
الجزء الثاني
فضلت عيني معلقة بالصفحة الأولى من الملف، ومش قادرة أصدق اللي بقراه.
كان فيه تقرير رسمي مرفق بصور ومستندات، وفي وسط الأوراق ظهر اسم شركة أنا أعرفها كويس جدًا.
شركة أدهم كان بيقول طول الوقت إنها ملك أبوه، وإنه مجرد بيساعده في إدارتها.
رفعت عيني للمحامية وقلت باستغراب:
«إيه علاقة الشركة باللي حصل لي؟ وإيه اللي ممكن يكون موجود في ملف حماتي؟»
المحامية سحبت كرسي وقعدت جنبي، وبعدها قالت:
«يا نور، الموضوع أكبر بكتير من مجرد موقف مؤذٍ حصل داخل البيت. إحنا اكتشفنا إن جوزك وأمه كانوا بيخططوا من فترة طويلة إنهم يستولوا على جزء كبير من أموالك، وكانوا مستنيين فرصة يبعدوكي عن أي قرار مالي.»
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
«يستولوا على فلوسي إزاي؟ أنا مش فاهمة!»
فتحت المحامية صفحة تانية، وورّتني مجموعة تحويلات مالية تمت من حسابات مشتركة بيني وبين أدهم.
قالت:
«خلال السنة اللي فاتت، فيه مبالغ كبيرة خرجت من حساباتكم واتحولت لشركات مش واضحة الملكية. الغريب إن التوقيعات الموجودة على بعض المستندات باسمك، لكنك بتقولي إنك ماوقّعتيش عليها.»
قربت الورق من عيني، وبدأت أراجع الأرقام.
كنت محللة مالية، وعارفة كويس إن الأرقام مش بتكدب، لكن اللي قدامي كان أكبر من مجرد تصرف مالي مشبوه.
أدهم كان بيخطط للاستيلاء على حقوقي!
وفجأة افتكرت مواقف كتير حصلت خلال الشهور الماضية.
إصراره إني أوقّع على أوراق بحجة إنها تخص التأمين على البيت.
وطلبه المتكرر إني أسيب له إدارة الحسابات.
وإصراره إن حماتي تبقى عندها نسخة من مفاتيح المكتب اللي بحفظ فيه أوراقي المهمة.
كنت فاكرة إنه بيحاول يساعدني.
لكن الحقيقة إنه كان بيجهز لكل حاجة من ورايا.
سألت المحامية:
«طب إيه علاقة سعاد بكل ده؟»
فتحت المحامية الملف عند صفحة معينة، وقالت:
«هنا بقى المفاجأة. فيه تسجيل صوتي حصلنا عليه ضمن الأدلة اللي اتجمعت أثناء التحقيق، وفيه حديث واضح بين أدهم ووالدته عن حساباتك وأوراق الملكية.»
حسيت ببرودة في أطرافي.
«يعني أمه كانت عارفة؟»
ردت المحامية:
«مش بس كانت عارفة يا نور… دي كانت مشاركة في التخطيط.»
طلبت منها تشغل التسجيل.
خرج صوت سعاد من الهاتف واضح جدًا:
«أنا قلت لك من الأول، البنت دي مش هتسيب فلوسها بسهولة. لازم تخلص من حكاية سيطرتها على الحسابات، وبعدها كل حاجة هتبقى تحت إيدينا.»
وبعدها سمعت صوت أدهم:
«متقلقيش يا أمي، أنا عارف أتعامل معاها. هي مهما عملت مش هتقدر تواجهني.»
ثم رجع صوت سعاد:
«المهم الورق اللي مضيناها عليه. لو عرفنا نثبت إن الفلوس بتاعتنا، مش هتعرف تعمل حاجة.»
وقفت المحامية التسجيل.
كنت حاسة إني بتفرج على حياتي وهي بتتدمر قدام عيني.
الناس اللي كنت بعتبرهم عيلتي كانوا بيتكلموا عني وكأني مجرد خزنة فلوس لازم يلاقوا طريقة يفتحوها.
لكن اللي وجعني أكتر من كل ده كان سؤال واحد:
هل أدهم اتجوزني علشان بيحبني فعلًا، ولا من البداية كان شايف فيا فرصة مالية؟
قبل ما أقدر أتكلم، تليفوني رن مرة تانية.
أدهم!
المحامية أشارت لي إني أفتح المكالمة وأحطها على مكبر الصوت.
رديت بهدوء:
«أيوه يا أدهم، عايز إيه؟»
قال بسرعة:
«نور، أرجوكي اسمعيني. أنا عارف إنك زعلانة، واللي حصل كان غلط، بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.»
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة.
«مش زي ما أنا فاهمة؟ إنت سبتني في حالة صعبة على الأرض، ورفضت تاخدني المستشفى! كنت مستني إيه؟ إني أتعرض لخطر أكبر؟»
سكت لحظات، وبعدها قال:
«أمي كانت متعصبة، وإنتِ عارفة طبعها. إحنا هنحل الموضوع بينا من غير ما ندخل ناس غريبة.»
قلت له:
«الناس الغريبة دول هما الأطباء والمحامين اللي إنت كنت رافض تستعين بيهم لما كنت محتاجاهم.»
رد بعصبية:
«نور، بطلي تعاندي. إنتِ مراتي، ومش من مصلحتك تدمري بيتك بإيدك.»
بصيت للمحامية، وبعدها قلت:
«البيت اللي بتتكلم عنه إنت وأمك كنتوا بتحاولوا تدمروني جواه. أنا مش هرجع.»
وفجأة تغير صوته.
قال بنبرة ضغط:
«إنتِ مش فاهمة حاجة. لو الملف ده خرج من إيدك، مش هتقدري ترجعي في كلامك.»
المحامية كتبت لي على ورقة صغيرة: اسأليه عن التسجيل.
قلت له:
«طيب يا أدهم، قبل ما نقفل، عايزة أسألك سؤال واحد. إنت كنت عارف إن أمك بتتكلم عن الاستيلاء على فلوسي؟»
اتنفس بسرعة، وسكت.
وبعدها قال:
«مين قال لك الكلام ده؟»
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى.
«يبقى الكلام صحيح.»
صرخ في التليفون:
«نور! إنتِ بتلعبي بالنار!»
رديت عليه:
«لأ يا أدهم، أنا كنت طول الوقت عايشة وسط النار، والفرق إني دلوقتي بقيت شايفة مين اللي كان بيولعها.»
وقبل ما يقفل، قال جملة خلت المحامية تبص لي بتركيز:
«إنتِ مش عارفة أبوكي عمل إيه زمان، ولو عرفتي الحقيقة هتتمني إنك ما فتحتيش الملف ده!»
اتجمدت مكاني.
أبويا؟
إيه علاقة أبويا بكل اللي بيحصل؟
أبويا رحل من خمس سنين، وماكانش بينه وبين أدهم أي خلاف أعرفه.
بصيت للمحامية وسألتها:
«هو يقصد إيه؟»
فتحت المحامية آخر جزء من الملف، وطلعت مستند قديم عليه ختم رسمي وتوقيع والدي.
قالت:
«كنت مستنية اللحظة المناسبة أقول لك. والدك قبل رحيله بشهور عمل إجراء قانوني مهم جدًا، وسبّب مفاجأة كبيرة لأدهم وأمه.»
مسكت الورقة بإيد مرتعشة.
كان مكتوب فيها إن والدي أنشأ كيانًا قانونيًا لحماية جزء من أمواله واستثماراته، وإن اسمي موجود ضمن المستفيدين منه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير.
أدهم المنياوي كان بيحاول يستولي على أموال مش ملكه أصلًا، وكان فيه شرط قانوني لو ثبت إنه حاول يزوّر توقيعي أو يستغل زواجه مني للحصول على الأموال، هيتحرم من أي منفعة مرتبطة بالاتفاق.
رفعت عيني للمحامية وقلت:
«يعني أبويا كان متوقع إن حاجة زي دي ممكن تحصل؟»
ردت بهدوء:
«مش بالضرورة كان متوقع، لكنه كان حريص يحمي مستقبلك. والأهم إننا لقينا مستند تاني ممكن يثبت إن أدهم كان عارف بوجود الأموال دي من قبل جوازكم.»
في اللحظة دي، دخلت الممرضة وقالت إن فيه زائر مستني بره.
سألتها:
«مين؟»
قالت:
«والد جوز حضرتك… الأستاذ حسن المنياوي.»
بصيت للمحامية، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
حمايا اللي وقف يتفرج وأنا بتعرض لموقف مؤذٍ، واللي سابني في حالة صعبة على الأرض، جاي يزورني دلوقتي؟
دخل حسن الأوضة، وكان شكله مختلف تمامًا عن آخر مرة شفته فيها.
ماكانش قادر يبص في عيني.
قرب من السرير وقال بصوت منخفض:
«يا بنتي، أنا عارف إن اللي حصل مايتغفرش، بس أنا جاي أقول لك الحقيقة قبل ما أدهم يورط نفسه أكتر.»
سألته ببرود:
«أي حقيقة؟»




