
الجزء الثاني: الإجابة اللي أبويا كان خايف منها
كريم فضل باصص للترابيزة، وكأنه بيدور على إجابة يقدر يقولها من غير ما يزعل أبويا.
أبويا كرر كلامه بنبرة أشد:
«قلت إن السؤال ده ملوش علاقة بالموضوع! إحنا بنتكلم عن تصرفات أختك، مش عنك».
لكن المرة دي، كريم ما ردش فورًا.
رفع عينيه ناحيتي، وبعدها بص لأبويا وقال بصوت متردد:
«إنت فتحت لي الجراج الساعة واحدة وعشرين دقيقة يا بابا».
حسيت إن قلبي وقف للحظة.
كنت عارفة الوقت بالضبط، لأني كنت ببص للساعة كل شوية وأنا قاعدة في العربية، مستنية أي حد يفتح الباب أو حتى يطمن عليّا.
كريم كمل كلامه:
«كنت راجع من عند أصحابي، وإنت كنت صاحي. أول ما دخلت الشارع، فتحت لي الجراج».
أمي حطت إيدها على بقها.
أما أبويا، فحاول يضحك ضحكة قصيرة وقال:
«وده يثبت إيه؟ كريم كان معاه مفتاح، وكان راجع البيت. إنتِ كنتِ مخالفة للقواعد».
بصيت له وقلت:
«أنا كنت في شغلي يا بابا. كنت بعالج المرضى، وبعدين وقفت أساعد راجل كبير في السن عربيته علقت في التلج. ولما وصلت، لقيتك قافل الباب في وشي».
رد بسرعة:
«كان ممكن تتصلي وتطلبي مني أفتح».
قلت له:
«أنا اتصلت وبعت رسائل».
أمي رفعت عينيها فجأة وقالت بصوت خافت:
«هي فعلًا بعتت لي».
أبويا لف ناحيتها بحدة.
«وإنتِ ليه ما فتحتيش لها؟»
السؤال كان غريب لدرجة إننا كلنا سكتنا.
أمي بصت له كأنها مش مصدقة إنه بيسألها السؤال ده.
وبعد لحظات قالت:
«لأنك إنت اللي قلت إن محدش يفتح لها الباب قبل الساعة ستة».
أبويا شد فكه، وبص لنا واحد واحد، وبعدها قال:
«واضح إنكم كلكم قررتوا تتحدوني في بيتي».
لكن أنا ماكنتش عايزة أتحداه.
كنت عايزة أفهم بس ليه كان مستعد يسيب بنته تقضي ليلة كاملة في درجة حرارة منخفضة جدًا، وهو قادر يفتح الباب في أي لحظة.
قلت له:
«أنا مش بحاول أحرجك. أنا بس عايزة أعرف ليه القواعد دي بتتطبق عليّا لوحدي».
رد من غير تردد:
«لأنك بنتي، وأنا مسؤول عنك».
قلت:
«أنا عندي 24 سنة، وبشتغل ممرضة، وبساعد الناس طول الليل. وبدفع إيجار، وبساهم في مصاريف العربية. إنت مش بتعاملني كواحدة بالغة، إنت بتعاملني كأني طفلة لازم تستأذن على كل نفس».
ضرب بإيده على الترابيزة مرة تانية.
«طالما عايشة تحت سقفي، هتمشي على كلامي!»
لأول مرة، ما حسيتش بالخوف المعتاد.
يمكن لأن البرد اللي قضيته في العربية كان أقسى من أي كلام ممكن يقوله.
ويمكن لأنني أخيرًا فهمت إن إرضاء أبويا مش هيخليني أستحق منه معاملة عادلة.
قلت بهدوء:
«تمام يا بابا. لو ده رأيك، أنا هرتب خروجي من البيت».
أمي شهقت وقالت:
«سلمى، استني. مش لازم الموضوع يوصل لكده».
بصيت لها بحزن.
«ماما، أنا استنيت كتير. استنيت لما كان بيمنعني أخرج مع صحابي، واستنيت لما كان بيطلب مني أشارك في مصاريف البيت رغم إنه بيسمح لكريم يعيش من غير أي التزامات. واستنيت لما كنت بعتذر حتى لو ماعملتش حاجة غلط».
بلعت ريقي وكملت:
«لكن امبارح، كنت واقفة قدام الباب، وبترعش من البرد، وكنت محتاجة مكان أنام فيه بأمان. ومع ذلك، محدش فتح لي».
أمي بدأت تعيط، لكن أبويا ما أظهرش أي تعاطف.
قال ببرود:
«الجمعة. ماتنسيش».
طلعت من المطبخ من غير ما أرد.
وفي اللحظة دي، كنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها هي إني أبدأ حياتي من الصفر.
لكن اللي حصل بعد كده كشف لي إن مشكلة أبويا ماكانتش مجرد قواعد صارمة أو خوف مبالغ فيه على بنته.
كان فيه حاجة تانية، حاجة أعمق بكتير.
الصبح اللي بعده، وصلت المستشفى بدري.
كنت ما نمتش تقريبًا، وجسمي لسه متأثر من ليلة البرد، لكن كان لازم أشتغل.
أثناء استراحتي، لقيت رسالة من دينا، بنت عم فؤاد.
كتبت لي:
«سلمى، بابا عايز يشكرك بنفسه. هو بيقول إنك ساعدتيه في وقت صعب، وإنه مش هيقدر ينسى اللي عملتيه».
ابتسمت رغم التعب، ورديت عليها إني سعيدة إن حالته اتحسنت.
بعد دقائق، بعتت لي رسالة تانية:
«فيه حاجة لازم تعرفيها. بابا شاف التقرير الإخباري الصبح، واتضايق جدًا لما عرف إنك اضطررتي تنامي في عربيتك. هو مش عايز يسبب لك مشاكل، لكنه سألني إذا كنتِ محتاجة أي مساعدة».
رفضت في البداية.
ما كنتش عايزة أحس إني مدينة لحد، ولا كنت عايزة الناس تتدخل في مشاكلي العائلية.
لكن دينا ردت عليّا بكلام خلاني أعيد التفكير.
«هو مش بيحاول يشتري رضاك يا سلمى. هو بس فاكر إنك وقفتي معاه في أصعب لحظة، ومن حقك تلاقي حد يقف جنبك دلوقتي».
وافقت أقابلها بعد الشغل.
ولما خرجت من المستشفى، لقيتها مستنياني في سيارتها، ومعاها كيس أكل وكوب قهوة.
قالت وهي بتبتسم:
«أبويا أصر إني أجيب لك الأكل. بيقول إن الممرضة اللي ساعدته لازم تاكل كويس».
ضحكت لأول مرة من يومين.
لكن الضحكة اختفت لما فتحت تليفوني ولقيت عشرات الرسائل من قرايبي.
بعضهم كان بيسألني إذا كنت بخير.
وبعضهم كان بيقول إن اللي عملته عيب، وإنه ماكانش ينفع أتكلم عن مشاكل البيت قدام الكاميرات.
أما عمتي، فبعتت لي رسالة طويلة بتقول فيها إن أبويا اتعرض لضغط كبير في شغله، وإنه مش محتاج خلافات جديدة.
قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين كتبت لها:
«أنا ماعملتش مشكلة من فراغ. أنا حكيت اللي حصل».
ما ردتش.
بعد يومين، رجعت البيت عشان أجمع حاجتي.
كنت لقيت غرفة صغيرة للإيجار قريبة من المستشفى، واتفقت مع صاحبتها إني أنقل حاجتي خلال الأسبوع.
أول ما دخلت أوضتي، لاحظت إن درج المكتب مفتوح.
كنت متأكدة إني قفلته قبل ما أخرج.
قربت منه، ولقيت بعض الأوراق متحركة من مكانها.
فتحت الملف اللي كنت محتفظة فيه بمستندات شغلي، وإيصالات المبالغ اللي بدفعها لأبويا، وأوراق قسط العربية.
كان فيه ورقة ناقصة.
إيصال تحويل بمبلغ 1,800 دولار كنت دفعته قبل شهور لتغطية جزء من إصلاحات العربية.
دورت في الدرج كله، لكن ما لقيتوش.
نزلت المطبخ، ولقيت أبويا قاعد بيشرب القهوة.
سألته:
«بابا، إنت دخلت أوضتي؟»
ما رفعش عينه من المج.
«دي أوضتي في بيتي، يا سلمى. أقدر أدخل أي مكان».
قلت:
«أنا بسأل عن ورقة كانت في الملف».
رفع عينه أخيرًا.
«أي ورقة؟»
شرحت له إنها إيصال التحويل اللي بيثبت إني دفعت جزء من مصاريف العربية.
ابتسم ابتسامة باردة.
«العربية باسمي، وفلوسك كانت مساهمة منك في مصاريف البيت. مش فاهم إنتِ عايزة تثبتي إيه».
حسيت بالغضب بيزيد جوايا، لكنني ما رفعتش صوتي.
«أنا عندي إيصالات تانية، وتحويلات بنكية تثبت كل اللي دفعته».
اختفت الابتسامة من على وشه.
ولأول مرة، حسيت إن الكلام عن الفلوس ضايقه أكتر من التقرير الإخباري كله.
قال:
«خدي حاجتك وامشي يوم الجمعة، زي ما اتفقنا».
رجعت أوضتي، وقفلت الباب.
وبدأت أصور كل مستند موجود عندي، وأحفظ نسخًا إلكترونية منه.
ما كنتش عايزة أنتقم من أبويا.
كنت بس عايزة أتأكد إن محدش يقدر يغيّر الحقيقة أو يخليني أشك في اللي حصل.
وبينما كنت براجع أوراقي، لقيت رسالة قديمة من شركة التأمين بخصوص العربية.
فتحتها، وبدأت أقرأ التفاصيل.
وبعد دقائق، اكتشفت حاجة ماكنتش أعرفها من قبل.
العربية اللي كنت بدفع أقساطها ومصاريف إصلاحها، ماكانش عليها أي قرض قائم زي ما أبويا كان بيقول لي.
بل إن بعض المدفوعات اللي كنت بحولها له ماكانتش متسجلة بالطريقة اللي شرحها لي.
ماقدرتش أجزم إن فيه تلاعب، لكن التفاصيل كانت محتاجة تفسير واضح.
حفظت الرسالة، وقررت أراجع البنك وأفهم كل حاجة بنفسي.
وقبل ما أقفل اللابتوب، سمعت صوت خبط خفيف على الباب.
كان كريم.
دخل، وقعد على طرف السرير، وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
«سلمى، أنا عايز أقول لك حاجة عن ليلة العاصفة».
بصيت له.
«قول».
حرك إيده بتوتر، وبعدها قال:
«بابا ما فتحش لي الجراج بالصدفة. أنا كنت اتصلت بيه قبل ما أوصل، وقلت له إني هتأخر. وهو قال لي إنه هيفضل صاحي لحد ما أرجع».
حسيت بوجع في صدري.
كريم كمل:
«ولما وصلت، شفته واقف عند الشباك، وكان باصص ناحية عربيتك».
اتجمدت مكاني.
«كان شايفني؟»
هز راسه ببطء.
«أيوه. ولما سألته إذا كان عارف إنك بره، قال لي إنه عارف، وإنك لازم تتعلمي إن القواعد ليها تمن».
فضلت باصة له، مش قادرة أستوعب الكلام.
كريم نزل عينه وقال:
«أنا آسف يا سلمى. كان المفروض أقول لك من الأول».
سألته بصوت منخفض:
«ليه ما قلتش؟»
رد بعد صمت طويل:
«لأني كنت خايف منه أنا كمان. طول عمري كنت فاكر إن لو فضلت ساكت، هيفضل يعاملني كويس».
في اللحظة دي، فهمت إن المشكلة ماكانتش في القواعد نفسها.
المشكلة كانت إن كل واحد فينا اتعلم يسكت عشان يتجنب غضب أبويا.
لكن كريم لسه ما خلصش كلامه.
رفع عينه ناحيتي وقال:
«وفيه حاجة تانية يا سلمى. حاجة سمعتها منه قبل ما العاصفة تبدأ».
وبعدها قرب مني وخفض صوته.
«بابا كان بيتكلم في التليفون مع مدير المدرسة، وسمعته بيقول إنه لازم يمنعك من إنك تسيبي البيت قبل يوم الجمعة… لأنه كان عارف إن فيه حاجة هتظهر، ولو عرفتيها قبله، كل حاجة ممكن تتغير».




