قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

حدّق الرائد مازن الكيلاني في وجهي وكأنه لم يفهم ما قلته.

ثم ضحك.

ضحكة قصيرة مليئة بالاستخفاف.

“شاراتي؟”

اقترب مني خطوة.

“أنت لا تعرف حتى مع من تتحدث.”

لم أجب.

كانت يدي لا تزال داخل جيب الزي العسكري.

لكن هذه المرة، لم أكن ألمس الشارة فقط.

كنت أضغط على زر صغير في جهاز التسجيل الموجود بجانبها.

منذ اللحظة التي دخلت فيها قاعة الطعام، كان كل شيء يتم تسجيله.

الصوت.

الصورة.

والاعتداء.

كل كلمة قالها الكيلاني أصبحت الآن جزءًا من ملف رسمي.

رفع الرائد صوته أمام الجميع:

“أنت جندي مجهول، بلا رتبة، بلا سلطة، وتعتقد أنك تستطيع تهديد ضابط أعلى منك؟”

ثم أشار إلى الباب.

“اخرج فورًا!”

ابتسمت بهدوء.

“بالتأكيد.”

ثم أخرجت يدي من جيبي.

لكن بدلًا من مغادرة القاعة، أخرجت بطاقة صغيرة مغلفة بعناية.

وضعتها على الطاولة أمامه.

تغير وجهه فورًا.

كانت البطاقة تحمل شعار وزارة الدفاع.

وتحت الشعار مباشرة كانت هناك كلمات واضحة:

مكتب المفتش العام — تفتيش سري.

اختفت ابتسامته.

حدق في البطاقة.

ثم رفع عينيه نحوي.

“ما هذا؟”

قلت بهدوء:

“هويتك الوظيفية ليست من شأني الآن.”

ثم أضفت:

“أما ما فعلته قبل دقائق، فهو من شأني تمامًا.”

لم يتحرك أحد.

حتى صوت أجهزة التهوية بدا وكأنه اختفى.

مد الكيلاني يده نحو البطاقة، لكنه لم يلمسها.

“أنت…”

توقف.

ثم ابتلع ريقه.

“أنت من مكتب المفتش العام؟”

أومأت برأسي.

“العقيد ليان مراد.”

بدأت الهمسات تنتشر بين الجنود.

بعضهم رفع رأسه لأول مرة.

وبعضهم نظر إلى الآخر وكأنه لا يستطيع تصديق ما يسمعه.

أما الرقيب حسام، فظل واقفًا في مكانه وكأنه تجمد.

نظر إليّ ثم إلى الكيلاني.

وفجأة فهم لماذا لم أتدخل عندما كان الكيلاني يصرخ في وجهي.

لم أكن أحاول الدفاع عن نفسي فقط.

كنت أجمع الأدلة.

تقدم الكيلاني نحوي ببطء.

“هذا غير ممكن.”

قلت:

“بل ممكن جدًا.”

“أين شارتك؟”

“أخفيتها.”

“ومن أعطاك الإذن؟”

نظرت إليه مباشرة.

“القيادة العليا.”

ساد صمت جديد.

ثم تغير وجهه تمامًا.

لأول مرة منذ دخلت القاعة، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.

قال بسرعة:

“إذا كان هناك سوء تفاهم، يمكننا حل الأمر داخليًا.”

“لا.”

كانت إجابتي فورية.

“لن نحل شيئًا داخليًا.”

ثم التفتُّ إلى الجنود.

“منذ ثلاثة أشهر، تصل إلى الوزارة تقارير عن هذا المعسكر.”

لم يتحرك أحد.

تابعت:

“تقارير عن عقوبات غير قانونية.”

“عن تهديد الجنود بحرمانهم من الإجازات إذا رفضوا دفع أموال.”

“عن إجبار بعضهم على شراء معدات من أشخاص محددين.”

“وعن ضباط يستخدمون سلطتهم لإذلال الجنود أمام زملائهم.”

كان عمر ينظر إليّ بعينين متسعتين.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى