
الجزء الثاني والاخير
الجزء الثاني
كان الوقت لسه حوالي السادسة ونص الصبح، والشقة هادية بشكل غريب.
مريم كانت قاعدة في المطبخ، والبنتين نايمين في أوضتهم.
قدامها كان فيه كوب شاي ما لمستوش، وموبايلها على الترابيزة.
لكنها ما كانتش لوحدها.
على الكرسي المقابل كان قاعد والدها حسن، وبجانبه أخوها كريم وابن عمها يوسف.
والأهم من وجودهم…
كان فيه ملف بني كبير فوق الترابيزة.
حسن بص لبنته وقال بهدوء:
— إنتِ متأكدة يا مريم؟
هزت رأسها.
— متأكدة يا بابا.
كريم فتح الملف.
— كل الأوراق هنا زي ما طلبتي.
مريم بصت للملف لحظة، وبعدها قالت:
— خليه معاك. أنا عايزة أشوف هيتصرفوا إزاي الأول.
في اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة.
خرج أحمد وهو لسه نص نايم، وبعده نوال.
أول ما شافوا الرجال قاعدين في المطبخ، الاتنين وقفوا مكانهم.
أحمد عقد حواجبه.
— مين دول؟
حسن رد بهدوء:
— صباح الخير يا أحمد.
أحمد بص لمريم.
— إيه اللي بيحصل هنا؟
مريم ما ردتش.
نوال قربت من الترابيزة وهي متضايقة.
— هو إحنا بقينا نجيب ناس غريبة البيت من غير ما نعرف؟
كريم ضحك بسخرية بسيطة.
— غريبة؟
بص لها وقال:
— إحنا أهل مريم.
نوال سكتت.
أحمد حاول يخفي توتره وقال:
— طب ممكن أفهم إيه الموضوع؟
مريم أخيرًا رفعت عينيها عليه.
— أكيد.
وسكتت ثواني.
— بس قبل ما أشرح… ممكن تسألني سؤال؟
— اتفضلي.
— التلاجة الجديدة دي… اشتريتها من فلوس مين؟
أحمد اتضايق.
— من فلوسي.
— فلوسك؟
— أيوه.
— تمام.
مريم بصت لحسن.
— بابا، ممكن تفتح أول ورقة؟
حسن فتح الملف.
أحمد بدأ يتوتر.
نوال قربت منه.
— إيه الورق ده؟
حسن حط أول ورقة على الترابيزة.
— عقد ملكية الشقة.
أحمد اتجمد.
نوال بصت لمريم.
— يعني إيه؟
مريم ردت:
— يعني الشقة اللي إحنا قاعدين فيها مش ملك أحمد.
سكتت لحظة.
— ومش ملك نوال.
أحمد ضحك بتوتر.
— إنتِ بتقولي إيه؟
مريم ما اتأثرتش.
— الشقة باسمي من قبل ما نتجوز.
نوال انفجرت:
— مستحيل!
كريم طلع صورة من الملف وحطها قدامها.
— ممكن تتأكدي بنفسك.
نوال مسكت الورقة.
إيدها بدأت ترتعش.
أحمد قرب منها بسرعة.
— وريني.
قرأ الاسم.
مريم حسن عبد الرحمن.
التاريخ كان قبل زواجهم بسنة كاملة.
أحمد رفع عينه.
— إنتِ كنتِ مخبية عني إن الشقة باسمك؟
مريم ردت:
— وإنت كنت هتسألني لو كنت عارف؟
ما لاقاش إجابة.
نوال دخلت في الكلام:
— حتى لو الشقة باسمها، أنا أمك! وليا حق أقعد مع ابني!
مريم بصت لها بهدوء.
— أنا ما قلتش إنك ما تقعديش.
ثم أشارت للتلاجة.
— أنا بس مش موافقة إنك تقسمي البيت لمناطق ليكي ومناطق ليا، وتتصرفي كأنك صاحبة المكان.
نوال رفعت صوتها:
— أنا كنت بساعدك!
مريم ردت:
— المساعدة ما بتبدأش بتغيير أوضة الأطفال، ولا بحط هدومك في دولابي، ولا إنك تقرري مين ياكل من أنهي تلاجة.
أحمد تدخل:
— خلاص يا مريم، الموضوع كبر.
مريم بصت له.
— لأ يا أحمد.
وسكتت لحظة.
— الموضوع ما كبرش النهارده.
— الموضوع بدأ من شهور.
أحمد عقد حاجبيه.
— يعني إيه؟
مريم قامت من مكانها.
— يعني أنا كنت شايفة كل حاجة.
نوال سكتت.
— كنت شايفة إنك كل شهر بتحول جزء من فلوس البيت لحساب والدتك من غير ما تقولي.
أحمد اتوتر.
— دي فلوس أمي!
— وكنت شايفة إنك بتطلب مني أقلل مصاريف البيت، وفي نفس الوقت بتدفع أقساط حاجات باسم والدتك.
نوال بصت لابنها.
— أحمد؟
مريم كملت:
— وكنت شايفة إنك من فترة بدأت تتعامل معايا كإني عبء عليك.
سكتت.
وبعدين قالت:
— لكن اللي حصل امبارح خلاني أتأكد إن الموضوع مش مجرد خلاف بين زوجين.
كريم أخرج ورقة جديدة.
— ودي أهم ورقة.
أحمد بص له.
— إيه دي؟
حسن قال:
— كشف حساب.
أحمد بدأ يتنفس بسرعة.
— كشف حساب إيه؟
مريم ردت:
— حساب الشركة.
اتغيرت ملامح أحمد.
مريم كانت عارفة إن دي النقطة اللي هيحاول يهرب منها.
من حوالي سنة، أحمد كان بيحكي لها إنه بيشتغل في مشروع صغير مع شريكين، وإن الأرباح مش كبيرة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
مريم كانت شريكته في المشروع بشكل قانوني.
وكانت تمتلك نسبة كبيرة منه.
هو نفسه كان بيطلب منها توقّع على أوراق بحجة إنها إجراءات عادية.
لكنها قبل ما توقع، كانت بتراجع كل شيء مع محامي والدها.
وعرفت إن أحمد بدأ يحاول نقل جزء من أموال الشركة لحسابات مرتبطة بعائلته.
ولم تواجهه وقتها.
كانت تنتظر دليلًا كاملًا.
والدليل كان قدامها الآن.
أحمد بص لمريم وقال:
— إنتِ بتراقبيني؟
— لأ.
قالتها بهدوء.
— أنا كنت بحمي نفسي وبحمي بناتي.
نوال ضربت بإيدها على الترابيزة.
— إنتِ عايزة تفرقي ابني عن أمه!
مريم ردت:
— أنا ما فرقتش حد عن حد.
وبصت لأحمد.
— لكنك أنت اللي اخترت إنك تحطني أنا وبناتي في ناحية، وإنت وأمك في ناحية تانية.
ساد الصمت.
وفجأة…
سمعوا صوت بكاء من غرفة الأطفال.
مريم قامت فورًا.
اتجهت ناحية البنات.
لكن قبل ما تدخل، أحمد قال:
— استني.
مريم وقفت.
— إيه؟
أحمد بص لها، وصوته كان مختلفًا هذه المرة.
— إحنا ممكن نتكلم ونحل كل ده.
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— دلوقتي؟
أحمد ما ردش.
قالت:
— لما كنت راجعة من المستشفى، وإنت حاطط تلاجة بتقول عليها “أحمد وماما”، كنت فين؟
سكت.
— لما أمك كانت بتنقل هدومها في أوضتي وأنا لسه خارجة من الولادة، كنت فين؟
ولا كلمة.
— ولما قلت إن أنا مش هعرف أعيش لوحدي ومعايا بنتين، كنت فاكر إني مش سامعة؟
أحمد نزل عينه.
مريم قالت:
— أنا سمعت كل كلمة.


