روايات وقصص

اختي

الجزء الثاني
بعد أقل من عشر دقائق، وصلت سيارة الإسعاف.

المسعفون دخلوا بسرعة، وبدأوا يثبتوا دراع آدم.

ابني كان بيبكي وبيسألني:

— ماما… هو أنا هبقى كويس؟

مسكت إيده وقلت له وأنا بحاول أتماسك:

— هتبقى كويس يا حبيبي… وأنا معااك.

لكن ورايا، كانت داليا بتحاول تتكلم مع أحد المسعفين.

— الحادثة حصلت بالغلط… الولد كان بيجري ووقع.

بصيت لها من غير ما أتكلم.

هي فهمت من نظرتي إني سمعتها.

لكنها ابتسمت ابتسامة باردة.

كأنها بتقول لي:

«إنتِ لوحدك، وإحنا كلنا مع بعض.»

ركبت مع آدم في الإسعاف.

وطوال الطريق، كنت ماسكة إيده.

لكن في دماغي كان سؤال واحد بيتكرر:

مين اللي هيصدق؟

أنا…

ولا أبويا وأمي وأختي وبنتها؟

وصلنا المستشفى، وبعد الفحوصات والأشعة، أكد الدكتور إن آدم عنده كسر في دراعه ويحتاج لتثبيت وعلاج ومتابعة.

لما سمعت كلمة «كسر»…

غمضت عيني للحظة.

كنت عايزة أصرخ.

لكن آدم كان باصص لي.

فابتسمت له.

— الحمد لله يا حبيبي.

الدكتور قال:

— هنحتاج نعمل له إجراء لتثبيت العظمة، وبعدها هيحتاج راحة ومتابعة.

هزيت رأسي.

— اعملوا كل اللي لازم.

بعد دقائق، خرجت من غرفة آدم.

لقيت أبويا وأمي وداليا ونور واقفين في ممر المستشفى.

نور كانت بتتكلم في موبايلها وكأن مفيش حاجة حصلت.

ولما شافتني، قفلت المكالمة.

داليا قربت مني.

— خلاص بقى يا مريم. الولد اتعالج.

بصيت لها.

— اتعالج؟

ضحكت بسخرية.

— أيوه. يعني مش آخر الدنيا.

أبويا تدخل:

— وإحنا مستعدين ندفع كل المصاريف.

سألته بهدوء:

— مقابل إيه؟

سكت.

داليا قالت:

— مقابل إن الموضوع ينتهي هنا.

— يعني إيه؟

— يعني لا شرطة، ولا محاضر، ولا محاكم.

بصيت لنور.

كانت واقفة ورا أمها.

ولأول مرة، ظهر القلق على وشها.

لكن داليا كملت:

— إحنا عيلة واحدة. ما ينفعش تفضحينا بسبب خناقة أطفال.

ضحكت ضحكة قصيرة.

— أطفال؟

ردت بعصبية:

— إنتِ عارفة قصدي.

— بنتك عندها أربعة وعشرين سنة يا داليا.

الصمت نزل على الممر.

أبويا قرب مني وقال بصوت منخفض:

— فكري كويس. إحنا ممكن نعوضك بمبلغ محترم جدًا.

— ابني مش للبيع.

وشه اتغير.

— محدش قال كده.

— أنتوا بتقولوا كده من غير ما تنطقوا.

دخلت غرفة آدم.

وقبل ما أقفل الباب، سمعت داليا بتقول:

— هتندمي لو دخلتي الشرطة في الموضوع.

قفلت الباب.

طلعت موبايلي.

فتحت تطبيق تسجيل الصوت.

وضغطت على ملف كنت سجلته قبل ما نخرج من البيت.

صوت أبويا ظهر واضح.

«لو الشرطة وصلت، كلنا هنقول إن الولد وقع لوحده.»

سمعت الجملة مرة…

وبعدين مرة تانية.

ما كنتش محتاجة أكتر من كده.

احتفظت بالتسجيل في أكتر من مكان.

وبعت نسخة لنفسي على بريد إلكتروني خاص.

ونسخة تانية خزنتها على جهاز منفصل.

وبعدها طلبت من إدارة المستشفى نسخة كاملة من التقرير الطبي والأشعة وكل المستندات الخاصة بحالة آدم.

كنت عارفة إن الموضوع مش مجرد خناقة عائلية.

لأن بعد اللي حصل…

أبويا وأختي حاولوا يغيروا الرواية.

لكنهم نسوا حاجة مهمة:

المستشفى لا يعرف المجاملات العائلية.

التقرير الطبي كان واضحًا.

إصابة قوية.

كسر.

وصف دقيق لحالة الذراع.

ووقت وصول الطفل للمستشفى.

كل حاجة موثقة.

في اليوم التالي، خرج آدم من المستشفى وذراعه في الجبس.

كان تعبان، لكن لما دخلنا البيت، قال لي:

— ماما… هو أنا عملت حاجة غلط؟

قلبي اتكسر.

نزلت على ركبتي قدامه.

— لأ يا حبيبي.

— طب ليه كلهم زعلانين مني؟

حضنته.

— مش منك يا آدم.

وسكت شوية.

ثم قلت:

— أنت مالكش ذنب في حاجة.

في الليلة دي، وبعد ما آدم نام…

قعدت لوحدي في الصالة.

قدامي كان تقرير المستشفى.

وتسجيل الصوت.

وصور الأشعة.

وصورة للجبس.

كل حاجة قدامي.

وبعدين موبايلي رن.

كان أبويا.

رديت.

— ألو؟

قال بصوت هادي جدًا:

— مريم، آخر فرصة.

ما رديتش.

— إحنا ممكن نقفل الموضوع بشكل محترم.

قلت:

— الموضوع مش بيتقفل بالفلوس.

تنهد.

— إنتِ مش فاهمة حجم اللي ممكن يحصل.

— بالعكس… أنا فاهمة كويس.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— نور عندها مستقبل.

قلت:

— وآدم عنده دراع اتكسر.

رفع صوته:

— ما تبقيش أنانية!

قفلت المكالمة.

لكن بعد أقل من دقيقة…

وصلتني رسالة من داليا.

فتحتها.

كانت جملة واحدة:

«إنتِ مش عارفة إحنا نقدر نعمل فيكي إيه.»

بصيت للشاشة.

وبدل ما أخاف…

ابتسمت.

لأن الرسالة دي نفسها…

ممكن تكون دليل.

احتفظت بها.

وبعدها اتصلت بشخص واحد فقط.

شخص ما حدش من عيلتي يعرفه.

قلت له:

— أنا محتاجة أبدأ الإجراءات رسميًا.

رد عليّ:

— متأكدة؟

بصيت لتقرير آدم.

— جدًا.

وفي صباح اليوم التالي…

اتقدمت الإجراءات القانونية.

لأول مرة، بدأت عيلتي تدرك إن الموضوع مش مجرد تهديد مني.

لكن اللي حصل بعدها كان أغرب.

بعد ساعات قليلة، وصلني اتصال من رقم مجهول.

رديت.

صوت رجل قال:

— أستاذة مريم؟

— أيوه.

— أنا شفت اللي حصل يوم الحادثة.

سكت.

— مين حضرتك؟

قال:

— أنا كنت موجود في البيت.

قلبي دق بسرعة.

— وإنت شفت إيه؟

قال جملة واحدة جعلتني أجلس على الكرسي:

— أنا مش بس شفت اللي حصل لابنك… أنا سجلته كله.

وقبل ما ألحق أسأله مين هو…

قفل الخط.

فضلت ماسكة الموبايل في إيدي وأنا بحاول أستوعب.

مين الشخص ده؟

وليه سجل اللي حصل؟

والأهم…

ليه قرر يظهر دلوقتي؟

بعد أقل من ساعة، وصلتني رسالة جديدة.

كان فيها ملف فيديو.

فتحت الملف.

وفي أول ثواني منه…

ظهر مشهد السفرة كاملًا.

نور وهي تمسك آدم.

داليا وهي تصرخ.

أبويا وهو بيتكلم عن الشرطة.

لكن في آخر الفيديو…

ظهر شيء لم أكن أعرف أنه حدث أصلًا.

شيء واحد فقط…

كان كفيلًا بتحويل القضية من مجرد اعتداء عائلي…

إلى قضية أكبر بكثير.

وفي اللحظة دي، عرفت إن عيلتي كانت بتخبي سرًا عني أنا كمان.
فضلت باصة لشاشة الموبايل من غير ما أرمش.

الفيديو كان واضح.

واضح بشكل يخوف.

كنت شايفة نور وهي بتشد آدم من دراعه.

وشايفة لحظة وقوعه.

وسامعة صوت بكائه.

لكن اللي خلاني أوقف الفيديو…

كان آخر دقيقة.

الكاميرا كانت ثابتة في زاوية بعيدة من الصالة، وبتصور كل حاجة تقريبًا.

بعد ما وقع آدم، ووسط صراخ الجميع، أبويا اتحرك ناحية درج صغير في المكتبة.

فتح الدرج.

طلع منه ملف بني.

وبص حواليه قبل ما يخبيه تحت جاكت كان موجود على كرسي.

وقتها فهمت إن الموضوع مش صدفة.

أبويا كان خايف من حاجة تانية.

كملت الفيديو.

بعدها ظهرت أمي وهي بتقرب منه وتقول:

— حسن… الملف ده لازم يختفي قبل ما مريم تعرف.

اتجمدت مكاني.

مريم؟

أنا؟

أبويا رد بصوت منخفض:

— مش دلوقتي. خلينا نخلص من موضوع الولد الأول.

أمي قالت:

— ولو فتحت الموضوع القديم؟

رد عليها:

— مش هتقدر.

وقتها الفيديو انتهى.

فضلت قاعدة في الصالة والهدوء حواليا مرعب.

إيه هو الموضوع القديم؟

وليه كانوا خايفين إني أعرف؟

رن موبايلي مرة تانية.

نفس الرقم المجهول.

رديت فورًا.

— إنت مين؟

الرجل قال:

— اسمي سامح. كنت شغال حارس في بيت والدك من حوالي سبع سنين.

— وإنت اللي صورت الفيديو؟

— أيوه.

— ليه؟

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— لأن اللي حصل النهارده مع ابنك مش أول مرة عيلتك تحاول تخبي فيها الحقيقة.

قلبي اتقبض.

— قصدك إيه؟

قال:

— أنا كنت موجود يوم حصلت مشكلة كبيرة في البيت من سنين.

— إيه المشكلة؟

— والدك كان بيحاول يبيع عقار مش من حقه يبيعه.

سكت.

— مش من حقه إزاي؟

قال:

— لأن العقار كان ليكي إنتِ.

ما قدرتش أتكلم.

— إيه؟

— أيوه. كان باسمك.

حسيت إني مش فاهمة.

— أنا معنديش عقار عند أبويا.

ضحك بحزن.

— دي كانت المشكلة.

— يعني إيه؟

قال:

— والدك استخدم توكيل قديم كان موجود عنده، وبدأ يتصرف في أملاك كان المفروض تفضل باسمك.

قفلت عيني.

كل حاجة بدأت تركب مع بعض.

ليه أمي كانت دايمًا بتقول لي ما أسألش عن شؤون العيلة؟

ليه أبويا كان بيرفض يتكلم عن بعض الممتلكات؟

وليه كان دايمًا بيقول إن داليا هي اللي تستحق الدعم لأنها «أكتر احتياجًا»؟

قلت:

— عندك دليل؟

قال:

— عندي أكتر من دليل.

— فين؟

— عندي نسخة من مستندات قديمة.

سكت لحظة ثم أضاف:

— وفي حاجة أهم.

— إيه؟

— أبوكي ما كانش عارف إني احتفظت بنسخة من تسجيل قديم.

قلت:

— تسجيل إيه؟

قال:

— تسجيل للمحادثة اللي حصلت بينه وبين والدتك وقتها.

حسيت ببرودة في إيدي.

— عن إيه؟

رد:

— عن السبب الحقيقي اللي خلاهم يخلّوكي تفتكري إنك فاشلة.

سكت.

— هتقابلني؟

قال:

— بكرة، الساعة عشرة الصبح.

وبعدين قفل.

في اليوم التالي، خرجت من البيت بدري.

آدم كان عند خالته من ناحية والدته، بعيد عن المشاكل.

قابلت سامح في مكان هادي.

كان رجل في أواخر الخمسينات، ملامحه متعبة.

حط قدامي ظرف كبير.

— قبل ما تفتحيه، لازم تعرفي حاجة.

— إيه؟

— والدك كان دايمًا بيقول إنك أقل من أختك.

— عارفة.

— لأ… إنتِ مش عارفة السبب.

فتحت الظرف.

كان جواه صور لمستندات قديمة.

عقود.

توكيلات.

وأوراق ملكية.

وفي وسطهم ورقة خلت إيدي ترتعش.

كان اسمي مكتوب عليها.

سألته:

— دي إيه؟

قال:

— دي ملكية أرض كانت باسمك.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى