
فضل أبويا واقف مكانه، عينه مثبتة عليّا من ورا الزجاج، وكأنه بيحاول يستوعب اللي شايفه. في البداية، افتكر إني مجرد ضيفة من ضيوف الحفل، أو يمكن واحدة من القيادات اللي جاية تحضر المناسبة. لكن لما ركز في الزي العسكري، وشاف الأوسمة والنجمة على كتفي، اتغيرت ملامح وشه تمامًا.
قائد القاعدة لاحظ إنه بطل كلام فجأة، فلف ناحيته وسأله:
«خير يا سيادة اللواء؟ حضرتك تعرف الضابطة اللي واقفة بره؟»
أبويا بلع ريقه، وحاول يرجع ابتسامته المصطنعة.
وقال بصوت منخفض:
«دي… دي بنتي».
القائد بص له باستغراب.
«بنت حضرتك؟ نورهان العاصم؟»
أبويا هز راسه ببطء.
«أيوه، بس واضح إن حصل سوء تفاهم. هي مش المفروض تكون هنا».
القائد ما ردش عليه، لكنه فضل باصص ناحيتي باهتمام.
وفي اللحظة دي، كنت دخلت من الباب الرئيسي.
كل العيون بدأت تتجه ناحيتي، خصوصًا لما أفراد الأمن وقفوا وأدوا لي التحية العسكرية.
سمعت همسات متفرقة بين الحاضرين:
«مين الضابطة دي؟»
«واضح إنها قيادة كبيرة».
«شوفوا الأوسمة اللي على صدرها!»
أما أخويا بن، فكان قاعد في الصفوف الأمامية جنب خطيبته.
أول ما شافني، ابتسم بسخرية وقال لليلى:
«شكلها مصممة تعمل مشكلة النهارده».
ليلى ضحكت وقالت:
«يمكن جاية تحاول تلفت الانتباه».
لكن ابتسامتهم اختفت لما شافوا قائد القاعدة بيتقدم ناحيتي بنفسه.
وقف قدامي، وأدى التحية العسكرية، وبعدها قال بصوت واضح:
«أهلًا وسهلًا يا سيادة الفريق أول. سعداء جدًا بحضور حضرتك».
القاعة سكتت للحظة.
الفريق أول!
الكلمة وقعت على مسامع عيلتي كأنها صدمة.
بن اعتدل في جلسته، وخطيبته فتحت عينيها بدهشة، وأمي حطت إيدها على صدرها.
أما أبويا، فكان واقف من غير ما يتحرك.
قائد القاعدة أشار بإيده ناحية الصف الأول.
«اتفضلي يا فندم، مكان حضرتك محفوظ في الصف الأول».
بصيت ناحية أبويا للحظة، وبعدها رديت:
«شكرًا يا سيادة القائد، أنا حضرت النهارده عشان أشارك والدي مناسبة مهمة في حياته».
الجملة كانت بسيطة، لكن وقعها كان تقيل.
أبويا حاول يتدخل وقال:
«نورهان، ممكن نتكلم بره شوية؟»
بصيت له بهدوء.
«بعد الحفل يا أبي».
ما كانش في صوتي غضب، ولا حتى عتاب واضح.
وده كان أكتر شيء أربكه.
دخلت وجلست في المكان المخصص ليا، بينما بدأ الحضور يتبادلوا النظرات والهمسات.
بعد دقائق، بدأ الحفل.
صعد قائد القاعدة إلى المنصة، وبدأ يتحدث عن مسيرة اللواء حمدي العاصم، وعن سنوات خدمته الطويلة، وإنجازاته العسكرية، والتضحيات اللي قدمها خلال أربعين سنة.
أبويا كان قاعد في الصف الأول، ووشه رجع له بعض الهدوء.
كان واضح إنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي حصل مجرد مفاجأة مؤقتة.
ثم قال قائد القاعدة:
«وقبل ما نبدأ مراسم التكريم، عندنا فقرة خاصة ومهمة جدًا. النهارده مش بس بنحتفل بمسيرة قائد عسكري كبير، لكن كمان بنكرم واحدة من الشخصيات اللي كان ليها دور استثنائي في حماية أمن الوطن خلال السنوات الماضية».
بدأت الشاشة الكبيرة ورا المنصة تعرض صورًا لبعض العمليات العسكرية، وخرائط، وشهادات تقدير.
ثم ظهر اسمي كاملًا:
الفريق أول نورهان حمدي العاصم.
وتحت الاسم ظهرت قائمة طويلة من المناصب والأوسمة والتكليفات القيادية.
سمعت أمي تهمس:
«يا نهار أبيض… دي نورهان؟»
أما بن فكان بيحاول يقرأ التفاصيل اللي ظهرت على الشاشة.
قائد القاعدة أكمل:
«على مدار عشرين عامًا، تولت سيادة الفريق أول نورهان العاصم مسؤوليات بالغة الحساسية في مجال الاستخبارات والتخطيط الاستراتيجي. وكانت قراراتها سببًا في إنقاذ أرواح مئات الجنود، ومنع وقوع خسائر كبيرة في عدد من المهام العسكرية».
ثم توقف قليلًا وأضاف:
«والأهم من كل ده، إنها كانت بتؤدي واجبها في صمت، بعيدًا عن الأضواء، ومن غير ما تنتظر تصفيق أو تكريم».
بدأ التصفيق يملأ القاعة.
طلب مني قائد القاعدة الصعود إلى المنصة.
وقفت بهدوء، وعدلت سترتي، واتجهت ناحية المنصة وسط تصفيق الحاضرين.
لكن قبل ما أوصل، سمعت صوت أخويا بن بيقول بصوت منخفض لكنه واضح:
«مستحيل… هي عمرها ما قالت لنا إنها وصلت للرتبة دي!»
لفيت ناحيته للحظة، وقلت بابتسامة هادئة:
«ما حدش سألني يا بن».
سكت تمامًا.
وصلت للمنصة، واستلمت درع التكريم، ثم وقفت بجوار قائد القاعدة لالتقاط الصور الرسمية.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.




