منوعات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

وصلت إلى شقتي في الإسكندرية قبل غروب الشمس بقليل.

وضعت الحقيبة على الأرض، وأغلقت الباب خلفي، ثم وقفت للحظات في صمت.

لأول مرة منذ ساعات، لم يكن هناك أحد يأمرني بما يجب أن أفعله.

خلعت حذائي وجلست على الأريكة.

لم أبكِ.

كنت أتوقع أن أشعر بالحزن، لكن الغريب أنني شعرت براحة لم أشعر بها منذ زواجي.

أخرجت هاتفي.

كانت هناك عشرات المكالمات الفائتة من مازن.

ثم وصلتني رسالة منه:

«ارجعي إلى البيت فورًا. لا تفضحيني أمام عائلتي أكثر من ذلك.»

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

ثم ضحكت بسخرية.

البيت؟

أي بيت كان يقصده؟

ذلك المنزل لم يكن منزلي أصلًا.

كان منزل والدته.

أما بيتي الحقيقي، فكان هذا المكان الذي أجلس فيه الآن.

قبل عامين من معرفتي بمازن، اشتريت هذه الشقة من مدخراتي. كنت أعمل منذ سنوات في مجال إدارة المشروعات، وكنت حريصة على توفير جزء من راتبي كل شهر.

لم أخبر مازن عنها في بداية علاقتنا.

ليس لأنني كنت أخطط لخداعه، وإنما لأنني كنت أؤمن أن المال والملكية أمور شخصية لا يجب أن تكون أساس العلاقة.

بعد الزواج، بدأ كل شيء يتغير.

في البداية كانت طلباته تبدو طبيعية.

— خلي بطاقتك معايا، عشان المصاريف تكون أسهل.

ثم:

— حطي فلوسك في الحساب المشترك.

ثم:

— ليه عندك حسابات كتير؟ إحنا دلوقتي زوجين، مفيش حاجة اسمها مالي ومالك.

كنت أرفض بلطف.

وكان يغضب.

وفي كل مرة، كانت نوال تدخل بيننا وتقول:

— زوجك عايز مصلحتك. الست العاقلة تسلّم أمورها لزوجها.

كنت أتجاهل كلامها.

لكن بعد ما حدث في الغداء، قررت أن أعرف الحقيقة.

فتحت تطبيق البنك.

وبدأت أراجع العمليات المالية.

شهرًا بعد شهر.

عامًا بعد عام.

في البداية لم ألاحظ شيئًا غريبًا.

ثم وجدت عملية تحويل صغيرة.

ثم أخرى.

ثم ثالثة.

الغريب أن التحويلات لم تكن إلى حساب مازن.

كانت إلى حساب باسم شخص لم أعرفه.

«شركة الأفق للاستشارات.»

تجمدت يدي فوق الهاتف.

فتحت تفاصيل التحويل.

كانت هناك دفعات شهرية منتظمة.

وبمبالغ مختلفة.

ألفان.

ثلاثة آلاف.

خمسة آلاف.

وفي بعض الأشهر أكثر من ذلك.

أخذت نفسًا عميقًا.

أنا لم أقم بهذه التحويلات.

فتحت سجل الدخول إلى الحساب.

وهنا شعرت ببرودة تسري في جسدي.

كانت هناك عمليات دخول من جهاز آخر.

جهاز لم أستخدمه من قبل.

وفي إحدى العمليات ظهر تاريخ واضح.

كان بعد زواجي بشهرين.

وضعت الهاتف جانبًا.

ثم تذكرت شيئًا.

قبل زواجنا، كان مازن يصر على مساعدتي في ترتيب أوراقي البنكية.

كان يقول دائمًا:

— أنا فاهم في الحاجات دي أكتر منك.

وقتها لم أشك فيه.

كنت أثق به.

أمسكت هاتفي واتصلت بالبنك.

طلبت إيقاف جميع البطاقات وتغيير بيانات الدخول، ثم طلبت كشفًا تفصيليًا بالحسابات خلال آخر عامين.

وبعد دقائق، قال موظف البنك جملة جعلت قلبي يتوقف تقريبًا:

— سيدتي، هل أنتِ متأكدة أنك لم تمنحي شخصًا آخر تفويضًا لإدارة الحساب؟

قلت:

— لا. أنا صاحبة الحساب الوحيدة.

صمت الموظف للحظة.

ثم قال:

— لأن هناك محاولة لإضافة مستخدم آخر إلى الحساب قبل عدة أشهر.

— من؟

— لا أستطيع إعطاءك التفاصيل عبر الهاتف، لكن يمكنك الحضور إلى الفرع غدًا، وسنوضح لك كل شيء.

أغلقت المكالمة.

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى