اعمال

جوزي بقلم محمد عبده

حملتهما واحدة واحدة.

خرجت وهي شايلة ليان وجنى.

وبصت لأحمد وقالت:

— أنا ما كنتش محتاجة منك فلوس.

— ولا كنت محتاجة حد ينقذني.

— كنت محتاجة جوزي يقف جنبي.

وبعدين حطت بنتها في الحاملة، وقالت:

— لكن بما إنك اخترت تثبت لي إنك مش الشخص اللي أقدر أعتمد عليه…

سكتت.

— فأنا بدأت أتصرف على الأساس ده.

حسن أغلق الملف.

ثم نظر إلى أحمد وقال:

— ولسه في ورقة ما شافتهاش.

أحمد رفع رأسه بسرعة.

— ورقة إيه؟

حسن ابتسم بهدوء.

— دي مش عن الشقة.

— ولا عن الشركة.

— دي عن البنات.

تغير وجه أحمد بالكامل.

مريم بصت لوالدها.

وكأنها كانت تعرف بالضبط ما سيقوله.

فتح حسن الورقة الأخيرة ووضعها أمام أحمد.

وفي اللحظة التي قرأ فيها أول سطر…

اتبدلت ملامحه تمامًا.

لأنه اكتشف إن مريم ما كانتش بتجهز نفسها للخروج من البيت فقط…

كانت بتجهز نفسها لشيء أكبر بكتير.
الجزء الثالث

أحمد فضل باصص للورقة من غير ما يتكلم.

وشه كان شاحب، وإيده بدأت تتحرك بعصبية فوق الترابيزة.

نوال قربت منه.

— مالك يا أحمد؟ الورقة دي فيها إيه؟

أحمد ما ردش.

حسن هو اللي قال بهدوء:

— دي نسخة من طلب مريم لإثبات حضانة البنتين، ومعاه توكيل رسمي لمحاميها.

نوال شهقت:

— حضانة؟!

مريم ما اتكلمتش.

كانت واقفة وهي شايلة جنى، بينما ليان بدأت تتحرك في الحاملة.

أحمد رفع عينه لها.

— إنتِ ناوية تاخدي البنات مني؟

مريم ردت بهدوء:

— أنا ناوية أحميهم.

— أنا أبوهم!

— وأنا أمهم.

— يعني إيه الكلام ده؟

مريم قربت من الترابيزة.

— يعني إن اللي حصل امبارح مش مجرد خناقة على تلاجة.

وبصت لنوال.

— ولا مجرد خلاف مع حماتي.

ثم رجعت بعينيها لأحمد.

— فيه حاجة أخطر.

أحمد سكت.

مريم قالت:

— من فترة، أنا بدأت ألاحظ إنك بتدخل في ديون من غير ما تقول لي.

أحمد حاول يقاطعها.

— دي أمور شغلي.

— عارفة.

— وإنتِ مالك؟

— لأن جزء من الديون دي اتسجلت على عنوان بيتنا.

حسن أخرج مستندًا آخر.

— وكمان فيه إنذارات قانونية وصلت للشقة.

أحمد خطف الورقة من إيده.

قرأها بسرعة.

ثم قال:

— دي مجرد إجراءات.

مريم ردت:

— إجراءات؟

— أيوه.

— طيب ليه خبيت عنها؟

سكت.

— وليه كنت بتقول لي إن الشغل كويس وإن كل حاجة تمام؟

أحمد بدأ يرفع صوته:

— كنت بحاول أحميكي!

مريم ابتسمت بحزن.

— تحميني؟

ثم قالت:

— من إيه؟

أحمد ما عرفش يرد.

نوال تدخلت بسرعة:

— ابني كان بيحاول يحافظ على بيته!

كريم رد:

— ويحافظ عليه إزاي وهو بينقل فلوس من حساب لحساب؟

نوال بصت له بغضب.

— إنت مالك؟

كريم قال:

— مالي إن أختي وبناتها كانوا ممكن يصحوا يوم يلاقوا البيت عليه حجز.

ساد الصمت.

مريم أكملت:

— أنا كنت عارفة إن فيه مشكلة، لكني ما كنتش عايزة أصدق إنك ممكن توصل للمرحلة دي.

أحمد بص لها.

— ومين قال لك الكلام ده؟

مريم ما ردتش.

بدلًا من ذلك، فتحت موبايلها.

وضغطت على تسجيل صوتي.

خرج صوت أحمد واضحًا من الهاتف:

— لو قدرت أنقل جزء من الفلوس لحساب أمي، محدش هيعرف يوصل لها.

وبعده صوت رجل آخر:

— بس لو مراتك اكتشفت؟

ثم صوت أحمد:

— مريم مش بتفهم في الحاجات دي. وبعد الولادة هتبقى مشغولة في البنات.

نوال غطت فمها بإيدها.

أحمد قام من مكانه.

— إنتِ سجلتيني؟

مريم ردت:

— لأ.

— أمال التسجيل ده إزاي؟

— أنت اللي كنت بتتكلم في مكالمة على السماعة المفتوحة، وأنا كنت في الأوضة.

أحمد سكت.

مريم قالت:

— من يومها بدأت أفهم إن الموضوع أكبر مما كنت متخيلة.

حسن نظر إليه وقال:

— وعشان كده أنا طلبت من محامي العيلة يراجع كل الأوراق.

أحمد حاول استعادة هدوئه.

— حتى لو حصلت أخطاء، نقدر نصلحها.

مريم ردت:

— ممكن.

— طيب خلاص.

— بس مش زي زمان.

أحمد بص لها.

— يعني إيه؟

مريم قالت:

— يعني من النهارده كل حاجة هتبقى مكتوبة.

نوال انفعلت:

— مكتوبة إيه؟! هو ابني غريب عن بيته؟

مريم ردت:

— لا.

— بس أنا كمان مش غريبة.

ثم أشارت ناحية التلاجة الجديدة.

— والبيت ده مش بيت أحمد وأمه.

— ده بيتنا.

— والبنات دول مش مسؤولية مريم لوحدها.

— دول بناتك أنت كمان.

أحمد ظل صامتًا.

فجأة سمعوا صوت طرق على الباب.

الكل بص ناحية الباب.

كريم قام وفتحه.

كان رجل في منتصف الأربعينات، يحمل حقيبة أوراق.

قال:

— أستاذة مريم؟

— أيوه.

— أنا المستشار سامح، المحامي اللي والد حضرتك كلمه.

أحمد اتوتر.

— محامي؟

سامح دخل وقال:

— أيوه.

ثم نظر إلى الجميع.

— آسف لو جيت في وقت مش مناسب.

حسن رد:

— بالعكس. اتفضل.

سامح حط الحقيبة على الترابيزة.

أخرج عدة ملفات.

وقال:

— قبل ما نبدأ، فيه نقطة مهمة لازم تتقال.

أحمد قال:

— أنا مش موافق على أي إجراء ضدّي.

سامح بص له.

— محدش قال إن فيه إجراء ضد حضرتك.

ثم فتح ملفًا.

— لكن فيه إجراء بالفعل تم اتخاذه.

أحمد سأل:

— إيه؟

سامح قال:

— تم تجميد أي محاولة لنقل ملكية أو رهن الشقة لحين انتهاء المراجعة القانونية.

أحمد اتصدم.

— مين حاول يرهن الشقة؟

مريم بصت له.

— دي نقطة كنت أتمنى إنك تجاوب عليها أنت.

نوال بدأت تبص لابنها.

— أحمد؟

أحمد سكت.

سامح أخرج ورقة.

— فيه طلب تم تقديمه من فترة للحصول على تمويل، وتم استخدام بيانات مرتبطة بالعقار كضمان.

حسن قال:

— وده السبب اللي خلانا نتحرك بسرعة.

أحمد بدأ يتلعثم:

— أنا… كنت محتاج فلوس مؤقتًا.

مريم قالت:

— وكنت هتقول لي إمتى؟

لم يرد.

— بعد ما البيت يضيع؟

أحمد رفع صوته:

— ما كانش هيضيع!

مريم ردت:

— وإنت متأكد؟

أحمد سكت.

نوال كانت واقفة في مكانها، وكأنها لأول مرة تفهم حجم المصيبة.

ثم قالت:

— أنت عملت كل ده عشان إيه؟

أحمد بص لها.

— عشان الشغل.

— والشغل أهم من بيتك ومراتك وبناتك؟

ما ردش.

مريم حملت البنتين واقتربت من والدها.

— بابا، أنا عايزة أمشي.

حسن وقف.

— هنمشي.

أحمد حاول يمنعهم.

— استني يا مريم.

وقفت.

— أنا غلطت.

مريم بصت له.

— الغلط إنك تنسى تجيب حاجة من السوبر ماركت.

— لكن اللي عملته أنت كان قرارات.

أحمد قال:

— أنا كنت تحت ضغط.

— وأنا كنت في المستشفى.

سكت.

— كنت بولد بنتين.

— وإنت كنت بتخطط إزاي تحط كل حاجة باسم أمك.

نوال قالت بسرعة:

— مريم، أنا ما كنتش أعرف كل ده.

مريم نظرت إليها.

— يمكن.

ثم قالت:

— لكنك كنتِ عارفة إنك بتدخلي حياتنا من غير حدود.

نوال لم تجد ما تقوله.

مريم اتجهت ناحية الباب.

لكن قبل ما تخرج، سمعوا صوت بكاء ليان.

وقفت مريم، وحاولت تهدئتها.

وفي اللحظة دي، أحمد قرب منها وقال بصوت منخفض:

— أنا مش عايز أخسر بناتي.

مريم بصت له طويلًا.

— يبقى أثبت إنك تستحق تفضل أبوهم.

ثم خرجت.

لكنها ما كانتش تعرف إن اللي حصل في الصباح ده مجرد بداية.

لأن بعد ساعات قليلة، كان فيه اتصال هيغير كل الحسابات.

اتصال من البنك.

وكانت المعلومة اللي هتظهر فيه أخطر من كل اللي اكتشفته مريم لحد اللحظة دي…

لأن جزء من الأموال اللي اختفت من حساب الشركة ما راحش لحساب نوال أصلًا.

راح لشخص آخر.

شخص قريب جدًا من أحمد…

وشخص مريم لم تكن تشك فيه أبدًا.
بعد ما خرجت مريم من الشقة مع والدها وأخوها، كانت فاكرة إن أصعب جزء من الحكاية خلص.

لكنها ما كانتش تعرف إن اللي جاي هيكشف سر أخطر بكتير.

وصلت لبيت والدها في طنطا، وحطت البنتين في أوضتهما بهدوء.

كانت مرهقة جدًا.

جلست على طرف السرير، وبصت للبنتين وهما نايمين.

قال حسن:

— لازم ترتاحي دلوقتي. إحنا هنتصرف.

هزت رأسها.

لكن قبل ما ترد، رن موبايلها.

كان رقم المحامي سامح.

ردت بسرعة.

— أيوه يا أستاذ سامح؟

جاءها صوته متوترًا:

— مريم، أنا كنت لسه في البنك.

— حصل إيه؟

— فيه تحويلات مالية أنا محتاج أسألك عنها.

— تحويلات إيه؟

سكت لحظة.

— الأموال اللي اختفت من حساب الشركة… ما راحتش كلها لوالدة أحمد.

مريم اعتدلت في جلستها.

— أمال راحت لمين؟

— لحساب باسم شركة تانية.

— شركة مين؟

المحامي قال اسم الشركة.

مريم تجمدت.

كانت تعرف الاسم.

لكنها لم تتوقع أبدًا أن يكون له علاقة بأحمد.

قالت:

— الاسم ده أنا شفته قبل كده.

— أكيد.

— فين؟

— في أوراق تأسيس الشركة.

مريم بدأت تقلب في ذاكرتها.

ثم قالت:

— دي شركة كانت مسجلة باسم شريك قديم لأحمد.

سامح رد:

— لأ.

— الاسم ده اتغير من فترة.

— ودلوقتي صاحب الشركة الحقيقي شخص تاني.

مريم سألت:

— مين؟

قال المحامي الاسم.

وساد الصمت.

مريم لم تستطع الكلام.

حسن لاحظ تغير وجهها.

— في إيه يا بنتي؟

مريم رفعت عينيها ببطء.

وقالت:

— الشركة دي باسم… يوسف.

كريم، الذي كان واقفًا بجوار الباب، اتصدم.

— يوسف؟ ابن عمنا؟

مريم هزت رأسها.

— أيوه.

حسن قال:

— مستحيل.

يوسف كان الشخص الذي جاء معهم من طنطا في الصباح.

الشخص الذي ساعدهم في تجهيز الأوراق.

الشخص الذي كان واقفًا طوال الوقت بجانبهم.

مريم قالت:

— لازم نتأكد.

في نفس اللحظة، وصلتها رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت صورة.

صورة أحمد جالسًا في أحد المقاهي مع يوسف.

وتحت الصورة رسالة قصيرة:

“قبل ما تثقي في أي حد… اسألي نفسك مين كان عارف كل خطواتك من البداية.”

مريم شعرت بقشعريرة.

رفعت عينيها لكريم.

— ابعتلي يوسف.

بعد دقائق، دخل يوسف الغرفة.

— في إيه؟

مريم حطت الموبايل قدامه.

— تعرف المكان ده؟

يوسف بص للصورة.

ثم سكت.

مريم قالت:

— تعرف أحمد كان بيقابلك هنا؟

يوسف رد:

— أيوه.

حسن اتعصب:

— وإنت ما قلتلناش؟

يوسف قال:

— لأن الموضوع كان بيني وبين أحمد.

مريم سألته:

— كان بينكم إيه؟

يوسف لم يرد.

مريم قربت منه.

— الفلوس اللي خرجت من الشركة راحت لشركتك؟

يوسف رفع عينه لها.

— مريم…

— جاوبني.

قال:

— أيوه.

كريم انفعل:

— يعني إنت كنت شريك معاه؟

يوسف رد:

— في البداية كنت فاكر إن الموضوع استثمار عادي.

مريم سألته:

— وفي الآخر؟

يوسف نزل عينه.

— في الآخر اكتشفت إن أحمد كان بيستخدم الشركة لتحويل فلوس.

مريم شعرت بالصدمة.

— وإنت سكت؟

يوسف قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى