
توقفت أنفاسي للحظة عندما رأيت ضابطي الشرطة العسكرية يقتربان منا.
لم تكن سعاد قد أدركت بعد حجم الورطة التي وضعت نفسها فيها.
كانت لا تزال واقفة أمامي، والكرسي المعدني في يدها، وكأنها هي صاحبة الحق في كل ما حدث.
اقترب أحد الضابطين وقال بلهجة رسمية وحازمة:
— «سيدتي، ضعي الكرسي على الأرض فورًا.»
نظرت إليه سعاد باستهزاء.
— «هذه مسألة عائلية. لا علاقة للجيش بها.»
لكن الضابط لم يتحرك.
— «سيدتي، لقد اعتديتِ على عسكرية أثناء مراسم رسمية، أمام عدد كبير من الشهود. ضعي الكرسي أرضًا الآن.»
بدأ الهمس ينتشر في القاعة.
أما أنا، فكنت أحاول السيطرة على الألم.
ذراعي اليسرى كانت تنبض بشدة، وشعرت وكأن النار تسري داخل عظامها.
قال اللواء محمود بصوت منخفض:
— «هل تستطيعين الوقوف؟»
أومأت برأسي رغم أنني لم أكن متأكدة.
— «سأحاول.»
وضع يده خلف ظهري وساعدني على الابتعاد عن المنصة.
عندها فقط رأيت والدي يرفع رأسه.
نظر إلى ذراعي المصابة، ثم إلى سعاد.
ولأول مرة منذ بداية الحادث، بدا عليه الارتباك.
لكنه لم يقل شيئًا.
اقترب أحد الضباط مني وسأل:
— «هل تريدين سيارة إسعاف؟»
قبل أن أجيب، صاحت سعاد:
— «هي بخير! إنها تبالغ كالعادة!»
التفت إليها اللواء محمود ببطء.
ساد الصمت في القاعة.
ثم قال:
— «أنتِ لستِ من يقرر ذلك.»
تجمدت سعاد في مكانها.
وأضاف:
— «والآن، ابتعدي عنها.»
كانت نبرة صوته هادئة، لكنها حملت من الحزم ما جعل القاعة بأكملها تصمت.
أخذ الضابطان الكرسي من يدها.
ثم أمسك أحدهما بذراعها وطلب منها التوجه معهم إلى خارج القاعة.
وفجأة صرخ والدي:
— «لحظة!»
توقفت خطوات الجميع.
نظر والدي إلى اللواء محمود، ثم إليّ.
قال بصوت متردد:
— «أرجوك… لا تجعل الأمر أكبر مما هو عليه. إنها زوجتي. فقدت أعصابها فقط.»
نظرت إليه وأنا أشعر بشيء ينكسر داخلي.
لم يكن عظمي وحده هو الذي انكسر.
شيء آخر، أعمق بكثير، تحطم في تلك اللحظة.
قلت بصوت مرتجف:
— «فقدت أعصابها؟»
لم يجب.
رفعت ذراعي المصابة قليلًا، فاشتد الألم حتى كدت أبكي.
قلت:
— «لقد كسرت ذراعي أمامك يا أبي.»
خفض عينيه مرة أخرى.
أما اللواء محمود، فظل ينظر إليه للحظات.
ثم قال:
— «كنت أتوقع منك أن تكون أول شخص يقف إلى جانب ابنتك.»
رفع والدي رأسه بسرعة.
لكن اللواء لم يمنحه فرصة للكلام.
— «لقد شاهدت ما حدث. الجميع شاهده.»
ثم أشار إلى الشارة الموجودة على بزتي.
— «هذه المرأة لم تكن ترتدي الزي لتستعرض أمام أحد. كانت هنا لأنها دفعت ثمنًا حقيقيًا لخدمة بلدها.»
ساد الصمت.
ثم نظر إليّ اللواء وقال:
— «والآن سنأخذك إلى المستشفى.»




