قصص وروايات

الجزء الاخير

في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل شروق الشمس.

لم أنم تقريبًا.

كان الألم في ظهري شديدًا، وساقاي ما زالتا ضعيفتين، لكن شيئًا بداخلي كان أقوى من الألم.

كنت مصممة على الذهاب إلى مراسم التعيين.

ليس لأثبت لوالدي شيئًا.

ولا لأنتقم منه.

بل لأنني أدركت أن الخوف كان السلاح الذي استخدموه ضدي طوال حياتي.

وهذه المرة لن أسمح لهم باستخدامه.

دخل العقيد سامح إلى الغرفة.

قال:

— ما زال بإمكاننا إلغاء المراسم وتأجيل كل شيء.

هززت رأسي.

— لا.

— ليان، كمال ممكن يكون موجود هناك.

— عارفة.

— وجمال أيضًا قد يحاول الوصول إليك.

نظرت إليه وقلت:

— إذًا خلّيهم يجوا.

صمت للحظة.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

— بدأت أفهم لماذا اختارك والدك.

—

وصلنا إلى مقر الاحتفال قبل الموعد بقليل.

كان المكان ممتلئًا بالضباط والجنود وأسر الخريجين.

عندما دخلت القاعة على كرسي متحرك، بدأ الهمس ينتشر.

رأيت بعض زملائي يقتربون مني.

— ليان! ماذا حدث؟

ابتسمت وقلت:

— حادث بسيط.

لم أرد أن يعرف أحد الحقيقة بعد.

كان هناك شيء آخر يجب أن يحدث أولًا.

رفعت عيني إلى المنصة.

وكان هناك اللواء كمال الراوي.

يقف مبتسمًا.

وكأن شيئًا لم يحدث.

وبجواره كان أبي.

جمال.

ارتدى بدلة رسمية، وكان يتظاهر بالحزن والقلق.

وعندما رأاني، تغير وجهه للحظة.

ثم عاد إلى ابتسامته.

اقترب مني.

— الحمد لله إنك بخير.

نظرت إليه.

— أنا بخير.

قال:

— كان ممكن يحصل لك شيء أسوأ.

أجبته:

— فعلًا.

نظر إليّ في عيني.

عرفت أنه فهم أنني أقصده.

لكنني لم أقل شيئًا آخر.

—

بدأت مراسم التعيين.

وبعد انتهاء الكلمات الرسمية، صعد اللواء كمال إلى المنصة.

أمسك الميكروفون.

— اليوم نحتفل بجيل جديد من أبناء الوطن…

كنت أستمع إليه، بينما قلبي يخفق بشدة.

ثم قال:

— ومن بين هؤلاء الضباط، لدينا نموذج مميز جدًا…

ونطق اسمي.

ليان محمود.

بدأ التصفيق.

ثم قال:

— لكن للأسف، ليان تعرضت لحادث مؤلم الليلة الماضية، ومن الأفضل أن تتوقف عن الخدمة مؤقتًا حتى تستعيد صحتها.

نظرت إليه.

كان يحاول إعلان خروجي أمام الجميع.

وبالفعل، بدأ أحد الضباط يتحرك نحوي.

لكنني رفعت يدي.

— لحظة.

ساد الصمت.

أخذت الميكروفون.

قلت:

— قبل ما يتم إيقاف تعييني، عندي شيء لازم أقوله.

بدأت الهمسات.

نظر كمال إلى أبي.

كان وجهه شاحبًا.

قلت:

— اللي حصل لي الليلة الماضية لم يكن حادثًا.

توقفت القاعة تمامًا.

ثم أضفت:

— أنا لم أسقط من السلم.

ظهر الارتباك على وجوه الجميع.

قلت:

— أبي ضربني بقضيب حديدي، وتركيني أنزف على الأرض، وبعدها اتفق مع أمي على رواية كاذبة.

بدأت الأصوات تعلو.

كمال حاول مقاطعتي.

— هذه اتهامات خطيرة وغير مسؤولة…

لكنني رفعت هاتفي.

— وعندي الدليل.

شغلت التسجيل.

امتلأت القاعة بصوت أبي:

«لو قاومت، هنخليها مش قادرة تتحرك.»

ساد صمت مرعب.

ثم شغلت تسجيلًا آخر.

كان صوت أمي.

«لو ليان عرفت الحقيقة قبل مراسم التعيين، هتروح للشرطة.»

بدأ أبي يتحرك للخروج.

لكن رجال الأمن كانوا قد أغلقوا الأبواب.

صرخ:

— دي مؤامرة!

قلت:

— لا.

ثم رفعت ملفًا.

— دي الحقيقة.

—

تقدم العقيد سامح إلى المنصة.

قال:

— بالإضافة إلى الاعتداء، لدينا أدلة على تحويلات مالية غير قانونية من أصول مملوكة للسيدة ليان محمود.

بدأت شاشة القاعة تعرض المستندات.

أرقام ضخمة.

حسابات.

توقيعات.

تحويلات.

وكان اسم أبي يظهر مرة بعد مرة.

ثم ظهر اسم كمال.

انفجر المكان بالضجيج.

تقدم أحد الضباط نحو كمال.

— سيادة اللواء، نحتاج منك تسليم هاتفك فورًا.

نظر كمال حوله.

ثم فعل شيئًا لم يتوقعه أحد.

أخرج سلاحًا.

صرخت بعض النساء.

لكن قبل أن يتمكن من رفعه، كان مروان خلفه.

أمسك يده وأسقط السلاح.

وفي ثوانٍ، كان كمال على الأرض.

تم القبض عليه.

—

أما أبي، فلم يقاوم.

ظل واقفًا ينظر إليّ.

ولأول مرة لم أرَ الرجل القوي الذي أخافني طوال طفولتي.

رأيت رجلًا خائفًا.

قال:

— ليان… أنا أبوك.

نظرت إليه.

— لا.

صمت.

قلت:

— الأب مش هو اللي يضرب بنته عشان يسرق فلوسها.

ثم أضفت:

— الأب مش هو اللي يحاول يدمر مستقبل بنته عشان يفضل مسيطر عليها.

انحنى رأسه.

وفي تلك اللحظة دخلت أمي.

كان ضابطان يرافقانها.

نظرت إليّ وبدأت تبكي.

— ليان…

لم أتحرك.

قالت:

— أنا آسفة.

سألتها:

— ليه؟

لم تعرف ماذا تقول.

ثم قالت:

— كنت خايفة.

قلت:

— وأنا كنت بنتك.

انهارت بالبكاء.

لكنني لم أشعر بالانتصار.

شعرت بالحزن.

لأنني كنت أتمنى طوال حياتي أن أسمع منها كلمة واحدة تقول إنها فخورة بي.

لكنها لم تقلها إلا بعد أن خسرت كل شيء.

اقتربت مني وقالت:

— فارس كان عايزك تعرفي الحقيقة لما تكبري.

نظرت إليها.

— وأنا عرفتها.

ثم سألت:

— لكن في حاجة واحدة لسه مش فاهمها.

رفعت عيني إليها.

— مين أمي الحقيقية فعلًا؟

تجمد وجهها.

قالت:

— ماذا تقصدين؟

أخرجت شهادة الميلاد القديمة.

— الورقة دي فيها اسمك.

ثم أخرجت نتيجة تحليل DNA.

— لكن فيه تناقض.

ساد الصمت.

نظر العقيد سامح إلى الأوراق.

ثم قال:

— ليان… التحليل ده مش بينك وبين نادية.

نظرت إليه.

— ماذا؟

قال:

— نادية ليست أمك البيولوجية.

تراجعت في صدمة.

كنت أعتقد أنني عرفت كل أسرار حياتي.

لكن الحقيقة كانت أبعد بكثير.

رفعت عيني نحو أمي.

كانت تبكي.

ثم قالت بصوت مكسور:

— أنا كنت مجرد المرأة اللي ربتك.

سألتها:

— إذًا أين أمي الحقيقية؟

أغلقت عينيها.

ثم قالت:

— ماتت…

لكنها توقفت.

وأضافت:

— أو هكذا كنا نظن.

في تلك اللحظة، فتح مروان هاتفه.

ظهرت أمامه صورة قديمة.

رفعها أمامي.

— ليان…

نظرت إلى الصورة.

كانت لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها.

وشعرت أن العالم توقف.

لأنني رأيت وجه المرأة.

كان وجهي أنا.

وتحت الصورة كان هناك تاريخ حديث نسبيًا.

وعنوان في مدينة أخرى.

قال مروان:

— لو السجل ده صحيح…

ثم نظر إليّ.

— أمك الحقيقية قد تكون على قيد الحياة.

والأغرب أنها كانت تتابعك طوال السنوات الماضية دون أن تعرفي.

نكمل من لحظة اكتشاف ليان أن والدتها الحقيقية ربما تكون على قيد الحياة:

الجزء السابع

ظللت أحدق في الصورة، غير قادرة على استيعاب ما أراه.

امرأة تحمل طفلة صغيرة بين ذراعيها.

والطفلة كانت أنا.

قلت بصوت مرتجف:

— مين الست دي؟

لم يجب مروان فورًا.

أخذ نفسًا عميقًا وقال:

— اسمها سلمى الكيلاني.

تجمدت.

— الكيلاني؟

— نعم.

— وهل هي أمي الحقيقية؟

قال:

— حسب السجلات القديمة… نعم.

نظرت إلى نادية.

كانت تبكي بصمت.

قلت:

— إنتِ كنتِ عارفة؟

هزت رأسها.

— عرفت بعد سنوات.

— إزاي؟

قالت:

— فارس طلب مني أخفي الحقيقة عنكِ.

شعرت بالغضب.

— وليه؟

— لأن أمك الحقيقية كانت في خطر.

صمتت للحظة.

ثم تابعت:

— سلمى كانت شاهدة على شيء خطير جدًا.

سألتها:

— إيه؟

نظرت إلى مروان.

هو الذي أجاب:

— كانت تعرف أن كمال الراوي متورط في شبكة فساد كبيرة.

ثم أضاف:

— وكانت تمتلك دليلًا يمكن أن يدمرهم جميعًا.

بدأت أفهم سبب كل شيء.

لم يكن المال وحده هو السبب.

كان هناك سر أقدم.

سر بدأ قبل ولادتي.

—

بعد انتهاء مراسم التعيين، نُقلت إلى مكان آمن.

لم أستطع العودة إلى منزل والدي.

لم يعد ذلك المنزل يعني لي شيئًا سوى الخوف.

في المساء، جلس العقيد سامح أمامي.

قال:

— عندنا عنوان محتمل لسلمى.

نظرت إليه بسرعة.

— فين؟

— مدينة بورسعيد.

شعرت بأن قلبي يخفق.

— إمتى نروح؟

— غدًا.

لكنني لم أستطع الانتظار.

قلت:

— الليلة.

نظر إليّ.

— ليان، أنتِ ما زلتِ مصابة.

— أمي انتظرت أربعة وعشرين سنة.

صمت.

ثم قال:

— حسنًا.

—

وصلنا إلى بورسعيد بعد منتصف الليل.

كان العنوان منزلًا صغيرًا في شارع هادئ.

وقفت أمام الباب.

كنت أرتجف.

ليس من الخوف.

بل من فكرة أنني ربما سأقابل المرأة التي حملتني وأنجبتني لأول مرة في حياتي.

طرق مروان الباب.

لا رد.

طرق مرة أخرى.

ثم سمعنا صوت امرأة من الداخل:

— مين؟

توقفت أنفاسي.

كان صوتها هادئًا.

لكنني شعرت بشيء غريب.

شيء يشبه الألفة.

قال مروان:

— سلمى… افتحي. أنا مروان.

ساد الصمت.

ثم فُتح الباب ببطء.

ظهرت امرأة في أوائل الخمسينيات.

نظرت إلى مروان.

ثم إلى سامح.

ثم وقعت عيناها عليّ.

لم تتحرك.

لم تتكلم.

فقط وضعت يدها على فمها.

اقتربت منها خطوة.

قلت:

— حضرتك سلمى؟

لم تجب.

كانت تنظر إلى وجهي.

ثم قالت بصوت يكاد لا يُسمع:

— عيني فارس.

بدأت الدموع تنزل من عينيها.

— أنتِ… ليان؟

هززت رأسي.

انفجرت بالبكاء.

احتضنتني.

تجمد جسدي في البداية.

لم أعرف كيف أتصرف.

ثم شعرت بذراعيها حولي.

كانت رائحتها مختلفة.

صوتها مختلف.

لكن حضنها كان يحمل شيئًا لم أعرف كيف أصفه.

بكيت.

لأول مرة منذ الحادث.

بكيت كما لم أبكِ طوال حياتي.

—

بعد أن هدأنا، جلست سلمى معنا.

قالت:

— كنت أبحث عنكِ طوال السنوات الماضية.

نظرت إليها.

— لماذا لم تأتي إليّ؟

أخفضت رأسها.

— لأنني كنت أعتقد أنكِ في خطر.

— من كمال؟

هزت رأسها.

— ليس كمال وحده.

ثم أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

فتحته.

في داخله صور قديمة ورسائل.

قالت:

— فارس أخبرني أن جمال ونادية سيأخذانكِ إلى مكان آمن.

قلت:

— لكنهم أخفوا عني كل شيء.

— أعرف.

ثم نظرت إليّ بحزن.

— بعد وفاة فارس، حاولت الوصول إليكِ. لكنني اكتشفت أن هناك من يراقبني.

سألتها:

— مين؟

قالت:

— رجل كنت أعتقد أنه صديق فارس.

ثم أخرجت صورة.

نظرت إليها.

كان الرجل يقف بجوار فارس في مناسبة قديمة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى