمارات أكبر.

لم يكن الأمر سهلًا.

ارتكبت أخطاء.

وخسرت صفقات.

وتعلمت.

لكنني لم أعد تلك الفتاة التي وقفت تحت لافتة تحمل اسمها بينما يضحك الجميع عليها.

كنت أبني شيئًا خاصًا بي.

وفي أحد الأيام، تلقيت رسالة من أمي.

كانت قصيرة جدًا.

«سارة ستتزوج.»

حدقت في الشاشة طويلًا.

بعدها وصلت رسالة أخرى.

«الزفاف بعد شهرين.»

ثم رسالة ثالثة:

«نعتقد أنه سيكون من الأفضل لو حضرتِ.»

لم أعرف لماذا شعرت بالضحك.

بعد اثني عشر عامًا.

اثنا عشر عامًا كاملة.

وفجأة أصبح وجودي مطلوبًا؟

لم أرد.

لكن بعد ساعات، وصلت رسالة أخرى.

هذه المرة من أبي.

«أعرف أننا أخطأنا. أتمنى أن تأتي.»

قرأت الجملة عدة مرات.

ثم أغلقت الهاتف.

في تلك الليلة، فتحت صندوقًا صغيرًا أحتفظ فيه بأشياء من الماضي.

وجدت دفتر يومياتي القديم.

الدفتر الذي أعطتني إياه صديقتي يوم تخرجي.

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى