
الجزء الثاني
مريم كانت فاكرة إن أصعب حاجة هتواجهها بعد الطلاق هي إنها تبدأ حياة جديدة مع ولادها بعيد عن الراجل اللي ضيّع حداشر سنة من عمرها. لكن الحقيقة اللي ظهرت قدامها كشفت إن الخيانة ما كانتش مجرد إهمال أو جحود… كان فيه سر مالي كبير، وتوقيع منسوب ليها، ومبلغ ضخم اتحوّل لشركة باسم أخو جوزها السابق!
والأخطر من كل ده إن كريم نفسه يمكن يكون ما يعرفش الحقيقة كاملة.
في الساعة التاسعة مساءً، كانت مريم قاعدة في مكتبها بمقر مجموعة الشافعي، قدامها تقرير المراجعة المالية، وصورة المحضر المشكوك في صحته، وكشف التحويلات البنكية.
الأستاذة نهى منصور، محاميتها، كانت واقفة جنب المكتب، بتراجع آخر المستندات اللي وصلتهم.
قالت نهى بجدية:
— مريم، فريق المراجعة قدر يحدد إن التحويل المالي اللي اتعمل لشركة شريف كان قبل صرف الدفعة التانية من التمويل بيومين. لكن لحد دلوقتي، ما عندناش دليل قاطع يثبت إن الفلوس كانت مقابل تعديل المحضر.
مريم شبكت إيديها قدامها وقالت:
— أنا مش عايزة أتهم حد من غير دليل. لكن عايزة أعرف ليه شركة صغيرة باسم شريف استلمت المبلغ ده، وإيه علاقتها بالصفقة.
نهى حطت قدامها ورقة جديدة.
— فيه كمان معلومة مهمة. المستشار القانوني السابق، حسام الديب، أكد إن شريف اتواصل معاه بعد ما بدأ يشك في صحة المستندات. وطلب منه يحتفظ بنسخ من المراسلات، لكنه ما وضحش السبب.
مريم رفعت عينيها.
— يعني ممكن يكون شريف حاول يحمي نفسه؟
— ممكن. وممكن يكون عنده معلومات عن شخص تاني. إحنا لسه ما نعرفش.
مريم فضلت ساكتة لحظات، وبعدها قالت:
— رتبي الاجتماع بكرة الصبح. عايزة كريم وشريف يحضروا، وكل واحد يجيب المستندات اللي عنده.
نهى أومأت.
لكن قبل ما تخرج، موبايل مريم رن.
كان الرقم غير مسجل.
ردت بحذر:
— ألو؟
جالها صوت راجل متردد:
— مساء الخير يا أستاذة مريم. أنا حسام الديب، المستشار القانوني السابق لشركة الأستاذ كريم. محتاج أقابلك قبل الاجتماع.
مريم سألت:
— حصل إيه؟
حسام أخد نفسًا عميقًا وقال:
— لقيت حاجة في الأرشيف القديم. حاجة كنت فاكر إني فقدتها، ولو ثبتت صحتها، ممكن تغيّر فهمنا للموضوع كله.
— إيه هي؟
— تسجيل صوتي لاجتماع اتعمل قبل صرف الدفعة التانية. أنا مش هقدر أحكم على محتواه قبل ما يتراجع، لكن فيه كلام عن المستندات، وعن مين كان مسؤول عن تجهيزها.
مريم اعتدلت في كرسيها.
— التسجيل موجود معاك؟
— أيوه، ومعاه بيانات تثبت تاريخ حفظه على النظام الداخلي. هجيبه بكرة، لكن لازم أقولك حاجة.
— اتفضل.
حسام سكت لحظة، وبعدها قال:
— اسم كريم اتذكر في التسجيل، لكن مش بالطريقة اللي الناس ممكن تتوقعها.
مريم ما ردتش فورًا.
وبعدين قالت:
— هنتكلم بكرة، وكل حاجة هتتراجع بشكل قانوني.
قفلت المكالمة، لكن عقلها فضل مشغولًا بكلام حسام.
إيه اللي ممكن يكون اتقال في الاجتماع؟
وهل كريم كان عارف إن المستندات مش سليمة، ولا كان فيه حد بيستغل اسمه؟
—
في نفس الليلة، كان كريم قاعد في مكتبه بالفيلا، قدامه ملف الصفقة القديمة.
من ساعة ما اكتشف التحويل المالي باسم شريف، وهو مش قادر يركز في أي حاجة تانية.
أخوه الأصغر كان أقرب شخص ليه في الشغل، وكان بيعتمد عليه في متابعة تفاصيل كتير، خصوصًا الإجراءات المالية والمفاوضات مع الوسطاء.
كريم ما كانش بيتدخل في كل ورقة، لأنه كان واثق في أخوه وفي المستشارين اللي بيتعاملوا معاهم.
لكن الثقة دي بدأت تتحول إلى شك مؤلم.
فتح موبايله واتصل بشريف.
المرة الأولى، ما ردش.
المرة التانية، الموبايل كان مغلقًا.
بعت له رسالة:
«أنا عرفت موضوع التحويل. لازم نتكلم الليلة».
بعد عشر دقايق، وصلته رسالة قصيرة:
«بكرة هقولك كل حاجة. بس أرجوك، اسمعني للآخر قبل ما تحكم عليّ».
كريم رمى الموبايل على المكتب، ومرر إيده على وشه.
في اللحظة دي، دخلت أمه نادية.
كانت ملامحها متوترة، ووشها خاليًا من الثقة اللي كانت بتتكلم بيها طول الوقت.
قالت:
— كريم، أنا عايزة أسألك سؤال، وتجاوبني بصراحة.
— خير يا أمي؟
قعدت قدامه وقالت:
— إنت كنت تعرف إن مريم صاحبة مجموعة الشافعي؟
كريم بص لها طويلًا.
— لأ. ما كنتش أعرف حجم سلطتها الحقيقي.
نادية نزلت عينيها.
— أنا طول الوقت كنت بقول إنها أقل منك، وإنها مش مناسبة ليك، وإنك تستحق واحدة تانية. حتى لما كانت بتسكت عن كلامي، كنت فاكرة إنها ضعيفة ومش قادرة ترد.
كريم قال بعصبية:
— مش وقته الكلام ده.
لكن نادية كملت:
— لأ، وقته. أنا عايزة أعرف إزاي وصلنا لكده. إنت طلّقتها النهارده، وكنت فاكر إنك بتتخلص من مشكلة، ودلوقتي مش عارف حتى إذا كانت الفيلا اللي عايش فيها من حقك تستخدمها ولا لأ.
كريم قام من كرسيه.
— أنا ما كنتش أعرف إن الأمور هتوصل لكده!
نادية بصت له بوجع.
— بس إنت كنت تعرف إنك بتوجعها. كنت بتسمعني وأنا بقلل منها، وكنت بتسيبني أتكلم عن ولادك كأنهم أقل من أي طفل تاني. حتى لما قررت تمشي، قلت لها تاخد الطفلين كأنهم عبء عليك.
كريم سكت.
كانت كلمات أمه بتفكره بكل موقف حاول يبرره لنفسه.
لما كانت مريم بتطلب منه يقضي وقتًا مع ليلى وآدم، كان يقول إنه مشغول.
ولما كانت بتتكلم عن احتياجات البيت، كان يتهمها إنها مش مقدرة تعبه.
ولما أمه كانت بتجرحها، كان يطلب من مريم إنها تسكت علشان ما تحصلش مشاكل.
كان دايمًا بيختار الطريق الأسهل بالنسبة له.
والنهارده، اكتشف إن الطريق الأسهل ما كانش بالضرورة الطريق الصح.
قال بصوت منخفض:
— أنا غلطت يا أمي.
نادية مسحت دمعة من عينها.
— لو إنت عايز تصلح حاجة، ابدأ بالحقيقة. ما تحاولش تخبي أي حاجة تاني.
كريم هز راسه، لكنه ما قالش إنه قادر يصلح اللي اتكسر.
لأنه بدأ يفهم إن الاعتذار مش هيرجع السنين اللي ضاعت، وإن مريم مش مطالبة تديه فرصة تانية لمجرد إنه ندم.
—
في صباح اليوم التالي، اجتمع الجميع في غرفة اجتماعات مستقلة داخل مقر مجموعة الشافعي.
مريم كانت قاعدة في صدر الطاولة، وعلى يمينها الأستاذة نهى، وعلى الناحية التانية كان المستشار القانوني المستقل اللي كلفته المجموعة بمراجعة المستندات.
دخل كريم أولًا، وبعده بدقايق دخل شريف.
كريم ما بصش لأخوه في البداية.
أما شريف، فكان ماسك حقيبة صغيرة، وملامحه مرهقة.
مريم بدأت الاجتماع:
— إحنا هنا علشان نفهم اللي حصل، مش علشان نتبادل الاتهامات. كل واحد هيتكلم، وكل معلومة هتتراجع بالمستندات. وأي قرار هيتاخد بعد ما تظهر الحقيقة.
المستشار القانوني أشار لحسام الديب، اللي كان قاعد بالقرب من الشاشة.
حسام فتح حقيبته وأخرج جهاز تسجيل صغيرًا، ومعاه نسخة إلكترونية من الملف.
قال:
— التسجيل اتعمل خلال اجتماع داخلي لمناقشة إجراءات التمويل. أنا احتفظت بيه ضمن ملفات العمل، ونسخته الأصلية وبياناته هتتسلم للفحص الفني لو لزم الأمر.
المستشار سأله:
— هل تقدر تؤكد إن التسجيل كامل، وإنه ما اتعدلش؟
حسام رد:
— أقدر أوضح مصدره وطريقة حفظه، لكن التحقق النهائي من سلامته الفنية لازم يتم بمعرفة متخصص مستقل.
مريم أومأت.
— شغّله.




