
في البداية، ظهر صوت أوراق بتتقلب، وبعدها صوت شخص بيتكلم عن شروط التمويل.
ثم جاء صوت كريم:
«أنا مش موافق إننا نستخدم أي أصل كضمان إلا لما نتأكد إن كل الموافقات موجودة. مش عايز الشركة تدخل في مشكلة قانونية بعدين».
كريم رفع رأسه فجأة.
كان واضحًا إنه ما كانش متوقع يسمع صوته في التسجيل.
بعدها جاء صوت شريف:
«الموضوع تحت السيطرة. المستشارين قالوا إن الإجراءات هتتظبط، وإحنا مش هنصرف الدفعة إلا لما الملف يبقى جاهز».
ثم صوت شخص تالت، ما كانش واضحًا في البداية.
قال:
«لو استنينا كل الموافقات، الصفقة هتضيع. إحنا محتاجين نتحرك دلوقتي، والتفاصيل نقدر نكملها بعدين».
التسجيل استمر عدة ثوانٍ، ثم انتهى فجأة.
الصمت سيطر على الغرفة.
كريم بص لأخوه.
— إنت قلت لي إن كل الموافقات موجودة!
شريف نزل عينيه.
— أنا كنت فاكر إننا هنخلصها قبل صرف الدفعة.
كريم خبط بإيده على الترابيزة.
— كنت فاكر؟! إنت قلت لي إن الملف جاهز!
مريم رفعت إيدها، وطلبت منه يهدأ.
— خلينا نكمل قبل ما نحكم على أي حد.
حسام أشار إلى نقطة في التسجيل.
— فيه جزء تاني في النسخة الاحتياطية. كنت فاكر إنه غير مهم، لكنه ممكن يوضح مين كان بيتكلم عن تعديل المستندات.
شغّل الجزء التاني.
الصوت كان أقل وضوحًا، لكن الكلمات كانت مسموعة.
«المحضر القديم مش هينفع. لازم نطلع نسخة جديدة، بتاريخ الاجتماع، ونبعتها للجهة الممولة قبل ما يطلبوا مستندات إضافية».
بعدها جاء صوت شريف:
«بس لازم يكون فيه موافقة من مجلس الأمناء».
رد الصوت المجهول:
«الموافقة هتظهر في الملف. إنت بس خلّص الإجراءات اللي اتفقنا عليها».
التسجيل انتهى.
كريم فضل باصص لشريف، ووشه مليان صدمة.
— مين الشخص اللي كان بيتكلم؟
شريف رفع عينيه، لكنه ما ردش فورًا.
مريم سألته بهدوء:
— شريف، هل تعرف صاحب الصوت؟
شريف مسح إيده في بنطلونه بتوتر، ثم قال:
— أيوه.
كريم قرب منه.
— مين؟
شريف بص لأخوه، وبعدها بص لمريم.
وقال بصوت منخفض:
— الشخص ده كان الوسيط اللي جاب لنا الصفقة من البداية. هو اللي قال لنا إن التمويل مش هيتم إلا لو فيه مستند يثبت موافقة مجموعة الشافعي.
المستشار القانوني سأله:
— اسمه إيه؟
شريف أخد نفسًا عميقًا.
— طارق السيوفي.
نهى كتبت الاسم في ملاحظاتها، ثم سألت:
— والتحويل المالي اللي وصل لشركتك كان مرتبطًا بيه؟
شريف هز رأسه ببطء.
— أيوه. هو قال لي إن المبلغ مقابل خدمات استشارية وترتيبات تخص المشروع. وأنا وافقت على التحويل من غير ما أتأكد من كل التفاصيل.
كريم صرخ:
— وإنت ما قلتليش؟!
شريف رد بانفعال:
— لأني كنت فاكر إني هقدر أخلّص الموضوع قبل ما تعرف! أنا كنت بحاول أنقذ الصفقة، مش أوقعك!
كريم وقف من مكانه.
— تنقذني بإيه؟ بمستند عليه توقيع مريم من غير موافقتها؟ إنت فاهم إن الموضوع ممكن يضر الشركة كلها؟
شريف نزل رأسه.
— أنا ما كتبتش التوقيع، وما أعرفش مين عمله. لكن أنا وافقت إن الإجراءات تكمل، ودي مسؤوليتي.
مريم كانت بتسمع في صمت.
الحقيقة بدأت تتكشف، لكن لسه فيه أجزاء ناقصة.
سألت شريف:
— هل عندك أي مستند يثبت إن طارق هو اللي طلب تعديل المحضر؟
شريف فتح حقيبته، وطلع مجموعة رسائل مطبوعة.
— دي المراسلات اللي بيني وبينه. كنت محتفظ بيها علشان لو حصلت مشكلة أقدر أثبت إنه هو اللي طلب مني أكمل الإجراءات.
المستشار القانوني أخذ الأوراق وبدأ يراجعها.
بعض الرسائل كانت بتوضح إن طارق ضغط على شريف لتسريع الإجراءات، وإنه وعده بأن الموافقات النهائية هتتجهز لاحقًا.
لكن الرسائل ما كانتش كفاية لوحدها لإثبات مين أنشأ المحضر أو مين وضع التوقيع المنسوب لمريم.
نهى قالت:
— دي أدلة مهمة، لكنها محتاجة مراجعة فنية وربطها بباقي المستندات.
مريم أومأت.
— هنحيل الملف للجهات المختصة، ونطلب فحصًا مستقلًا. ومحدش هيتم اتهامه بشكل نهائي قبل ما الحقائق تتأكد.
كريم قعد ببطء.
لأول مرة، بدأ يدرك إن أخوه ارتكب خطأ كبيرًا، لكن ده ما يثبتش بالضرورة إنه كان صاحب الخطة كلها.
وفي نفس الوقت، أدرك إن هو نفسه كان مسؤولًا عن تجاهله للتحذيرات.
كان قد سمع اعتراضات، ووافق على استمرار الإجراءات اعتمادًا على وعود بأن كل شيء سيتصلح لاحقًا.
حتى لو ما كانش يعرف حقيقة المحضر، فقد اختار ألا يتأكد بنفسه.
—
بعد انتهاء الاجتماع، خرج كريم وراء مريم في الممر.
ناداها:
— مريم، ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
وقفت، لكنها ما قربتش منه.
— اتفضل.
كريم بص للأرض، ثم رفع عينيه.
— أنا عارف إن الكلام مش هيصلح اللي حصل. بس أنا محتاج أقولك إني آسف.
مريم ما ردتش.
كمل بصوت مكسور:
— أنا ظلمتك، وسمحت لأمي تقلل منك، واتعاملت مع ولادنا كأنهم مسؤولية مش من حقي أشارك فيها. كنت فاكر إن الفلوس والمكانة هما اللي بيحددوا قيمة الإنسان، ولما حسيت إن حياتي هتكبر، بدأت أتعامل معاكي كأنك بقيتي أقل مني.
مريم بصت له بحزن هادي.
— إنت ما كنتش محتاج تعرف حجم ثروتي علشان تحترمني يا كريم. كنت محتاج تعرف إني إنسانة، وإن ليّا كرامة، وإن ولادنا مش ورقة في صراع بيننا.
كريم هز رأسه.
— أنا فاهم ده دلوقتي.
— أتمنى تكون فاهمه فعلًا، مش علشان خسرت امتيازاتك، لكن علشان ما تكررش نفس الغلط مع أي حد تاني.
سكت للحظات، ثم سأل:
— فيه فرصة نرجع؟
مريم أخذت نفسًا عميقًا.
— أنا مش هقدر أرجع لعلاقة انتهت بالطريقة دي لمجرد إنك ندمت. إحنا وقعنا على الطلاق، وأنا هحترم القرار ده. اللي يخص ليلى وآدم هنتعامل معاه باحترام وبالقانون، لكن حياتي الشخصية مش هترجع زي الأول.
كريم نزل عينيه.
كان عايز يعترض، ويقول لها إنه اتغير، وإنه يقدر يصلح كل حاجة.
لكنه أدرك إن طلب فرصة جديدة لا يعني أنه يستحقها.
مريم كملت:
— لو عايز تثبت إنك اتغيرت، ابدأ بولادك. خليك موجود في حياتهم، والتزم بمسؤولياتك، وما تستخدمهمش علشان تضغط عليّ. ده أهم من أي اعتذار تقولهولي.
كريم أومأ ببطء.
— هحاول.
مريم ردت:
— مش كفاية تحاول يومين. لازم تثبت ده مع الوقت.
وبعدها مشت، وسابته واقف في الممر، لأول مرة من غير ما يحاول يفرض عليها قرارًا أو يطلب منها تتنازل عن حقها.
—
في المساء، رجعت مريم للشقة اللي كانت مجهزاها ليها ولولادها.
ليلى كانت بتساعد آدم يرتب ألعابه، بينما مريم دخلت المطبخ تحضر لهم العشاء.
كانت مرهقة من اليوم الطويل، لكن قلبها كان أخف شوية.
مش لأن كل المشاكل انتهت، لكن لأنها بدأت تشوف طريقًا واضحًا للخروج منها.
بعد العشاء، رن جرس الباب.
مريم بصت من العين السحرية، ولقت مندوبًا بيسلم ظرفًا رسميًا.
وقّعت بالاستلام، وفتحت الظرف بعد ما دخلت.
كان فيه إخطار ببدء إجراءات الفحص الفني للمحضر والمراسلات الإلكترونية، بالإضافة إلى طلب رسمي بتقديم أي مستندات إضافية مرتبطة بالتمويل.
لكن وسط الأوراق، لقت خطابًا قصيرًا من حسام الديب.
كتب فيه إنه أثناء مراجعته القديمة للملف، احتفظ بنسخة من رسالة إلكترونية أرسلها طارق السيوفي قبل الاجتماع بيوم واحد.
الرسالة كانت بتقول:
«النسخة الجديدة جاهزة، لكن لازم نتأكد إن الطرف المستفيد موافق على استخدام اسمه قبل الإرسال».
مريم قرأت الجملة أكتر من مرة.
الطرف المستفيد.
مين المقصود؟
هل كان اسمها مجرد توقيع استُخدم من غير علمها؟
ولا كان فيه شخص آخر مستفيد من الصفقة، وحاول إخفاء دوره خلف اسمها؟
في آخر الخطاب، كتب حسام إن الرسالة كانت موجهة إلى عنوان إلكتروني تابع لشركة استشارات، وإنه يعتقد إن النسخة الكاملة منها قد تكشف اسم المستلم الحقيقي.
مريم رفعت رأسها، وبصت ناحية ليلى وآدم، اللي كانوا بيضحكوا في الصالة.
قررت إنها مش هتسمح لأي حاجة ترجعها للخوف أو التردد.
هتكتشف الحقيقة، مهما كانت.
لكن قبل ما تتصل بنهى، وصلها إشعار برسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت صورة لصفحة من عقد قديم، وتحتها جملة واحدة:
«كريم مش الشخص الوحيد اللي كان بيخبي عنك الحقيقة. لو عايزة تعرفي مين المستفيد الحقيقي من الصفقة، راجعي اسم الموقّع على الصفحة الأخيرة من العقد الأصلي».
مريم قربت الصورة من عينيها.
ظهر اسم الشركة، وتاريخ العقد، وتوقيع أحد المسؤولين.
لكن الاسم المكتوب أسفل التوقيع كان اسم شخص تعرفه جيدًا.
شخص كانت تثق فيه لسنوات طويلة.
شخص ما خطرش على بالها ولو للحظة إنه ممكن يكون له علاقة بالموضوع.
كان اسم خالها، فؤاد الشافعي.
مريم حسّت إن كل اللي عرفته لحد دلوقتي ممكن يكون مجرد جزء من الحقيقة.
لأن خالها كان واحدًا من الأشخاص اللي تولوا إدارة بعض شؤون المجموعة وقت مرض جدها، وكان عنده صلاحية الوصول لعدد كبير من المستندات القديمة.
هل كان هو اللي سمح باستخدام اسمها؟
هل كان طارق السيوفي بيتصرف لحسابه؟




