
### الجزء الثاني: السؤال اللي فضح سر سبع سنين
وقفت نور قدام فارس، ماسكة الجايزة بإيد والميكروفون بالإيد التانية، وبصت له بعيونها الرمادية اللي كانت شبه عيونه بشكل غريب.
سألته ببراءة:
— حضرتك يا عمو فارس، إنت صاحب المؤسسة دي، صح؟
فارس هز راسه ببطء، ولسه مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
قال بصوت متحشرج:
— أيوه يا حبيبتي، أنا صاحب المؤسسة. إنتِ اسمك نور؟
ابتسمت نور وقالت:
— أيوه. طب ممكن أسألك سؤال؟
— اتفضلي يا نور.
بصت له مباشرة، وقالت السؤال اللي خلّى القاعة كلها تسكت:
— إنت بتقول إن كل طفل يستحق فرصة، وإن كل أب لازم يساعد ولاده يحققوا أحلامهم… طب يا عمو، هو ليه بابا بتاعي عمره ما جه يشوفني، مع إني كنت نفسي أشوفه من زمان؟
فارس اتجمد مكانه.
الميكروفون فضل قريب من فمه، لكنه ما قدرش يطلع ولا كلمة واحدة.
الجمهور بدأ يتبادل النظرات، وبعض الصحفيين رفعوا كاميراتهم، بينما نهى قامت من مكانها بسرعة، وكأنها عايزة تمنع اللي بيحصل قبل ما يتحول لفضيحة قدام الجميع.
لكن نور ما كانتش خلصت كلامها.
بصت له وقالت:
— ماما عمرها ما قالت لي إن بابا وحش. بالعكس، كانت دايمًا بتقول إن الكبار ساعات بيغلطوا. بس أنا كنت بشوف صحابي وهما بيحكوا عن آبائهم، وكنت بسأل نفسي: هو أنا عملت حاجة غلط عشان بابا ما يحبش يشوفني؟
عيني فارس امتلأت بالدموع.
ولأول مرة من سنين طويلة، الراجل اللي كان بيتعامل مع رجال الأعمال والوزراء بثقة، وقف قدام طفلة صغيرة مش قادر يلاقي رد يدافع بيه عن نفسه.
بص لي، وصوته خرج ضعيفًا:
— ليلى… إيه اللي بيحصل هنا؟ البنت دي بنت مين؟
أخدت نفسًا عميقًا، وبصيت في عينيه.
— بنتك يا فارس.
كلمتين بس.
لكن وقعهم عليه كان أقسى من أي اتهام.
رجع خطوة لورا، وحط إيده على صدره، وبعدين بص لنور من جديد، وكأنه بيحاول يكتشف ملامحها للمرة الأولى.
— بنتي؟!
قلت له:
— أيوه. بنتك اللي اتولدت من سبع سنين، في نفس الليلة اللي سبتني فيها في المستشفى عشان تروح تقف جنب نهى وهي بتولد ابنك.
القاعة بدأت تمتلئ بالهمسات.
نهى اتحركت بسرعة ناحية المسرح، وقالت بصوت متوتر:
— الكلام ده مش وقته يا ليلى! إحنا في حفل رسمي، ومش من حقك تستخدمي بنتك عشان تعملي مشكلة هنا.
لفيت ناحيتها، وقلت بهدوء:
— أنا ما استخدمتش بنتي في أي حاجة. هي اللي سألت سؤال، وأنا مش هكدب عليها عشان أحافظ على صورتكم قدام الناس.
فارس رفع إيده، وأشار لنهى إنها تسكت.
وبعدين رجع يبص لي.
— إنتِ ليه ما قلتيليش إنها بنتي؟
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
— أنا ما قلتلكش؟!
طلعت من شنطتي ظرفًا قديمًا، أطرافه كانت متنية من كتر ما احتفظت بيه السنين دي كلها.
رفعته قدام عينيه.
— فاكر العنوان اللي كنت ساكن فيه في القاهرة قبل ما تسافر؟ فاكر مكتبك القديم؟ فاكر إنك كنت بتقول لي دايمًا إن أي مشكلة بيننا ممكن نحلها بالكلام؟
فارس ما ردش.
فتحت الظرف وطلعت منه مجموعة أوراق.
— بعد ولادة نور بأيام، بعت لك جواب فيه صورة شهادة ميلادها، وقلت لك إنك بقيت أب لبنت جميلة، وإن كل اللي محتاجاه منك هو إنك تيجي تشوفها. الجواب رجع لي بعد أسابيع، وعليه علامة إنه ما اتسلّمش.
رفعت جوابًا تاني.
— جربت مرة تانية. وبعدها مرة تالتة. بعت على عنوان بيت العيلة، وعلى مكتبك، وحتى عن طريق محامٍ. وكل مرة كنت باخد نفس النتيجة: مفيش رد، أو الجواب بيرجع.
فارس أخد الأوراق من إيدي، وبدأ يقلب فيها بسرعة.
كان بيقرأ التواريخ والعناوين، ووشه بيزداد شحوبًا مع كل ورقة.
— أنا ما شفتش أي جواب من دول!
بصيت له بثبات.
— وأنا صدقتك في الأول. كنت فاكرة إنك رافضنا، أو إنك مش عايز تعرف حاجة عن بنتك. لكن مع مرور السنين، بدأت أشك إن في حد كان بيتعمد يمنعك تعرف الحقيقة.
في اللحظة دي، نهى قالت بعصبية:
— ده كلام فارغ! فارس كان عارف ظروفك، وإنتِ اللي قررتي تمشي وتبعدي عنه!
فارس لف ناحيتها ببطء.
— نهى، إنتِ عرفتي إن ليلى خلفت بنت؟
سكتت.
— ردي عليّ!
قالت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:
— كنت بسمع كلام كتير، لكن ما كنتش أعرف التفاصيل.
نظرت إليها مباشرة.
— غريبة. لأن في شخص تاني كان يعرف التفاصيل كلها.
مديت إيدي ناحية شنطتي مرة تانية، وطلعت ورقة مطبوعة من رسالة بريد إلكتروني قديمة، كنت حصلت عليها من خلال محاميّ قبل شهور، أثناء مراجعة أوراق الطلاق القديمة.
قلت لفارس:
— أنا ما كنتش ناوية أتكلم عن الموضوع ده النهارده، لكن لما شفتك بتتكلم عن حق كل طفل في الفرصة، افتكرت إن نور مش الوحيدة اللي من حقها تعرف الحقيقة. إنت كمان من حقك تعرف ليه سبع سنين من حياتك اختفوا من غير ما تشوف بنتك.
فارس مد إيده ناحية الورقة.
لكن قبل ما ياخدها، نهى صرخت:
— كفاية! إنتِ مش هتدمري حياتنا بسبب حاجة حصلت من سبع سنين!
الصمت اللي نزل على القاعة بعد كلامها كان مختلفًا.
فارس بص لها، وعينيه اتسعتا.
— حياتنا؟ إنتِ قلتي حياتنا ليه؟ وإيه اللي إنتِ خايفة إنه يظهر؟
نهى فتحت بقها عشان ترد، لكنها ما لقتش كلامًا مناسبًا.
وفي اللحظة دي، ظهر رجل كبير في السن من بين الحضور، وكان واضحًا إنه واحد من المسؤولين القدامى في مؤسسة المنصور.
اتقدم ناحية المسرح، وبص لفارس.
— أستاذ فارس، أنا آسف إني بتدخل، لكن في حاجة لازم تعرفها. أنا كنت مسؤول عن المراسلات في مكتب والدك وقتها، وافتكرت إن الموضوع انتهى من سنين.
فارس بص له باستغراب.
— تقصد إيه يا أستاذ محمود؟
الرجل أخرج هاتفه، وفتح صورة محفوظة لرسالة قديمة.
وقال:
— قبل سبع سنين، وصلت للمكتب تعليمات بتغيير عنوان المراسلات الخاصة بيك، ومنع تسليم أي خطابات جاية من ليلى منصور. وقتها قيل لنا إنك مش عايز أي تواصل معاها، وإن الموضوع اتراجع قانونيًا.
فارس بقى واقفًا بلا حركة.
— مين أصدر التعليمات دي؟
الرجل اتردد لحظة، ثم بص ناحية نهى.
وفي اللحظة دي، نهى رجعت خطوة لورا.
أما فارس، فبص لها ببطء، وكأنه بدأ يفهم إن غياب بنته ما كانش مجرد نتيجة لقرار اتخذه في لحظة غضب.
كان فيه سر أكبر بكتير.
سر عاش سبع سنين مستخبي ورا أبواب مقفولة، وخطابات ما وصلتش، وقرارات اتاخدت باسمه من غير ما يعرف حقيقتها.
نور شدت إيدي، وهمست لي:
— ماما، هو بابا زعلان مني؟
نزلت لمستواها، ومسكت وشها بين إيديا.
— لأ يا حبيبتي. إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط، ومهما حصل، إنتِ مش مسؤولة عن أخطاء الكبار.
نور هزت راسها، وبعدين بصت ناحية فارس مرة تانية.
كان لسه واقفًا قدامها، وعينيه مليانة دموع.
وفجأة، نزل من على المسرح ووقف قدامها على ركبته.
قال بصوت مكسور:
— نور، أنا مش عارف أقولك إيه. أنا ما كنتش أعرف إنك موجودة، ولو كنت أعرف…
قاطعته نور بسؤال صغير:
— طب لو كنت عرفت، كنت هتيجي تشوفني؟
فارس فتح فمه، لكنه ما ردش فورًا.
لأن السؤال المرة دي ما كانش عن الماضي بس، لكنه كان عن الرجل اللي هو عليه فعلًا.
وبينما القاعة كلها كانت مستنية إجابته، رن هاتف نهى.
نظرت إلى الشاشة، ثم حاولت إغلاقه بسرعة، لكن فارس لمح اسم المرسل قبل ما تختفي الرسالة.
كان اسم والده، الحاج جلال المنصور.
وتحت الاسم ظهرت جملة قصيرة قلبت كل شيء:
«خلي بالك، فارس بدأ يعرف موضوع البنت. ما ينفعش أي ورقة من الملف القديم تظهر قدامه.»
رفع فارس عينيه ببطء ناحية نهى.
ثم مد إيده وقال بلهجة حاسمة:
— هاتي الموبايل.
نهى ضمت الهاتف إلى صدرها، وبدأت تهز رأسها.
— فارس، أرجوك اسمعني الأول…
لكنه وقف، وبص إلى الرجل المسؤول عن المراسلات، ثم إلى الأوراق الموجودة في إيده.
وقال:
— أنا عايز أعرف كل حاجة حصلت من سبع سنين. مين أخفى الخطابات؟ ومين قرر إن بنتي ما تعرفش أبوها؟ والأهم من ده كله…
التفت إلى نهى، وقال:
— إيه حكاية الملف القديم اللي أبويا خايف إنه يوصل لإيدي؟
وفي اللحظة دي، أدركت إن ظهور نور في الحفل ما كانش مجرد مواجهة بين أب وبنته.
كان بداية كشف سر ممكن يغيّر تاريخ عيلة المنصور كلها.
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الملف اللي العيلة كلها حاولت تخفيه
فضل فارس واقف قدام نهى، وعينيه مثبتة على الموبايل اللي كانت مخبياه بين إيديها.
قال بصوت هادي، لكن نبرته كانت أخطر من الصراخ:
— أنا سألتك سؤال واضح يا نهى. إيه حكاية الملف القديم؟
نهى بصت حواليها، ولاحظت إن عددًا كبيرًا من الحضور بدأ يراقب الموقف. حاولت تبتسم وتتصرف كأن مفيش حاجة حصلت، وقالت:
— مش هنا يا فارس. إحنا وسط الناس، والكلام ده مكانه البيت.
رد عليها فورًا:
— الغريب إنك ما افتكرتيش إننا وسط الناس وإنتِ بتتكلمي عن ليلى وبنتي كأنهم مش من حقهم يكونوا موجودين!
الكلمة الأخيرة خرجت منه بصعوبة.
بنتي.
لأول مرة في سبع سنين، فارس اعترف قدام الناس إن نور بنته.
نور كانت واقفة جنبي، ماسكة إيدي بقوة، وبصت له بحذر. واضح إنها كانت بتحاول تفهم إزاي الراجل اللي كانت بتسأل عنه طول عمرها بقى فجأة قدامها، وليه كل الكبار بيتكلموا بصوت عالي.
قربت منها وهمست:
— لو حابة نمشي، نمشي دلوقتي يا حبيبتي. مش لازم تفضلي هنا.
لكنها هزت راسها وقالت:
— لأ يا ماما. أنا عايزة أعرف الحقيقة، بس مش عايزة حد يزعق.
الجملة دي خلت فارس ينزل عينيه للأرض.
واضح إنه لأول مرة بدأ يدرك إن اللي قدامه مش مجرد طفلة شبهه، لكنها بنت عاشت سنين كاملة من غيره، واتعلمت من أمها الهدوء والاحترام رغم كل اللي حصل.
التفت فارس إلى مدير المؤسسة وقال:
— أعتذر لحضراتكم عن اللي حصل. الحفل هيكمل، والجايزة من حق نور بالكامل، ومحدش له حق يقلل من إنجازها بسبب أي خلاف عائلي.
ثم نظر إلى نهى وأضاف:
— وإنتِ هتستني لحد ما نخلص الكلام ده.
نهى ما ردتش، لكنها كانت بتضغط على موبايلها بعصبية.
أما أنا، فأخدت نور وخرجت من المسرح، لأن آخر حاجة كنت عايزاها إن بنتي تتحول لمشهد يتفرج عليه الناس ويتكلموا عنه.
كنت عايزاها تفضل فاكرة يوم فوزها، مش يوم اكتشافها لأسرار عيلة أبوها.
لكن قبل ما أوصل لباب القاعة، سمعت خطوات سريعة ورايا.
كان فارس.
قال وهو بيحاول يلتقط أنفاسه:
— ليلى، استني، أرجوكي.
وقفت، لكني ما لفيتش ناحيته فورًا.
قال:
— أنا عارف إن مفيش كلام أقدر أقوله يصلح اللي حصل. بس محتاج فرصة أفهم. مش بطلب منك تسامحيني، ولا بطلب منك ترجعي أي حاجة زي زمان. أنا بس عايز أعرف بنتي.
بصيت له أخيرًا.
— وإنت فاكر إن الموضوع سهل يا فارس؟ سبع سنين وأنا اللي بصحى معاها لما تكون تعبانة. أنا اللي كنت بذاكر لها، وباخدها للدكتور، وبحاول أجاوب عن الأسئلة اللي مكنتش أعرف إجابتها. أنا اللي كنت بشوفها وهي بتبص للأطفال مع آبائهم، وأرجع البيت وأحاول أخبي عنها دموعي.
سكتُّ لحظة، ثم أكملت:
— وإنت كنت فين؟
نزل عينيه وقال:
— كنت فاكر إنك مش عايزة أي علاقة بيا، وإنك مشيتي بإرادتك.
ضحكت بحزن.
— وأنا كنت فاكرة إنك عارف إن عندك بنت وقررت تتجاهلها. شوف يا فارس، كل واحد فينا عاش سبع سنين وهو مصدق رواية مختلفة. والسؤال دلوقتي: مين اللي كتب الرواية دي، وليه؟
قبل ما يرد، ظهر الأستاذ محمود، المسؤول السابق عن المراسلات، ومعاه رجل آخر كان بيشتغل في الإدارة المالية لمؤسسة العيلة.
قال محمود:
— أستاذ فارس، في حاجة لازم تشوفها بنفسك. أنا احتفظت بنسخة من بعض المراسلات القديمة، لأني وقتها حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
فارس بص له باهتمام.
— عندك الأوراق دي لحد دلوقتي؟
— أيوه. لكن لازم نراجعها في مكان هادي.
فارس طلب من مساعده يجهز غرفة اجتماعات داخل المبنى، وبعدين التفت لي.
— ليلى، أتمنى تيجي معانا. الأوراق دي تخصك إنتِ كمان.
كنت مترددة.
ما كنتش عايزة أرجع أدخل في دوامة عيلته، ولا كنت مستعدة أسمع تبريرات جديدة عن الماضي.
لكن نور رفعت راسها وقالت:
— ماما، أنا خلصت الحفل وخدت الجايزة. ممكن نسمع الحقيقة، وبعدها نروح الفندق؟
بصيت لها، وابتسمت رغم تعبي.
— حاضر يا حبيبتي.
ودخلنا غرفة الاجتماعات.
كانت الغرفة واسعة، وفيها طاولة طويلة وشاشات كبيرة. فارس طلب من الجميع يقفلوا الباب، وبعدها جلس قبالتي، بينما قعد محمود بجواره.
فتح محمود حقيبة جلدية قديمة، وأخرج منها ملفًا بني اللون.
قال:
— الملف ده اتجمع خلال الشهور اللي أعقبت ولادة نور. فيه مراسلات، وتعليمات إدارية، ونسخ من خطابات كانت موجهة إلى أستاذ فارس.
فارس مد إيده بسرعة.
— وريني.
بدأ يقلب الأوراق، وكانت كل ورقة بتكشف جزءًا من القصة.
كان فيه خطاب مني بعد الولادة بأسبوع، بحكي فيه عن نور، وعن إنها اتولدت بصحة كويسة، وعن إني كنت مستعدة أسمح له يشوفها حتى لو قرر ينهي علاقتنا.
وكان فيه خطاب تاني أرسلته بعد شهر، أرفقت فيه صورة من شهادة الميلاد.
وبعده خطاب ثالث، كتبته بعد ما نور بدأت تبتسم وتصدر أصواتها الصغيرة، وقلت فيه إني مش بطلب منه فلوس، ولا عايزة أرجع لحياته، لكن من حق بنتنا تعرف أبوها لما تكبر.
كل الخطابات كانت عليها علامات استلام من مكتب العيلة.
لكن ولا واحد منها وصل لفارس.
رفع عينيه إلى محمود.
— مين كان مسؤول عن تسليم المراسلات دي؟
رد محمود:
— وقتها، مكتب رئيس مجلس إدارة المجموعة كان بيشرف على المراسلات الخاصة بيك، وأي خطاب حساس كان لازم يمر على مكتب الحاج جلال قبل ما يوصل لك.
فارس عقد حاجبيه.
— أبويا؟
محمود ما ردش مباشرة، لكنه أخرج ورقة أخرى.
كانت عبارة عن تعليمات مكتوبة بتوجيه الخطابات المتعلقة بي إلى عنوان إداري آخر، مع منع إدخالها ضمن البريد الشخصي لفارس.
التوقيع الموجود أسفل الورقة كان توقيع مدير مكتب والده.
فارس وضع الورقة على الطاولة، وفضل ساكتًا لثوانٍ.
ثم قال:
— أنا عايز أسمع من أبويا نفسه.
أخرج هاتفه واتصل به.
رد الحاج جلال بعد رنتين.
— أيوه يا فارس، خلص الحفل؟
فارس قال من غير مقدمات:
— عندي سؤال واحد. هل كنت تعرف إن ليلى خلفت بنتي من سبع سنين؟
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ثانية.
ثانيتان.
ثم جاء صوت والده:
— إنت بتسألني الكلام ده ليه دلوقتي؟
فارس قبض على الهاتف بقوة.
— يعني إنت كنت عارف!
جاء الرد حاسمًا:
— يا فارس، الموضوع قديم، ومافيش فايدة من فتحه دلوقتي. إنت عندك عيلة، وعندك ابن، وعندك مسؤوليات أكبر من إنك ترجع لقصص انتهت من زمان.
فارس وقف من مكانه.
— بنتي مش قصة انتهت! دي طفلة عندها سبع سنين، وأنا ما شفتهاش في حياتي بسبب إن حد أخفى عني وجودها!
رد والده بحدة:
— أنا عملت اللي كنت شايفه مناسب لمصلحة العيلة.
— مصلحة العيلة؟! وإيه مصلحة العيلة في حرمان طفلة من أبوها؟
قال الحاج جلال:
— كنت بحاول أحميك من مشكلة كانت هتأثر على مستقبلك وعلى سمعة العيلة.
فارس رد بصوت مرتفع:
— إنت ما حمتنيش. إنت حرمتني من بنتي!
ثم أنهى المكالمة.
كان وشه متغيرًا تمامًا. الرجل اللي اعتاد أن تكون له الكلمة الأخيرة في كل اجتماع، اكتشف إن أقرب شخص ليه ربما يكون السبب في أكبر خسارة عاشها من غير ما يعرف.
لكن محمود لم يكن قد انتهى.
أخرج ورقة أخرى من الملف، ووضعها أمام فارس.
وقال:
— في حاجة إضافية. قبل ما الخطابات تتوقف، حصلت مراجعة داخلية بخصوص تحويلات مالية مرتبطة بملف السيدة ليلى.
بصيت له باستغراب.
— تحويلات مالية؟ أنا ما استلمتش أي فلوس من عيلة فارس غير المستحقات اللي اتفقنا عليها وقت الطلاق.
هز محمود راسه.
— وده اللي خلاني أحتفظ بالأوراق. في مستندات بتشير إلى إن مبلغًا ماليًا اتخصص لدعم الطفلة بعد الولادة، لكن السجلات بتقول إن المبلغ اتصرف بالكامل.
فارس نظر إليه بحدة.
— مين استلم الفلوس؟
محمود أشار إلى اسم موجود في المستند.




