
كنت أشعر بالإهانة والألم والغضب.
لكنني لم أكن أعرف أن ما سيحدث في المستشفى سيكشف سرًا أخفاه والدي وزوجته عني لسنوات.
وبعد أقل من ساعة، عندما انتهى الطبيب من فحص الأشعة، دخل إلى الغرفة وقال:
— «لديكِ كسر معقد في الذراع، وستحتاجين إلى تدخل جراحي.»
ثم توقف قليلًا، ونظر إلى اللواء محمود الذي كان يقف بجوار الباب.
وقال:
— «لكن هناك شيء آخر.»
نظرت إليه باستغراب.
— «ماذا؟»
فتح الطبيب ملف الأشعة.
— «هذا ليس أول كسر في هذه الذراع.»
شعرت بالصدمة.
— «ماذا تقصد؟»
نظر إليّ الطبيب وقال:
— «هناك آثار لإصابة قديمة جدًا… ويبدو أنها لم تُعالج بالشكل الصحيح.»
تجمدت في مكاني.
لأنني لم أتذكر أنني تعرضت لكسر في ذراعي من قبل.
ثم قال الطبيب جملة جعلت قلبي يتوقف تقريبًا:
— «الإصابة القديمة حدثت عندما كنتِ طفلة.»
نظرت إلى اللواء محمود.
ثم قلت:
— «لكن هذا مستحيل…»
فأنا كنت أعرف تمامًا من كان موجودًا في حياتي عندما كنت طفلة.
والشخص الوحيد الذي كان يعرف حقيقة تلك السنوات…
كان والدي.
ظللت أحدّق في الطبيب وكأنني لم أفهم كلماته.
— «إصابة قديمة؟ عندما كنت طفلة؟ لكنني لا أتذكر أي شيء من هذا.»
قال الطبيب بهدوء:
— «أحيانًا لا يتذكر المريض تفاصيل إصابة حدثت في سن صغيرة، خصوصًا إذا كانت الظروف المحيطة بها مؤلمة أو مربكة.»
ثم أشار إلى صورة الأشعة.
— «انظري هنا. العظم التحم بطريقة غير طبيعية. هذا يدل على أن الإصابة كانت قوية، ولم تُعالج بشكل مناسب في ذلك الوقت.»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
رفعت عيني نحو اللواء محمود.
كان واقفًا في صمت، لكنه بدا وكأنه يفكر في شيء خطير.
سألني:
— «هل لديكِ أي ذكريات عن دخول المستشفى وأنتِ صغيرة؟»
هززت رأسي.
— «لا… لا شيء واضح.»
ثم تذكرت شيئًا.
صورة قديمة.
كنت في السابعة من عمري تقريبًا، وأرتدي فستانًا أبيض، وذراعي ملفوفة بقطعة قماش.
لطالما قال والدي إنني سقطت من على درج المنزل.
لكنني لم أتذكر يومًا كيف حدث ذلك.
قلت:
— «أبي أخبرني دائمًا أنني سقطت من السلم.»
تغيرت ملامح اللواء محمود.
— «ومن كان معكِ يومها؟»
صمتُّ.
ثم قلت:
— «كان أبي… وزوجته سعاد.»
لم ينطق أحد.
وبعد لحظات، قال اللواء:
— «أريد أن أسألكِ سؤالًا آخر.»
— «ما هو؟»
— «هل كانت سعاد زوجة والدك منذ ذلك الوقت؟»
أومأت.
— «نعم.»
نظر اللواء إلى الطبيب.
ثم قال:
— «أحتاج إلى نسخة من سجل الإصابة القديمة، إذا كان موجودًا.»
شعرت بالقلق.
— «لماذا؟»
قال:
— «لأن هناك فرقًا بين السقوط من الدرج وبين إصابة ناتجة عن ضربة مباشرة.»
تسارعت ضربات قلبي.
في تلك اللحظة، دخل أحد ضباط الشرطة العسكرية إلى الغرفة.
اقترب من اللواء وقال:
— «سيدي، نحتاج إلى التحدث معك على انفراد.»
خرج الاثنان إلى الممر.
وبقيت وحدي مع أفكاري.
بعد دقائق، عاد اللواء محمود.
كان وجهه أكثر جدية من السابق.
قال:
— «لقد تحدثنا مع بعض الشهود.»
— «وماذا قالوا؟»
— «الجميع تقريبًا أكد أن سعاد هي التي بدأت بالاعتداء عليكِ.»
قلت:
— «هذا واضح.»
لكنه هز رأسه.
— «ليس هذا ما أقصده.»
اقترب من سريري.
— «هناك شخص من الحضور أخبر الشرطة بأنه رأى شيئًا آخر.»
شعرت بالتوتر.
— «ماذا رأى؟»
قال:
— «قبل أن تضربكِ سعاد بالكرسي، اقتربت منكِ وقالت شيئًا في أذنك.»
حاولت أن أتذكر.
نظرت إلى الأرض.
وفجأة تذكرت.
قبل أن ترفع الكرسي بثوانٍ، كانت سعاد قد اقتربت مني وهمست:
— «لو تكلمتِ اليوم، سينتهي كل شيء.»
اتسعت عيناي.
— «قالت ذلك بالفعل.»
سألني اللواء:
— «هل تعرفين ماذا كانت تقصد؟»
لم أجب.
لأنني لم أكن أعرف.
لكنني بدأت أشعر أن الحفل لم يكن السبب الحقيقي وراء هجومها.
كان هناك شيء تخشاه.
شيء لم أكن أعرفه.
شيء يتعلق بماضي عائلتي.
وفجأة، اهتز هاتفي الموجود على الطاولة.
نظرت إلى الشاشة.
كانت رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكانت تحتوي على صورة قديمة لي وأنا طفلة.
وقفت سعاد بجواري.
وخلفنا والدي.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقي لم يكن وجودهم في الصورة.
بل الكتابة الموجودة أسفلها:
«أبوك لم يخبركِ الحقيقة كاملة عن الحادث الذي كُسرت فيه ذراعكِ عندما كنتِ طفلة.»
ظللت أحدق في الشاشة غير قادرة على التنفس.
ثم وصلت رسالة ثانية.
وكانت أقصر من الأولى:
«إذا أردتِ معرفة الحقيقة، اسألي والدكِ عن ليلة الثامن عشر من نوفمبر.»
رفعت رأسي ببطء نحو اللواء محمود.
قلت:
— «أعتقد أنني أعرف من أرسلها.»
— «من؟»
نظرت إلى باب الغرفة.
— «شخص يعرف عائلتي منذ سنوات.»
وفي اللحظة نفسها، فُتح باب الغرفة.
كان والدي واقفًا عند المدخل.
وكان وجهه شاحبًا.
وعندما رأى الهاتف في يدي…
عرف فورًا أنني بدأت أكتشف الحقيقة.
ظل والدي واقفًا عند باب الغرفة، وكأنه تجمّد في مكانه.
لم ينظر إلى ذراعي المصابة.
لم يسألني عن الألم.
كانت عيناه معلقتين بالهاتف في يدي.
قلت له:
— «أبي… ما الذي حدث في ليلة الثامن عشر من نوفمبر؟»
تغير وجهه فورًا.
حاول أن يتماسك، ثم قال:
— «لا أعرف عمّا تتحدثين.»
ضحكت بمرارة.
— «حقًا؟»
رفعت الهاتف أمامه.
— «وصلتني رسالة تقول إنك لم تخبرني الحقيقة بشأن إصابتي القديمة.»
ظل صامتًا.
تدخل اللواء محمود:
— «أعتقد أن من الأفضل أن تجيبها.»
نظر والدي إليه بتوتر.
— «هذه مسألة عائلية.»
رد اللواء:
— «ربما كانت كذلك قبل ساعات. أما الآن فهناك اعتداء موثق وإصابة خطيرة، وهناك احتمال أن تكون الإصابة القديمة مرتبطة بما حدث اليوم.»
لم يجب والدي.
اقتربت منه وقلت:
— «كنت في السابعة من عمري، أليس كذلك؟»
ظل صامتًا.
— «قلت لي إنني سقطت من الدرج.»
بدأت شفتاه ترتجفان قليلًا.
— «كنتِ طفلة… ولم نرد أن نزيد خوفك.»
— «إذن أنا لم أسقط.»
لم يرد.
وكان صمته هو الإجابة.
شعرت بأن الأرض تتحرك من تحتي.
— «ماذا حدث لي؟»
أغمض والدي عينيه.
ثم قال:
— «كان حادثًا.»
صرخت:
— «أي حادث؟!»
رفع عينيه نحوي.
— «سعاد كانت غاضبة في ذلك اليوم.»
ساد الصمت.
شعرت بقلبي يهبط إلى قدمي.
— «غاضبة مني؟»
هز رأسه ببطء.




