
### الجزء التاني: السر اللي خبّيته عن عيلة جوزي لمدة سنين
في صباح اليوم التالي، صحيت بدري قبل ما باقي البيت يصحى.
كان الجو هادي، وأشعة الشمس بتدخل من الشبابيك الكبيرة، وبتنعكس على أرضية الرخام اللامعة في القصر.
نزلت المطبخ، وعملت لبينيت الفطار اللي بيحبه، وبعدها طلعت أوضته علشان أصحيه.
أول ما فتح عينيه وشافني، ابتسم ابتسامته الجميلة وقال:
— ماما، النهارده عيد ميلادي! فاكرة وعدتيني بإيه؟
ابتسمت وأنا بقعد جنبه على السرير.
— طبعًا فاكرة يا حبيبي. وعدتك إني هكون معاكي في كل لحظة من يومك المميز.
حضنني بقوة، وبعدها بدأ يحكي لي عن الديناصورات اللي عايز يشوفها في الحفلة، وعن التورتة اللي طلبها، وعن أصحابه اللي هييجوا يلعبوا معاه.
كنت بسمعه، لكن جوايا كان فيه وجع مش قادرة أوصفه.
إزاي أبوه قدر يطلب مني أبعد عن يوم زي ده؟
وإزاي ممكن أم تحضر عيد ميلاد ابنها من غير ما تكون جنبه؟
بصيت في عينيه وقلت لنفسي إن مهما حصل بيني وبين بريستون، ابني مش المفروض يدفع تمن غرور عيلته.
ساعدته يلبس، ونزلنا سوا علشان يفطر.
في اللحظة دي، دخل بريستون المطبخ، لابس بدلة غالية، وساعته اللامعة في إيده.
بص لبينيت وابتسم.
— كل سنة وإنت طيب يا بطل!
وبعدين قرب منه وربت على كتفه.
لكن لما عينيه جت في عيني، ابتسامته اختفت.
قال بصوت واطي، علشان ابنه ما يسمعش:
— إنتِ فاكرة الرسالة اللي بعتها لك امبارح؟
رفعت عيني له بهدوء.
— أيوه، فاكرة.
— كويس. عايز اليوم يعدي من غير مشاكل. بابا وماما هيستقبلوا ناس مهمين جدًا، وفي رجال أعمال وشخصيات ليها مكانتها. مش عايز أي حاجة تشتت الانتباه.
سألته بهدوء:
— تقصد إني ما أظهرش قدام الضيوف؟
تنهد وكأنه مضطر يشرح حاجة بديهية لطفلة صغيرة.
— بالضبط. خليكي فوق لحد ما الضيوف يمشوا، أو على الأقل لحد ما الجزء الرسمي من الحفلة يخلص.
بصيت له لثواني.
اثناشر سنة من الجواز، وفي النهاية كان شايف إن الحل الأسهل لأي موقف هو إنه يخبيني عن الناس.
قلت له:
— حاضر يا بريستون.
واضح إنه اتفاجئ من هدوئي.
يمكن كان متوقع إني أزعق، أو أعيط، أو أطلب منه يراجع قراره.
لكني ما عملتش أي حاجة من دي.
رجع بص في ساعته وقال:
— كنت عارف إنك هتتفهمي الموضوع.
وبعدين خرج من المطبخ، من غير ما يسأل نفسه إذا كنت فعلًا متفهمة، ولا إذا كنت ببساطة وصلت لمرحلة ما بقاش عندي فيها استعداد أبرر وجودي لأي حد.
بعد الفطار، أخدت بينيت لحديقة القصر.
كان فيه عمال بيجهزوا الزينة، وبيعلقوا البالونات، وبيحطوا الطاولات البيضاء تحت المظلات الكبيرة.
بينيت كان بيجري من مكان لمكان، وكل شوية يرجع يسألني عن حاجة جديدة.
وفجأة، ظهرت باتريشيا ورايا.
كانت لابسة فستان أنيق، وماسكة موبايلها، وبتدي تعليمات للعاملين كأنها صاحبة المكان.
بصت لبينيت وابتسمت.
— حفيد جدته الجميل! النهارده هنعمل لك أحلى حفلة في الدنيا.
وبعدين التفتت ناحيتي، واختفت الابتسامة من وشها.
— ميريديث، بريستون كلمك بخصوص الحفلة؟
رديت:
— أيوه، كلمني.
قالت وهي بتعدل السلسلة اللي في رقبتها:
— أتمنى إنك تكوني فهمتي الوضع. فيه ناس مهمة جاية النهارده، وعايزين كل حاجة تبقى مثالية.
سألتها:
— وإيه اللي ممكن يخلي اليوم مش مثالي؟
بصت لي باستغراب، وكأنها مش متعودة إني أسألها سؤال مباشر.
— مش قصدي حاجة، لكن خلينا واقعيين. إنتِ مش متعودة على المناسبات دي، ومش عايزين أي إحراج أو مواقف غير مناسبة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— متقلقيش يا باتريشيا. كل حاجة هتمشي زي ما لازم تمشي.
هزت راسها برضا، ومشيت وهي مقتنعة إنها قدرت تفرض عليّ إرادتها مرة تانية.
لكنها ما كانتش تعرف إن المحامي بتاعي كان بالفعل بيجهز الملف اللي هيكشف الحقيقة قدام الجميع.
في الساعة العاشرة صباحًا، دخلت مكتبي وقفلت الباب.
فتحت الخزنة الصغيرة الموجودة خلف لوحة على الحائط، وطلعت منها ملفًا رفيعًا فيه أوراق مهمة، وبعدها اتصلت بمحاميّ، دانيال موريس.
رد عليّ من أول رنة.
— صباح الخير يا عقيد وايتكومب. كنت مستني اتصالك.
قلت له:
— صباح الخير يا دانيال. كل الأوراق جاهزة؟
— أيوه. راجعت المستندات بنفسي، وكل حاجة موثقة. لكن لازم أقول لك إن المواجهة دي ممكن تغير علاقتك بعيلة جوزك للأبد.
بصيت من الشباك على الحديقة، وشفت بينيت بيضحك وهو بيلعب مع واحد من أولاد أصدقائه.
قلت له:
— العلاقة دي اتغيرت بالفعل يا دانيال. أنا بس قررت أبطل أسمح لهم إنهم يحددوا قيمتي.
سكت للحظة، وبعدها قال:
— هكون موجود قبل بداية الحفلة. ومعايا الملف الأزرق وكل المستندات الأصلية.
قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة شوية في هدوء.
رجعت بذاكرتي لخمس سنين فاتوا، لما شركة عيلة وايتكومب كانت بتواجه أزمة مالية كبيرة.
وقتها، كانت الشركة داخلة في صفقات خاسرة، والتزاماتها بتزيد، والبنوك بدأت تشك في قدرتها على سداد الديون.
بريستون كان وقتها مشغول بالمظاهر والاجتماعات، ووالده، ريتشارد وايتكومب، كان بيحاول يحافظ على سمعة العيلة قدام المستثمرين.
أما أنا، فكنت بشتغل في الجيش، وفي نفس الوقت كنت بتابع الأزمة من خلال استثمارات قانونية مستقلة كنت بمتلكها قبل جوازي.
لما اكتشفت إن فيه فرصة لإنقاذ جزء مهم من أصول الشركة، دخلت في مفاوضات من خلال شركتي الاستثمارية، وقدمت التمويل اللازم لإعادة هيكلة بعض الالتزامات، مقابل اتفاقيات ملكية وضمانات موثقة.
ما عملتش ده علشان أشتري حبهم، ولا علشان أخليهم مدينين ليّ بالفضل.
عملته لأن انهيار الشركة كان ممكن يأثر على عدد كبير من الموظفين وعائلاتهم، ولأنني وقتها كنت لسه مؤمنة إن عيلة جوزي تستحق فرصة جديدة.
لكن كان فيه سر أكبر من مجرد إنقاذ شركة.
القصر اللي كانوا بيتعاملوا معاه على إنه رمز لثروتهم، ما كانش مملوكًا لهم بالطريقة اللي كانوا بيحكوا عنها.
وده بالضبط اللي كان دانيال جاي يكشفه.
قربت الساعة من الواحدة ظهرًا، وبدأ الضيوف يوصلوا.
عربيات فاخرة كانت بتدخل البوابة واحدة ورا التانية، والعمال بيساعدوا الضيوف ينزلوا، بينما باتريشيا كانت بتستقبلهم بابتسامة عريضة.
نزل ريتشارد من مكتبه، ووقف جنب زوجته، وبدأ يقدم ابنه بريستون لرجال الأعمال اللي وصلوا.
كان بريستون بيتحرك بينهم بثقة، وبيتكلم عن استثمارات العيلة ومشروعاتها الجديدة، وكأن كل حاجة تحت سيطرته.
أما أنا، فكنت فوق في أوضتي، براقب المشهد من بعيد.
لحد ما سمعت صوت بينيت في الطرقة.
— ماما؟ إنتِ فين؟
فتحت الباب بسرعة.
كان واقف قدامي ببدلته الصغيرة، وماسك لعبة ديناصور.
سألني بحزن:
— إنتِ مش هتنزلي معايا الحفلة؟
نزلت لمستواه، ومسكته من إيديه.
— طبعًا هنحتفل بعيد ميلادك يا حبيبي.
بص لي بعينين مليانين أسئلة.
— بابا قال إنك مش هتنزلي علشان فيه ضيوف مهمين.
حسيت بوجع في قلبي، لكني حاولت ما أظهرش ده قدامه.
قلت له:
— يا بينيت، مفيش حد أهم منك عندي. والنهارده يومك، وأنا مش هسيبك فيه.
حضنني، وبعدها جري ناحية السلم وهو بيضحك.
فضلت واقفة مكاني لثواني.
وبعدين فتحت الدولاب.
كان الزي العسكري الرسمي بتاعي معلقًا بعناية، نظيفًا ومكويًا، والرتب مثبتة على الكتفين.
طلعته بهدوء، وبدأت أستعد للنزول.
ما كنتش محتاجة أرفع صوتي، ولا أطلب من حد يحترمني.
كنت هسيب الحقائق تتكلم بنفسها.
وفي اللحظة اللي نزلت فيها أول درجة من السلم، كان بريستون بيضحك وسط ضيوفه، من غير ما يتخيل إن الدقايق الجاية هتكون بداية أكبر مفاجأة في حياته.
يتبع…
### الجزء الثالث: اللحظة اللي اتغير فيها كل شيء
كانت الساعة قربت من التلاتة عصرًا، والحديقة بقت مليانة بالضيوف.
أصوات الضحك كانت مالية المكان، والموسيقى الهادية شغالة، وعلى الطاولات كانت فيه أطباق الحلوى والهدايا المغلفة بعناية.
بريستون كان واقف جنب والده، بيحكي لمجموعة من رجال الأعمال عن مشروع جديد لعيلة وايتكومب.
أما باتريشيا، فكانت بتتنقل بين الضيوف، وتقدم نفسها باعتبارها سيدة المجتمع اللي الكل بيتمنى يكسب رضاها.
في وسط الزحمة دي، قرب واحد من أصدقاء بريستون منه وسأله:
— بالمناسبة، فين مراتك؟ مش المفروض تكون موجودة في عيد ميلاد ابنها؟
اتغيرت ملامح بريستون للحظة، لكنه سرعان ما ابتسم وقال:
— ميريديث تعبانة شوية، وقررت ترتاح فوق. هي مش بتحب التجمعات الكبيرة أصلًا.
كانت كذبة سهلة بالنسبة له.
كذبة قالها من غير ما يفكر إن ابنه نفسه كان ممكن يسمعه، أو إن الحقيقة مش هتفضل مخفية طول الوقت.
باتريشيا سمعت السؤال، فتدخلت بسرعة:
— ميريديث بتحب الهدوء، وإحنا مش بنضغط عليها. المهم إن بينيت يكون مبسوط.
ضحك بعض الضيوف مجاملة، ورجعوا يكملوا كلامهم.
لكن فجأة، حصل شيء خلّى الأنظار كلها تتجه ناحية باب القصر الرئيسي.
وصلت سيارة سوداء رسمية، ووقفت عند المدخل.
نزل منها ضابط برتبة كبيرة، مرتديًا الزي العسكري الرسمي، ومعاه شخصان آخران.
كان الضابط هو العقيد جيمس هاريس، أحد الضباط اللي اشتغلت معاهم في مهام سابقة.
بريستون اعتدل في وقفته فورًا.
كان يعرف إن وجود ضابط بالهيئة دي وسط الضيوف ممكن يكون فرصة ممتازة علشان يثبت علاقاته ومكانة عيلته.
اتقدم بسرعة ناحية المدخل، ومد إيده بابتسامة واسعة.
— أهلًا وسهلًا بحضرتك! أنا بريستون وايتكومب. يشرفنا وجودك وسطنا النهارده.
لكن العقيد هاريس ما مدش إيده للمصافحة بالشكل اللي كان بريستون متوقعه.
بص له باحترام، وقال:
— شكرًا على الاستقبال. أنا موجود النهارده لمقابلة العقيد ميريديث وايتكومب.
تجمدت ابتسامة بريستون.
— مين؟
كرر الضابط كلامه بوضوح:
— العقيد ميريديث وايتكومب. هل حضرتك تقدر تدلني عليها؟
بريستون بص ناحية والدته، وبعدين رجع بص للضابط.
— أعتقد إن فيه خطأ. ميريديث موجودة في البيت، لكنها مش…
اتوقف قبل ما يكمل.
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات جاية من السلم الرئيسي.
خطوات ثابتة وهادية.
كل الموجودين تقريبًا لفوا ناحية الصوت.
وظهرت أنا.
كنت لابسة الزي العسكري الرسمي، والرتب واضحة على كتفيّ، وشعري مرتب، وملامحي هادية تمامًا.
ما كنتش ماشية بسرعة، ولا كنت بحاول ألفت الأنظار.
كنت نازلة السلم بثقة شخص عارف هو مين، وعارف إنه مش محتاج موافقة حد علشان يقف في المكان اللي ينتمي له.
بريستون فتح عينيه بدهشة.
باتريشيا حطت إيدها على صدرها، وكأنها مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.
أما ريتشارد، ففضل واقف من غير حركة، وهو بيحاول يفهم إزاي الست اللي كان بيسمع عنها إنها موظفة عادية في الجيش ظهرت بالشكل ده.
لما وصلت لآخر السلم، تقدم العقيد هاريس خطوة.
وقف باستقامة، ورفع إيده مؤديًا التحية العسكرية الرسمية.
— مساء الخير يا سيادة العقيد. سعيد برؤيتك.
رديت التحية باحترام.
— مساء الخير يا عقيد هاريس. شكرًا لحضورك.
ساد الصمت في الحديقة.
الناس اللي كانت بتتكلم من ثواني سكتت تمامًا.
وبريستون…
بريستون كان واقف مكانه، مش قادر ينطق بكلمة واحدة.
### «إنتِ عقيد في الجيش؟!»
كان أول واحد كسر الصمت هو ريتشارد.
قرب مني خطوتين، وبص للرتب الموجودة على كتفيّ.
— ميريديث، إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتِ فعلًا ضابطة برتبة عقيد؟
بصيت له بهدوء وقلت:




