
لم أعرف كم من الوقت مرّ وأنا ملقاة على أرضية المنزل.
كل ما أتذكره أنني كنت أسمع صوت أمي وهي تتحدث مع أبي بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.
— لازم نتصرف بسرعة قبل ما حد يعرف.
رد أبي:
— مفيش حد هيعرف حاجة. هنقول إنها وقعت من السلم، وانتهى الموضوع.
كنت أريد أن أصرخ.
كنت أريد أن أقول للطبيب، للشرطة، لأي شخص… إنني لم أسقط.
لكن جسدي لم يعد يطيعني.
لم أكن أشعر بساقيّ، وحتى تحريك يدي كان مؤلمًا.
ثم سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
بعد دقائق، دخل رجلان من الإسعاف.
وقفت أمي أمامهما وقالت بسرعة:
— بنتي وقعت من على السلم. كنا في المطبخ، وسمعنا صوت ارتطامها بالأرض.
نظرت إليها وأنا عاجزة عن الكلام.
كانت تكذب بكل هدوء.
أبي أيضًا وقف بجوارها، يرتدي وجه الأب القلق.
— حاولنا نساعدها، لكن واضح إن إصابتها قوية.
اقترب أحد المسعفين مني.
— آنسة، هل تستطيعين تحريك ساقيك؟
حاولت.
لم يحدث شيء.
هززت رأسي ببطء.
— لا.
تبادل المسعفان نظرة سريعة.
ثم قال:
— لازم ننقلها فورًا للمستشفى.
أثناء نقلي إلى سيارة الإسعاف، اقتربت أمي مني وهمست:
— إياكي تقولي أي حاجة.
نظرت إليها بدهشة.
فأكملت:
— لو قلتي إن أبوكي ضربك، حياتنا كلنا هتتدمر.
عندها أدركت شيئًا.
هي لم تكن خائفة عليّ.
كانت خائفة على نفسها.
داخل سيارة الإسعاف، كنت أحدق في سقفها الأبيض، بينما أصوات الأجهزة من حولي لا تتوقف.
حاول المسعف أن يطمئنني:
— متقلقيش، إحنا هنوصلك بسرعة.
أغمضت عيني.
كنت أفكر في شيء واحد فقط.
حفل التعيين.
بعد سنوات من التعب والتدريب والسهر، كان اليوم الذي حلمت به طوال حياتي على بعد ساعات.
والآن لم أكن أعرف حتى إن كنت سأستطيع المشي مرة أخرى.
لكن وسط الخوف، ظهر شيء آخر داخلي.
الغضب.
لأول مرة لم أشعر أنني تلك البنت التي تحاول دائمًا إرضاء والديها.
لم أعد أريد تفسيرًا.
لم أعد أريد اعتذارًا.
كنت أريد الحقيقة.
—
وصلت إلى المستشفى، وخضعـت للفحوصات والأشعة فورًا.
وبعد وقت طويل، دخل الطبيب إلى الغرفة.
كان وجهه جادًا.
— عندك إصابة قوية في الظهر، لكننا محتاجين فحوصات إضافية عشان نحدد مدى الضرر العصبي.
ابتلعت ريقي.
— هل سأمشي مرة أخرى؟
صمت للحظة.
— لسه بدري نحكم.
كانت تلك الجملة كافية لتحطم ما تبقى من قوتي.
لكنني لم أبكِ.
كنت قد اتخذت قرارًا.
طلبت من الممرضة هاتفي.
— فين ماما وبابا؟
— في الخارج.
نظرت إلى الشاشة.
كانت هناك عشرات المكالمات والرسائل.
بعضها من زملائي في الكلية العسكرية، يسألون لماذا لم أحضر إلى مقر التجمع.
ثم لاحظت شيئًا.
رسالة من أبي.
كانت قد أُرسلت قبل الحادث بساعتين تقريبًا.
فتحتها.
كانت الرسالة قصيرة:




