
الجزء الثاني بقيت واقفة أمام فتحة التهوية، أراقب السيدة إليزابيث. كانت لا تزال تحدق في الشبكة المعدنية، وكأنها رأت شبحًا. قلت لها بهدوء: “هل تعرفين شيئًا عن هذه الفتحة؟” رفعت عينيها إليّ بسرعة. “لا.” كانت إجابة سريعة أكثر مما ينبغي. نظرت إلى آدم. “أريد أن أرى غرفة الأطفال.” فتح آدم الباب. دخلت أولًا.
كانت غرفة يوسف مرتبة بعناية شديدة. سرير كبير، ألعاب غالية، مكتب للدراسة، وستائر سميكة تحجب معظم ضوء الشمس.
أما يوسف نفسه فكان جالسًا على السرير، يحمل كتابًا مفتوحًا أمامه.
بدا شاحبًا.
وعندما رآني، ابتسم ابتسامة صغيرة.
“هل أنتِ المربية الجديدة؟”
قلت:
“نعم. اسمي ليان.”
ابتسم.
“هل ستبقين هنا؟”
“إذا سمحت لي أنت وأخوك.”
ضحك بخفة.
ثم دخل ياسين من الغرفة المجاورة.
كان أكثر نحولًا من أخيه، ويمشي ببطء.
لكن الشيء الذي لفت انتباهي لم يكن شحوب وجهه.
بل أنه كان يفرك عينيه باستمرار.
قلت:
“هل تؤلمك عيناك؟”
هز رأسه.
“أحيانًا.”
“منذ متى؟”
نظر إلى والده قبل أن يجيب.
“منذ فترة.”
تدخل آدم:
“الأطباء فحصوا عينيه.”
قلت:
“أعرف.”
ثم نظرت إلى ياسين.
“هل تشعر بأنهما تحرقانك؟”
هز رأسه.
“خصوصًا في الصباح.”
توقفت.
في الصباح.
نظرت إلى فتحة التهوية.
ثم إلى الستائر المغلقة.
ثم إلى جهاز تنقية الهواء الموجود في زاوية الغرفة.
سألت:
“هل ينام الطفلان والنوافذ مغلقة؟”
قال آدم:
“دائمًا.”
“ولماذا؟”
“لأن الأطباء نصحونا بتقليل تعرضهما للهواء الخارجي والحساسية.”
اقتربت من جهاز تنقية الهواء.
كان يعمل.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا.
الفلتر كان جديدًا تقريبًا.
قلت:
“من يغير الفلاتر؟”
أجاب آدم:
“شركة الصيانة.”
“كم مرة؟”
“كل شهر.”
فتحت الغطاء.
ثم توقفت.
كان هناك مسحوق أبيض ناعم عالق بالقرب من الحافة الداخلية.
لم ألمسه.
قلت:
“هل هذا طبيعي؟”
اقترب آدم.
حدق في المسحوق.
“لا أعرف.”
أخرج هاتفه واتصل فورًا بأحد موظفي الأمن.
لكن قبل أن ينهي المكالمة، دخل الدكتور ريتشارد بليك.
قال:
“ماذا يحدث هنا؟”
قلت:
“وجدت شيئًا في جهاز تنقية الهواء.”
اقترب منه ونظر سريعًا.
ثم قال:
“غبار.”
نظرت إليه.
“غبار؟”
“نعم.”
قلت:
“إذن لن تمانع إذا أرسلناه إلى المختبر.”
تغيرت ملامحه للحظة.
لكنها كانت لحظة كافية.
لاحظتها.
قال ببرود:
“ليس كل شيء يحتاج إلى تحليل.”
أجبته:
“لكن أطفالًا مرضى منذ ثمانية عشر شهرًا يحتاجون إلى إجابات.”
تدخل آدم:
“ليان محقة.”
نظر الطبيب إلى آدم.
“أنت تسمح لها بأن تزرع الشك في كل شيء.”
رد آدم:
“أنا أبحث عن سبب مرض ابنيّ.”
ثم أشار إلى الجهاز.
“أرسل العينة إلى المختبر.”
غادر الدكتور بليك وهو غاضب.
انتظرت حتى اختفى صوته في الممر.
ثم قلت:
“أريد أن أعرف شيئًا آخر.”
نظر إليّ آدم.
“ماذا؟”
“من يدخل غرفتي الطفلين غيرك والطبيب؟”
أجاب:
“أنا، السيدة هاربر، الطبيب، والممرضات عند الحاجة.”
سألت:
“وموظفو الصيانة؟”
“أحيانًا.”
“ومتى آخر مرة دخلوا فيها؟”
فكر قليلًا.
“قبل ثلاثة أيام.”
ثم نظر إليّ.
“لماذا؟”
لم أجب مباشرة.
خرجت من الغرفة وسرت باتجاه نهاية الممر.
وقفت أمام فتحة التهوية مرة أخرى.
هذه المرة، اقتربت منها أكثر.
كانت الرائحة لا تزال موجودة.
لكنها أصبحت أوضح.
رائحة زهرية صناعية.
قلت:
“هل تستخدمون معطرًا في نظام التهوية؟”
قالت السيدة هاربر من خلفي:
“لا.”
التفتُّ إليها.
كان وجهها شاحبًا.
“هل أنتِ متأكدة؟”
قالت:
“نعم.”
ثم اقتربت مني وهمست:
“لكنني أخبرتك أن تبتعدي عن هذا الأمر.”
“لم تخبريني بشيء.”
نظرت حولها بسرعة.
ثم قالت:
“ليس هنا.”
دخلنا غرفة الغسيل.
أغلقت الباب.
قالت بصوت منخفض:
“قبل وفاة السيدة سارة، لم يكن هناك أي نظام تعطير في هذا المنزل.”
شعرت بقشعريرة.
“ومتى ظهر؟”
“بعد وفاتها.”
“من أمر بتركيبه؟”
ترددت.
“لا أعرف.”
قلت:
“أنت تعرفين.”
جلست على الكرسي.
وبدت وكأنها تكافح لتقرر إن كانت ستتكلم أم لا.
ثم قالت:
“قبل وفاة السيدة سارة بأسبوعين، أخبرتني أن الأطفال كانوا يعانون من صداع متكرر.”
توقفت.
“وماذا حدث بعدها؟”
“بدأت تطلب فحص نظام التهوية.”
نظرت إليها باهتمام.
“لماذا؟”
قالت:
“لأنها كانت تشم الرائحة نفسها التي شممتِها أنت.”
شعرت بأن قلبي توقف للحظة.
“وماذا قال لها الطبيب؟”
خفضت رأسها.
“قال لها إنها تتخيل الأمور بسبب الإرهاق.”
ساد الصمت.
ثم رفعت رأسها.
“وبعد الحادث، تم تغيير نظام التهوية بالكامل.”
قلت:
“ومن أشرف على التغيير؟”
قالت كلمة واحدة:
“الدكتور بليك.”
في تلك اللحظة فهمت لماذا كان غاضبًا مني.
لم يكن يخشى مربية جديدة.
كان يخشى شخصًا بدأ يسأل الأسئلة الصحيحة.
لكن كان هناك شيء لم أفهمه بعد.
إذا كان الطبيب يعرف شيئًا…
فلماذا استمر مرض الطفلين لمدة ثمانية عشر شهرًا دون أن يكتشف أحد السبب؟
خرجت من غرفة الغسيل ووجدت آدم ينتظرني.
كان يحمل هاتفه.
قال:
“وصلني رد من شركة الصيانة.”
“وماذا قالوا؟”
“هناك شخص واحد فقط لديه صلاحية الوصول إلى نظام التهوية بالكامل.”
نظرت إليه.
“من؟”
صمت لثوانٍ.
ثم قال:
“الدكتور بليك.”
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف آدم.




