
الجزء الثاني: السر اللي سالي حاولت تخبيه خمس سنين
فضل فارس واقف في نص بهو الفندق، ماسك الظرف الأصفر بإيد، وبالإيد التانية بيحاول يستوعب كلام نهى.
سالي كانت واقفة جنبه، لكن المرة دي ما كانتش بتبص له في عينيه.
كانت بتبص ناحية باب الفندق، وكأنها بتدور على أي فرصة تهرب بيها من الموقف.
قال فارس بصوت هادي، لكنه كان مليان غضب مكبوت:
— سالي، إنتِ عارفة حاجة عن الظرف ده؟
ردت بسرعة مبالغ فيها:
— طبعًا لأ! إنت هتصدق كلام واحدة اختفت خمس سنين ورجعت فجأة ومعاها طفلين بتقول إنهم ولادك؟
بص لها فارس طويلًا.
— أنا سألتك سؤال واحد. إنتِ عارفة حاجة عن الظرف ده؟
اتلخبطت للحظة، وبعدها حاولت تضحك.
— يا حبيبي، إحنا عندنا اجتماع مهم بعد نص ساعة، والناس كلها بتبص علينا. خلينا نطلع مكتبك ونتكلم بعيد عن المهزلة دي.
لكن فارس ما اتحركش.
فتح الظرف ببطء، وطلع منه مجموعة أوراق قديمة، وصورة صغيرة بالأبيض والأسود، وخطاب مكتوب بخط نهى.
أول ما شاف الصورة، حس إن نفسه اتسحب من صدره.
كانت صورة لنهى وهي في المستشفى، نايمة على السرير، وحاضنة طفلين حديثي الولادة.
وعلى ظهر الصورة، كان مكتوب بخط إيدها:
«أول يوم في حياة ولادك يا فارس. كنت أتمنى تكون جنبي.»
إيده بدأت ترتعش.
قلب الصورة، وبص للتاريخ.
كان التاريخ بعد طلاقهم بأيام قليلة.
رفع عينيه ناحية نهى.
— إنتِ كنتِ حامل يوم ما اتطلقنا؟
هزت راسها ببطء.
— كنت في بداية الحمل، وما كنتش متأكدة وقتها. كنت ناوية أقول لك، لكن إنت ما اديتنيش فرصة أتكلم. كل ما حاولت أقرب منك، سالي كانت بتظهر بدليل جديد ضدي.
اتدخلت سالي بعصبية:
— كفاية كذب! لو كانت حامل فعلًا، كانت قالت لك من أول يوم!
نهى بصت لها بهدوء وقالت:
— أنا حاولت أقول له، لكنك كنتِ مانعاني من الوصول له.
وبعدين طلعت ورقة تانية من الظرف.
— دي نسخة من رسالة بعتها لفارس بعد ما عرفت إني حامل. ودي صورة إيصال البريد اللي بيثبت إني بعتها على عنوان شركته القديمة.
خطف فارس الورقة من إيدها، وبدأ يقرا.
كانت الرسالة قصيرة، لكن كل كلمة فيها كانت كأنها بتطعن قلبه.
«فارس، أنا عارفة إنك مش عايز تسمع صوتي، لكن لازم تعرف إن فيه طفل جاي للدنيا، ومش من حقي ولا من حقه إنه يتحرم منك بسبب كذبة. لو لسه جواك أي ذرة ثقة فيا، قابلني مرة واحدة بس. لو بعد المقابلة دي فضلت شايف إني خنتك، مش هطلب منك أي حاجة تاني.»
في آخر الرسالة، كان فيه عنوان المستشفى ورقم تليفونها.
لكن الرسالة ما وصلتش له أبدًا.
فضل فارس ساكت لثواني طويلة، وبعدها رفع عينيه ناحية سالي.
— إنتِ كنتِ بتعرفي إنها حامل؟
سالي بلعت ريقها، وقالت:
— لأ، والله ما كنت أعرف!
في اللحظة دي، الطفل اللي كان حاضن الدب القديم قرب من أمه وشد طرف فستانها.
— ماما، هو الراجل ده زعلان مننا؟
نزلت نهى لمستواه، ومسحت على شعره.
— لأ يا حبيبي، إنتوا ما عملتوش أي حاجة غلط.
الطفل بص لفارس ببراءة وقال:
— طب هو ليه بيعيط؟
فارس لمس وشه، واكتشف إن عينيه مليانة دموع فعلًا.
كان عنده طفلان، عاشا خمس سنين من عمرهم من غير ما يعرف إنهم موجودين أصلًا.
خمس سنين ما حضنهمش فيها، ولا سمع ضحكهم، ولا احتفل بأول خطوة ليهم، ولا حتى عرف أسماءهم.
بص لنهى وسألها بصوت مكسور:
— اسمهم إيه؟
قالت:
— ياسين وآدم.
كرر الاسمين بصوت واطي، وكأنه بيحاول يحفظهم في قلبه.
— ياسين… وآدم.
مد إيده ناحية الطفلين، لكنه وقف قبل ما يلمسهم.
ما كانش عارف إذا كان من حقه يقرب منهم أصلًا.
فقال بهدوء:
— ممكن أقعد معاهم شوية؟ عايز أتعرف عليهم.
نهى ما ردتش فورًا.
بصت لولادها، وبعدين رجعت بصت له.
— ده قرارهم هما كمان، مش قراري لوحدي.
ركع فارس على ركبته عشان يبقى في مستوى الطفلين.
— أنا اسمي فارس. وإنتوا اسمكم إيه؟
الطفل اللي معاه الدب قال:
— أنا آدم، وده أخويا ياسين.
ابتسم فارس وسط دموعه.
— تشرفت بيكم يا أبطال.
لكن قبل ما يكمل كلامه، سالي انفجرت فيهم بالصوت.
— كفاية بقى! إنتوا مش شايفين إن الست دي بتلعب بعقلك؟! خمس سنين كاملة ما ظهرتش، ودلوقتي جاية في يوم عندك فيه اجتماع مهم ومعاها أطفال شبهك؟ دي خطة عشان تسيطر على فلوسك!
قام فارس ببطء، وبصلها نظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده.
— إنتِ اللي علمتيني أشك في مراتي من غير دليل، ودلوقتي عايزاني أشك في ولادي من غير ما أسمعهم؟
سالي اتصدمت.
— فارس، أنا عملت كل ده عشانك!
— عشانّي؟ ولا عشان نفسك؟
ما ردتش.
فتح فارس الورقة التالتة الموجودة في الظرف.
كانت كشفًا مطبوعًا من سجلات البريد، ومعاه صورة من كاميرا مراقبة قديمة داخل مقر الشركة.
الصورة كانت مش واضحة تمامًا، لكنها أظهرت سالي وهي واقفة عند مكتب الاستقبال، وبتستلم ظرفًا عليه اسم فارس.
وفي أسفل الورقة، كان فيه توقيع موظف البريد اللي سلّمها الرسالة.
فارس قرب الورقة من عينيه.
— إيه ده؟
نهى ردت:
— الرسالة دي وصلت لشركتك فعلًا. لكن الموظفة اللي استلمتها قالت إنها هتسلمها لك بنفسها. وبعدها الرسالة اختفت.
بص فارس ناحية سالي.
— إنتِ اللي استلمتيها؟
سالي سكتت.
— ردي عليّا!
صرخت:
— أيوه، استلمتها! بس ما كانش عندي وقت أديها لك!
فارس اتراجع خطوة.
— ما كانش عندك وقت؟ رسالة بتقول إن مراتي حامل في ولادي، وما كانش عندك وقت؟
بدأت سالي تعيط.
— كنت خايفة أخسرك! إنت كنت هترجع لها أول ما تعرف إنها حامل، وأنا كنت بحبك!




