قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير هنا بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير

الضابط المسؤول عن النوبة فضل واقف مكانه لثواني، وكأنه مش قادر يستوعب المشهد اللي قدامه.

وبعدين اعتدل في وقفته بسرعة، وضرب التحية العسكرية، وقال بصوت واضح مليان احترام:

«سيادة اللواء، أنا آسف جدًا! ما كنتش أتخيل إن حضرتك موجودة هنا بالشكل ده!»

الكلمات نزلت على الغرفة زي الصاعقة.

العريف محمود اتسمر مكانه، ووشه اتغير تمامًا، وكأنه فجأة بدأ يفهم حجم المصيبة اللي وقع فيها.

أما كريم، ففضل باصص للضابط، وبعدها بصلي، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة متوترة وقال:

«استنى بس يا فندم… أكيد فيه سوء تفاهم. دي أختي، وأنا أعرفها كويس. هي طول عمرها بتحكي حكايات عن الجيش، ويمكن حضرتك اتلخبطت في شخص تاني!»

الضابط لف ناحيته ببطء.

«إنت بتقول إيه؟»

كريم حاول يحافظ على ابتسامته.

«بقول لحضرتك إن أختي مش لواء. إحنا عيلة واحدة، وأنا عارفها من وهي صغيرة. هي بتحب تبالغ في الكلام عن شغلها، و…»

قاطعه الضابط بنبرة حاسمة:

«كفاية كلام!»

الصمت نزل على الغرفة.

وبعدين التفت الضابط للعريف محمود وسأله:

«مين اللي أصدر أمر باحتجاز سيادة اللواء؟»

العريف بلع ريقه بصعوبة، ورد بصوت متقطع:

«أنا يا فندم… البطاقة ما ظهرتش على النظام، وهي قالت إنها جاية تستلم القيادة، وأنا اعتقدت إن…»

«اعتقدت إيه؟»

العريف سكت.

الضابط قرب منه خطوة وقال:

«هل راجعت أوامر التكليف اللي قدمتها لك؟»

«أيوه يا فندم.»

«هل اتصلت بمكتب القيادة أو مكتب المراسم للتأكد من هويتها؟»

«لأ يا فندم.»

«هل طلبت مساعدة ضابط أعلى منك قبل ما تحتجزها؟»

العريف نزل عينيه للأرض.

«لأ يا فندم.»

الضابط أخد نفسًا عميقًا، وبعدين قال:

«يعني بدل ما تتحقق من بياناتها بالطريقة الصحيحة، قررت من نفسك إنها بتكدب، واحتجزتها من غير ما تستنفد إجراءات التحقق؟»

العريف ما ردش.

أما كريم، فكان واقف في مكانه، وملامحه بدأت تتغير بشكل واضح.

لأول مرة من سنين، ما كانش عنده تعليق ساخر يقوله.

الضابط قرب من باب الزنزانة، وطلب من أحد أفراد الحراسة فتحه فورًا.

أول ما الباب اتفتح، وقف قدامي وضرب التحية العسكرية مرة تانية.

«سيادة اللواء، أتقدم لحضرتك باعتذاري عن اللي حصل. كان المفروض يتم التأكد من هويتك قبل اتخاذ أي إجراء.»

قمت من على المقعد بهدوء، وعدلت جاكيتي، وبصيت له وقلت:

«شكرًا يا فندم. أنا مقدرة إن فيه إجراءات أمنية لازم تتنفذ، ومش معترضة على إن أي شخص يتأكد من هويتي. لكن اللي حصل هنا كان ممكن يتجنب بسهولة لو تم اتباع الإجراءات بشكل سليم.»

هز رأسه باحترام.

«عندك حق يا فندم.»

وبعدين بصيت ناحية العريف محمود.

كان واقف متوتر، وإيديه متشابكة قدام جسمه، ووشه شاحب.

ما حسيتش بالانتصار اللي كريم كان متوقع إني أبحث عنه.

ما كنتش عايزة أشوف حد بيتذل، ولا كنت محتاجة أرفع صوتي عشان أثبت سلطتي.

أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس: إن الناس تتعامل مع الحقائق قبل ما تصدر أحكامها.

قلت للضابط:

«عايزة تقرير كامل عن اللي حصل، ويتراجع وفق اللوائح. مش عايزة حد يتعاقب لمجرد إنه أخطأ، لكن عايزة نعرف ليه الإجراءات ما اتنفذتش، وإزاي نضمن إن ده ما يتكررش مع أي شخص تاني.»

رد فورًا:

«أوامرك يا فندم.»

لكن قبل ما نخرج من الغرفة، سمعت صوت كريم من ورايا.

«يعني إنتِ فعلًا لواء؟»

لفيت ناحيته.

كان السؤال بسيطًا، لكنه خرج منه وكأنه بيسأل عن حقيقة اكتشفها لأول مرة في حياته.

بصيت له وقلت:

«أيوه يا كريم. أنا فعلًا لواء. وكنت جاية النهارده عشان أستلم قيادة القاعدة دي.»

هز رأسه ببطء، وبعدها قال:

«بس ليه ما قولتيليش إن الموضوع رسمي بالشكل ده؟»

ضحكت ضحكة صغيرة من غير أي فرحة.

«أنا قلت لك يا كريم. بعت لك دعوة مراسم الاستلام، وقلت لك إن دي أكبر ترقية في مسيرتي العسكرية. إنت اللي فضلت تقول إني ببالغ، وإن الموضوع كله مجرد استعراض.»

حاول يقاطعني، لكني كملت:

«أنا حتى جبتك معايا النهارده عشان كنت أتمنى إنك تشوف بنفسك. كنت فاكرة إن اللحظة دي ممكن تغير نظرتك ليا.»

كريم بص للأرض.

للمرة الأولى، ما كانش بيضحك.

وما كانش عنده أي جملة جاهزة يقلل بيها من كلامي.

خرجت من غرفة الاحتجاز، والضابط ماشي جنبي، بينما كريم لحق بينا بخطوات سريعة.

وبمجرد ما وصلنا للممر الرئيسي، بدأ أفراد من القاعدة يلاحظوا وجودنا. بعضهم وقف وأدى التحية العسكرية، وآخرون كانوا بيتابعوا الموقف باهتمام.

كنت أعرف إن الخبر هينتشر بسرعة، لكن ده ما كانش أهم شيء بالنسبة لي.

الأهم كان إن اليوم اللي كنت أتمنى فيه إن أخويا يفتخر بيا، تحول فجأة إلى اختبار حقيقي لعلاقتنا.

وبينما كنا بنتحرك ناحية مبنى القيادة، كريم قرب مني وقال بصوت واطي:

«أنا ما كنتش أعرف إنك وصلتي لكل ده.»

وقفت وبصيت له.

«المشكلة يا كريم مش إنك ما كنتش تعرف. المشكلة إنك ما حاولتش تعرف أصلًا.»

الكلمات دي خلته يسكت تمامًا.

وبعد لحظات، وصلنا إلى مكتب القيادة، وهناك كان فيه عدد من كبار الضباط مستنيين وصولي.

أول ما دخلت، وقفوا جميعًا وأدوا التحية العسكرية.

تقدّم مني العميد المسؤول عن إجراءات التسليم وقال:

«أهلًا بحضرتك يا سيادة اللواء. كنا مستنيين وصولك من الصبح. حصل تأخير عند البوابة، ولما عرفنا التفاصيل، بعتنا الضابط المسؤول فورًا.»

صافحته وقلت:

«المهم إننا وصلنا. خلينا نبدأ إجراءات استلام القيادة.»

وبالفعل، بدأت المراسم.

خلال الاجتماع، استعرض الضباط حالة القاعدة، وخطط التدريب، وجاهزية الوحدات، والتحديات اللي كانت محتاجة قرارات عاجلة.

كنت بتابع كل تفصيلة بعناية، وأسأل عن النقاط المهمة، وأطلب توضيحات لما تكون الأرقام مش متوافقة مع التقارير.

كريم كان قاعد في آخر القاعة، ساكت تمامًا.

كان بيشوف بعينه حاجة عمره ما حاول يشوفها قبل كده: إن شغلي ما كانش مجرد رتبة على كتفي، ولا حكايات بحكيها للعيلة في المناسبات.

كان سنين من الدراسة والتدريب والمسؤولية، وقرارات لازم تتحمل نتائجها، وأشخاص بيعتمدوا على قدرتي إني أتصرف صح وقت الأزمات.

وبعد انتهاء الاجتماع، طلبت من الضباط يسيبوني دقائق قليلة مع أخويا.

خرج الجميع، وفضلنا لوحدنا.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى