
### الجزء الثاني: الظرف الأصفر اللي كان هيقلب عيلة منصور كلها
وصلت أنا وبناتي القاهرة بعد رحلة طويلة، وكانت الساعة قربت من المغرب. أختي استقبلتنا عند باب الشقة، وأول ما شافت عيون البنات الحمراء من العياط، حضنتهم واحده واحده من غير ما تسألني عن أي حاجة.
كنت بحاول أبان قوية قدامهم، لكن رسالة أمينة كانت شاغلة بالي.
مينفعش أسيب الموضوع يعدي كده.
أمينة خدمت في بيت عيلة منصور عشر سنين، وكانت شاهدة على كل حاجة بتحصل ورا الأبواب المقفولة. ولو هي فعلًا قررت تتكلم بعد كل السنين دي، يبقى أكيد فيه سر كبير مش قادرة تشيله لوحدها أكتر من كده.
بعد ما اطمنت إن البنات أكلوا وارتاحوا، دخلت أوضة النوم وقفلت الباب، واتصلت بيها تاني.
المرة دي، ردت.
لكن أول ما سمعت صوتها، عرفت إن فيه حاجة خطيرة بتحصل.
كانت بتتكلم بصوت واطي ومتوتر، وكأنها خايفة حد يسمعها.
قالت بسرعة:
«مدام مريم، إنتوا وصلتوا؟»
رديت عليها: «أيوه يا أمينة، إحنا في القاهرة. قولي لي إيه اللي بيحصل؟ رسالتك خوفتني».
سكتت ثواني، وبعدها قالت:
«أنا آسفة إني اتأخرت كل السنين دي. كان المفروض أتكلم من زمان، بس كنت خايفة أخسر شغلي، وخايفة على ولادي كمان. لكن اللي حصل النهارده خلاني أفهم إن السكوت بقى غلط كبير».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألتها: «إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»
ردت بصوت مبحوح:
«فاكرة اللي حصل قبل ما تتجوزي رامي بسنة؟ لما الشركة كانت بتخسر، والحاج حسين كان بيقول إن مفيش أمل في إنقاذها؟»
قلت لها: «طبعًا فاكرة. أنا دخلت فلوسي وقتها علشان الشركة ما تقعش».
قالت: «فيه حاجات حصلت في الفترة دي محدش قالهالك كاملة. وفيه ورق اتكتب واتخبى، وناس اتفقت على حاجات من وراكي».
حسيت إن نفسي بدأ يضيق.
«ورق إيه يا أمينة؟»
ردت: «مش هقدر أشرح لك كل حاجة في التليفون. أنا لقيت ظرف قديم في مكتب الحاج حسين، وداخله مستندات عليها توقيعات. وفيه ورقة تخصك إنتِ بالاسم».
وقفت مكاني.
ورقة تخصني أنا؟
إزاي؟
أنا كنت موجودة وقت تأسيس الشركة، وكل أوراق ملكيتي كانت واضحة، وكنت عارفة حقوقي كويس.
سألتها: «إنتِ فتحتي الظرف؟»
قالت: «أيوه. ولما شفت اللي جواه، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد أسهم الشركة».
قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوت باب بيتفتح عندها.
اتغير صوتها فجأة وهمست:
«مدام مريم، لازم أقفل دلوقتي. هحاول أوصل لك بنفسي. بس أوعي تمضي على أي ورق يخص الشركة، مهما حصل».
وبعدين الخط اتقطع.
فضلت واقفة والموبايل في إيدي، مش عارفة أصدق اللي سمعته.
ليه حذرتني من الإمضاء على أوراق الشركة؟
وإيه علاقة الظرف القديم بطلاقي من رامي؟
في نفس الوقت، كانت فيلا عيلة منصور في القاهرة الجديدة منورة بالكامل.
الورود كانت مالية المدخل، والموظفين بيتحركوا في كل مكان، والضيوف وصلوا بملابسهم الأنيقة علشان يحضروا الاحتفال اللي فاطمة كانت مستنياه من سنين.
كانت واقفة جنب حفيدها الصغير آدم، لابسة فستان غالي، وبتبتسم لكل اللي بييجوا يباركوا لها.
قالت لإحدى قريباتها بفخر:
«أخيرًا ربنا رزق العيلة بالولد اللي هيشيل اسم منصور. دلوقتي بقى عندنا وريث حقيقي».
الكلمة وصلت لرامي، اللي كان واقف جنبها، فابتسم وهو بيعدل ياقة قميصه.
بالنسبة له، الليلة دي كانت بداية حياة جديدة.
كان فاكر إنه خلص من مريم، ومن مطالبها، ومن أي حاجة ممكن تربطه بالماضي.
وكان متخيل إن نفقة البنات مبلغ صغير يقدر يدفعه من غير ما يأثر على مستوى حياته، وإنه يقدر يركز على ابنه الجديد وشركته ومستقبله.
لكن أبوه، الحاج حسين، ما كانش بيشاركه نفس الشعور.
من أول ما عرف إن رامي أنهى جوازه، وهو قلقان.
مش علشان مريم وبناتها.
لكن علشان الشركة.
دخل حسين مكتبه بعيد عن الضيوف، وفتح درج مكتبه، وفضل يدور على ملف معين.
كان ملف قديم، لونه بني، متعلق بأوراق الملكية الأصلية للشركة.
قلب الملفات واحد ورا التاني، لكنه ما لقاش الورقة اللي بيدور عليها.
اتنرفز وضرب بإيده على المكتب.
في اللحظة دي، دخلت فاطمة وسألته:
«مالك يا حسين؟ الضيوف مستنيينك بره، وإنت لسه قاعد هنا!»
بصلها بحدة وقال:
«إنتِ شفتي الملف البني اللي كان في الدرج؟»
وشها اتغير للحظة، لكنها حاولت تخفي ارتباكها.
«ملف إيه؟ أنا ما دخلتش مكتبك».
حسين قرب منها وقال:
«ما تلعبيش معايا يا فاطمة. الملف ده فيه أوراق مهمة جدًا، ولو خرجت من البيت، ممكن تحصل مصيبة».
ردت بعصبية:
«إنت طول عمرك بتخوف نفسك من أي حاجة! الشركة بخير، ورامي بقى هو اللي ماسك الإدارة، والولد جه أخيرًا. إيه اللي ممكن يحصل يعني؟»
حسين ما ردش.
كان عارف إن فيه حاجات اتعملت من سنين، ولو ظهرت دلوقتي، مش هيقدر يسيطر على نتائجها.
وفجأة، سمعوا صوت الميكروفون من قاعة الاحتفال.
رامي كان بيطلب من الضيوف الانتباه، استعدادًا للحظة اللي أمه هتعلن فيها عن حفيدها باعتباره الوريث المستقبلي للعيلة.
فاطمة عدلت فستانها وقالت:
«تعالى يا حسين. الليلة دي لازم تبقى ليلة فرح، مش ليلة مشاكل».
خرجت من المكتب، لكنه فضل مكانه، وعقله مشغول بالملف المفقود.
في شقتي بالقاهرة، كنت بحاول أتصرف بشكل طبيعي قدام البنات.
جنى كانت قاعدة جنب الشباك، وملك بتساعد أختها الصغيرة ترتب ألعابها، أما مريم الصغيرة وليلى فكانوا قاعدين على الأرض بيلعبوا بالأرنب القماشي.
لكن جنى كانت أكبر من إنها تقدر تخبي حزنها.
قربت مني وسألتني:
«ماما، هو بابا فعلًا مش عايزنا؟»
السؤال وجعني، لكني قعدت جنبها ومسكت إيديها.
قلت لها: «أبوكي اتخذ قرارات غلط يا جنى، لكن ده مش معناه إن فيكم أي عيب. إنتوا بناتي، وإنتوا أغلى حاجة في حياتي. ومهما حصل، عمري ما هسيبكم لوحدكم».
بصت لي وسألت:
«طب ليه اختار آدم علينا؟»
ما لقيتش إجابة تقدر تشفي وجعها.
حضنتها وقلت: «اختيارات الكبار مسؤوليتهم هما، مش مسؤوليتكم إنتوا. وإنتوا مش محتاجين تثبتوا لأي حد إنكم تستحقوا الحب».
بعد ما نامت، خرجت للصالة وفتحت اللابتوب.
قررت أراجع كل المستندات اللي عندي عن الشركة، خصوصًا عقد المساهمة الأصلي.
كنت محتاجة أتأكد إن حقوقي محفوظة، وإن رامي مش هيقدر يستخدم الطلاق علشان يستبعدني من الشركة.
فتحت الملفات القديمة، وبدأت أراجع الأرقام والتوقيعات.
كل حاجة كانت واضحة.
أنا أملك 43% من الأسهم، وده حقي القانوني.
لكن وسط المستندات، لقيت صورة قديمة لعقد إضافي ما كنتش فاكرة إني شفته قبل كده.
كان عليه توقيع الحاج حسين، وتوقيع شخص تاني.
والغريب إن تاريخ العقد كان قبل تأسيس الشركة بشكلها الحالي بأيام قليلة.
كبرت الصورة وبدأت أقرأ التفاصيل.
ما فهمتش كل البنود، لكن فيه عبارة شدت انتباهي:
«في حالة ثبوت أي تلاعب في ملكية الأسهم أو المستندات الأصلية، يحق للمساهم المتضرر المطالبة بمراجعة جميع التصرفات المالية والقانونية المتعلقة بالشركة».
فضلت أبص للجملة دي.
ليه العقد ده كان موجود ضمن أوراقي؟
ومين الشخص التاني اللي ماضي عليه؟
قبل ما أقدر أبحث أكتر، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت بحذر.
جالي صوت راجل ما أعرفوش، بيتكلم بنبرة رسمية:
«مساء الخير يا مدام مريم منصور. أنا الأستاذ سامح عبد الرحمن، محامي شركة منصور للأثاث».
اعتدلت في مكاني.
سألته: «خير يا أستاذ سامح؟»
قال: «أنا بتصل لحضرتك بخصوص اجتماع طارئ هيتم بكرة الصبح، وفيه قرار مطلوب من حضرتك تكوني على علم بيه قبل ما يحصل أي إجراء رسمي».
سألته: «قرار إيه؟»
اتردد لحظة، وبعدها قال:
«الأستاذ رامي بيحاول يمرر قرار بإعادة توزيع بعض صلاحيات الإدارة، وفيه محاولة لتغيير وضع بعض المساهمين داخل الشركة. لكن فيه مستندات قديمة ممكن تمنع ده».
حسيت إن كل حاجة بدأت ترتبط ببعضها.
سألته بسرعة: «المستندات دي لها علاقة بملكية الأسهم؟»
قال: «أيوه، ومن ضمنها ورقة أصلية تخص حضرتك. وأنا أنصحك تحضري الاجتماع بنفسك، وما تعتمديش على أي وعود شفهية».
قبل ما أقفل، سألته:
«أستاذ سامح، إنت تعرف حاجة عن ظرف أصفر قديم موجود في مكتب الحاج حسين؟»
سكت تمامًا.
ثواني طويلة مرت من غير ما يرد.
وبعدين قال بصوت منخفض:
«مين اللي قال لحضرتك على الظرف ده؟»
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد خلاف على إدارة شركة.
كان فيه سر قديم، ومحاولات لإخفاء مستندات، وأشخاص خايفين إن الحقيقة تظهر.
لكن قبل ما أقدر أضغط عليه بأسئلتي، قال جملة واحدة قلبت تفكيري كله:
«مدام مريم، لو الظرف اللي بتتكلمي عنه هو نفس الظرف اللي أنا فاكره، يبقى لازم تعرفي إن الحاج حسين مش هو الشخص الوحيد اللي كان عارف الحقيقة من البداية».
وبعدين أنهى المكالمة.
فضلت ماسكة الموبايل، وأنا بحاول أستوعب كلامه.
مين كمان كان عارف؟
رامي؟
فاطمة؟
ولا فيه شخص تالت ما خطرش على بالي أصلًا؟
وفجأة، وصلتني رسالة جديدة من أمينة.
كانت صورة لورقة قديمة، أطرافها مصفرة، وعليها توقيعات واضحة.
وتحت الصورة كتبت:
«مدام مريم، دي أول ورقة. لكن فيه ورقة تانية أخطر منها بكتير. الورقة دي بتثبت إن اللي حصل من ستاشر سنة ما كانش مجرد مساعدة منك لإنقاذ الشركة».
وبعدها أرسلت رسالة أخيرة:
«إنتِ مش بس صاحبة أسهم يا مدام مريم… إنتِ ممكن تكوني صاحبة الحق الأكبر في الشركة كلها، واللي حصل وقتها كان مبني على سر محدش كان عايزك تعرفيه».
بصيت للصورة مرة تانية، وقلبي بيدق بسرعة.
وفي نفس اللحظة، جوه فيلا عيلة منصور، كانت فاطمة واقفة قدام الضيوف، وبتستعد تلبّس آدم خاتم العيلة الذهبي.
لكن قبل ما تحط الخاتم في إيده، دخلت أمينة القاعة وهي ماسكة ظرفًا أصفر قديمًا.
وشها كان شاحب، وإيديها بتترعش، لكنها رفعت راسها وقالت بصوت سمعه كل الموجودين:
«قبل ما تعلنوا إن آدم هو وريث العيلة، فيه حقيقة لازم الكل يعرفها… لأن الوريث الحقيقي مش دايمًا هو الشخص اللي اتولَد ولد!»
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الحقيقة اللي هزّت قصر عيلة منصور




