
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
سألته:
«إيه الحاجة اللي هتظهر؟»
كريم بص ناحية الباب، كأنه خايف إن أبويا يكون واقف وراه.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل أفكاري رأسًا على عقب:
«سلمى، أنا مش متأكد من كل التفاصيل… لكني سمعت بابا بيقول إن فيه مستندات باسمك، وإنه لازم يتصرف فيها قبل ما توصلك».
يتبع…
الجزء الثالث: المستندات اللي أبويا كان بيحاول يخبيها
فضلت باصة لكريم، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
مستندات باسمي؟
وإيه اللي يخلي أبويا مستعجل إنه يتصرف فيها قبل ما أعرف عنها؟
حاولت أتكلم بهدوء، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة.
«كريم، إنت متأكد من الكلام اللي سمعته؟»
هز راسه وقال:
«أنا سمعت جزء من المكالمة بس. كنت نازل أشرب مية، ولما سمعت اسمك وقفت عند باب المكتب. بابا كان بيتكلم مع حد، وبيقول إن الموضوع لازم يخلص قبل الجمعة».
سألته:
«والشخص اللي كان بيكلمه مين؟»
رد:
«ماعرفش. بس سمعت بابا بيقول له: لو سلمى عرفت الحقيقة قبل ما ننهي الإجراءات، مش هتقدر تتحكم في الموضوع».
حسيت ببرودة بتسري في جسمي، لكن المرة دي ماكانتش بسبب الطقس.
أبويا كان بيحاول يخليني أخرج من البيت بسرعة، وبيضغط عليّا عشان أتراجع عن كلامي قدام الصحافة.
والآن، اكتشفت إنه ممكن يكون فيه موضوع تاني تمامًا بيحاول يخبيه.
قلت لكريم:
«أنا مش عايزة أظلم بابا أو أتهمه بحاجة من غير دليل. لكن لازم أعرف إيه اللي بيحصل».
رد بسرعة:
«أنا هساعدك».
بصيت له باستغراب.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
«أنا عارف إني سكت في الليلة دي، وعارف إني كان المفروض أتكلم من الأول. بس مش عايز أفضل طول عمري الشخص اللي بيشوف الغلط ويسكت».
كانت دي أول مرة أحس إن أخويا بدأ يفهم قد إيه سكوتنا كان بيأذينا إحنا الاتنين.
اتفقنا إننا ما نواجهش أبويا بأي اتهامات لحد ما نعرف الحقيقة.
وبعد ما كريم خرج من أوضتي، رجعت للمستندات اللي كنت صورتها.
بدأت أراجع كل التحويلات البنكية اللي عملتها خلال السنتين اللي فاتوا، وكل الإيصالات اللي احتفظت بيها.
كنت بدفع 600 دولار شهريًا مقابل إقامتي في البيت، و150 دولار مساهمة في مصاريف العربية، بالإضافة إلى مبالغ متفرقة لما أبويا كان بيقول إن فيه إصلاحات ضرورية أو فواتير متأخرة.
جمعت الأرقام كلها في جدول، وبدأت أقارنها بكشوف الحساب.
وبعد حوالي ساعتين، لاحظت تحويلًا ماليًا قديمًا بقيمة 4,500 دولار.
افتكرت المبلغ فورًا.
ده كان جزء من فلوس مكافأة التخرج اللي كنت موفراها عشان أبدأ حياتي بعد كلية التمريض.
في الوقت ده، أبويا قال لي إنه هيساعدني أحط الفلوس في حساب توفير بعائد كويس، وإنه هيضيفها مؤقتًا لحساب عنده لحد ما نخلص الإجراءات.
كنت واثقة فيه، وماطلبتش منه أي مستندات.
لكن لما راجعت كشف الحساب، لقيت إن المبلغ خرج من حسابي واتحول لحساب تاني بعد فترة قصيرة.
ماكانش فيه أي توضيح لسبب التحويل.
حاولت أفتكر إذا كان أبويا رجع لي الفلوس بعد كده، لكنني ما لقيتش أي تحويل بنفس القيمة.
فتحت دفتر قديم كنت بكتب فيه مصاريفي، ولقيت ملاحظة بخط إيدي:
«4,500 دولار — حساب التوفير — بابا هيراجع الموضوع».
كانت الملاحظة مكتوبة من حوالي سنة ونص.
حسيت إني محتاجة أراجع البنك بنفسي.
في اليوم التالي، بعد انتهاء ورديتي، رحت الفرع اللي بتعامل معاه.
قابلت موظفة خدمة العملاء، وشرحت لها إني عايزة أراجع تفاصيل تحويل قديم من حسابي، وأتأكد من المستندات المتعلقة بيه.
طلبت مني إثبات هويتي وبعض البيانات، وبعد ما راجعت السجلات المتاحة، قالت إن التحويل خرج فعلًا من حسابي، لكن تفاصيل الحساب المستفيد مش ممكن تتعرض إلا وفق الإجراءات الرسمية المعمول بيها.
طلبت منها نسخة معتمدة من كشف الحساب، وأي مستندات تخص الحسابات اللي باسمي.
وبعد ما خلصت، سألتها سؤالًا تانيًا:
«هل ممكن يكون فيه حساب باسمي أنا مش عارفة عنه؟»
شرحت لي إن ده ممكن يحصل في ظروف معينة، لكن ماينفعش تأكد لي وجود حسابات أخرى من غير مراجعة مناسبة وإثباتات إضافية.
خرجت من البنك ومعايا كشوف حساباتي، لكن من غير إجابة نهائية.
كنت محتاجة مساعدة متخصصة عشان أفهم حقوقي وأعرف أتصرف بطريقة قانونية.
اتصلت بدينا، وحكيت لها اللي اكتشفته.
سمعتني للآخر، وبعدها قالت:
«سلمى، بابا عنده صديق قديم شغال محاسب قانوني. ممكن يساعدك تفهمي التحويلات، ولو احتجتي استشارة قانونية، نقدر نوصلك بحد مناسب».
وافقت.
ماكانش هدفي إني أوقع أبويا في مشكلة، ولا إني أثبت إنه شخص سيئ.
كنت عايزة أعرف بس إذا كان فيه فلوس تخصني أو مستندات باسمي اتصرف فيها من غير علمي.
في نفس المساء، رجعت البيت عشان آخد باقي هدومي.
لقيت أبويا قاعد في الصالة، وأول ما شافني قال:
«سمعت إنك رحتي البنك النهارده».
وقفت مكاني.
«مين قال لك؟»
رد من غير ما يتردد:
«مش مهم مين قال. المهم إنك بتدوري ورايا، وده تصرف مش مقبول».
قلت:
«أنا راجعت حساباتي الشخصية. من حقي أعرف فلوسي راحت فين».
قام من مكانه، وبص لي بنظرة حادة.
«الفلوس اللي بتتكلمي عنها كانت جزء من اتفاق عائلي. أنا اللي كنت بدير أمورك المالية، وإنتِ وافقتي على كده».
رديت:
«أنا وافقت إنك تساعدني، مش إنك تتصرف في فلوسي من غير ما أفهم».
سكت لحظة، وبعدها قال:
«إنتِ مش فاهمة الصورة كاملة».
قلت:
«عشان كده بحاول أفهمها».
قرب مني خطوة وقال:
«اسمعيني كويس يا سلمى. إنتِ لو خرجتي من البيت وبدأتي تتكلمي مع ناس بره العيلة، هتخسري أكتر بكتير مما تتخيلي».
للحظة، رجعت أحس بنفس الخوف القديم.
الخوف من غضبه، ومن إنه يضغط عليّا، ومن إنه يقلب كل حاجة ضدي.
لكنني افتكرت الليلة اللي قضيتها في العربية.
افتكرت نفسي وأنا ببص على شبابيك البيت، ومستنية حد يفتح الباب.
وقتها فهمت إن الخوف ده هو اللي خلاني أسكت سنين طويلة.
قلت بهدوء:
«أنا مش بحاول أضرّك يا بابا. أنا بحاول أحمي نفسي».
رد بعصبية:
«من إيه؟ من أبوك؟»
ماجاوبتش.
لأنني كنت لسه مش عارفة الحقيقة كاملة.
لكنني كنت عارفة إن الثقة وحدها مش كفاية لما تبقى فيه أسئلة مالية مهمة من غير إجابات واضحة.
طلعت أوضتي، وجمعت باقي حاجتي، وحطيتها في شنطتين.
وقبل ما أخرج، أمي دخلت ورايا وقفلت الباب.
كانت عينيها حمرا من العياط.
قالت بصوت مكسور:
«سلمى، أنا عايزاكي تعرفي إني عمري ما كنت أتمنى إن الأمور توصل لكده».
بصيت لها وقلت:
«أنا عارفة يا ماما. لكن ليه ما فتحتيش الباب؟»
نزلت عينيها للأرض.
«كنت خايفة من أبوكي».
سألتها:
«خايفة منه لدرجة إنك تسيبيني أنام في العربية في البرد ده؟»
بدأت تعيط أكتر.
«أنا غلطت. ومش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. بس فيه حاجة لازم تعرفيها».
قعدت على طرف السرير، وفضلت تبص لإيديها شوية قبل ما تتكلم.
«من حوالي شهرين، أبوكي وصل له جواب رسمي. كان متعلق بموضوع مالي، وكان فيه اسمك مكتوب في الأوراق. من وقتها وهو متوتر جدًا، وفضل يقول إن الموضوع لازم يفضل داخل العيلة».
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
«جواب من مين؟»
هزت راسها.
«مش عارفة. أنا ماقريتش الورق كله. لكني سمعته بيتكلم مع محامي، وكان بيقول إن فيه إجراءات لازم تخلص قبل ما حد تاني يتدخل».
سألتها:
«والجواب فين دلوقتي؟»
ردت بعد تردد:
«في درج المكتب اللي تحت في القبو. لكن يا سلمى، أوعي تروحي تواجهينه قبل ما تفهمي الموضوع كويس».
هزيت راسي.
«مش هعمل حاجة من غير ما أعرف الحقيقة».
حضنتني أمي للحظة، وبعدها سابتني أخرج.
في صباح اليوم التالي، قابلت المحاسب اللي دينا رشحته لي.
راجع كشوف الحسابات اللي جمعتها، وطلب مني أوفر أي مستندات إضافية تخص المبالغ اللي دفعتها لأبويا.
قال لي بوضوح:
«التحويلات اللي قدامنا محتاجة تفسير، لكن مش هنقدر نستنتج إن فيه مخالفة لمجرد إن فيه مبلغ خرج من حسابك. لازم نعرف مين استلمه، وإيه الاتفاق اللي كان بينكم، وهل فيه مستندات تانية».
وافقت.
وقبل ما أمشي، سألني إذا كان فيه احتمال إن اسمي يكون مرتبطًا بعقار أو حساب مالي آخر.
افتكرت كلام أمي عن الخطاب الرسمي.
وقلت له:
«أنا مش عارفة. لكن فيه جواب وصل لأبويا من شهرين، وكان متعلق بموضوع مالي باسمي».
رفع عينه عن الأوراق.
«لو تقدري توصلي لمعلومات عن الجهة اللي أرسلت الخطاب، ده ممكن يساعدنا نفهم الصورة».
خرجت من عنده وأنا بفكر في كلام أمي.
كان لازم أعرف إيه الموجود في درج المكتب.
لكنني ماكنتش عايزة أدخل البيت وأفتش في حاجات أبويا من غير إذن، ولا أتصرف بطريقة ممكن تعقد الموضوع.
قررت أتصل بمحامٍ وأسأله عن الخطوات المناسبة للحصول على أي مستندات تخصني.
وبينما كنت مستنية موعد الاستشارة، وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت.
جالي صوت رجل هادي بيقول:
«هل أنا بتكلم مع الآنسة سلمى منصور؟»
قلت:
«أيوه، مين معايا؟»
قال:
«اسمي الأستاذ حسام، وأنا ممثل قانوني لمؤسسة خيرية محلية. إحنا بنراجع ملف قديم متعلق بعائلة والدك، وظهر اسمك ضمن المستندات. محتاجين نتأكد من هويتك ونتكلم معاكِ بخصوص إشعار رسمي».
سكت لحظة، وبعدها أضاف:
«لكن قبل ما أحدد لك موعد، لازم أسألك سؤال مهم».
شدّيت الموبايل في إيدي.
«اتفضل».
قال:
«هل والدك أخبرك في أي وقت إن جدك ترك لكِ نصيبًا ماليًا مستقلًا، وإن إدارة هذا النصيب كانت مؤقتًا تحت إشرافه؟»
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
جدي مات من سنين، وماحدش في البيت عمره قال لي إن فيه فلوس أو ممتلكات متسجلة باسمي.
قلت بصوت متوتر:
«لأ. دي أول مرة أسمع الكلام ده».
سكت الرجل لحظات، ثم قال:
«إذن أعتقد إننا محتاجين نقابلك في أقرب وقت. لكن من فضلك، ما توقعيش أي مستند جديد متعلق بالموضوع قبل ما تفهمي تفاصيله وتحصلي على استشارة قانونية مستقلة».
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
هل كان جدي فعلًا سايب لي نصيبًا ماليًا؟
وهل المبلغ اللي حولته لأبويا من سنين كان له علاقة بالموضوع؟
والأهم من ده كله…
هل كان أبويا بيحاول يخليني أخرج من البيت بسرعة لأنه خايف إني أكتشف إن فيه حاجة تخصني، كان مخبيها عني طول السنين اللي فاتت؟
ماكانش عندي إجابات لسه.
لكنني كنت متأكدة من حاجة واحدة.
المرة دي، مش هسكت لمجرد إن الشخص اللي قدامي هو أبويا.
يتبع في الجزء الرابع…




