
الجزء الثاني والاخير
مجدي وقف قدام المحامي حازم، وحاول يستعيد هدوءه، لكن نبرة صوته كانت بتفضح توتره.
قال بعصبية:
«أنا مش فاهم إيه المسرحية دي! إحنا عايشين في البيت ده من سنتين بموافقة نور، ومحدش يقدر يطلعنا منه كده بسهولة».
المحامي ما اتعصبش، وفتح الملف اللي في إيده، ورد بهدوء:
«محدش هنا بيتكلم عن إخراج أي حد بالقوة يا أستاذ مجدي. إحنا موجودين عشان نراجع الوضع القانوني للعقار، ونوثق حالة البيت، ونحدد الإجراءات الرسمية المناسبة».
وبعدين طلع صورة من عقد الملكية وحطها قدام مجدي.
«العقار مسجل باسم الأستاذة نور، ومفيش عقد إيجار مقدم لحد دلوقتي. لو عندك أي مستندات بتثبت حقك في الإقامة أو أي اتفاق مكتوب، تقدر تقدمه للمراجعة».
مجدي بص للورقة، وبعدها رفع عينيه ناحية سالي، وكأنه مستني منها تتدخل وتنقذه من الموقف.
لكن سالي كانت مشغولة بحاجة تانية.
كانت بتبص لي بغضب، وقالت:
«إنتِ إزاي تعملي فينا كده؟ إحنا أختك وجوز أختك! يعني بدل ما تفرحي إننا حافظنا على البيت، جاية تهددينا بالمحامين؟»
بصيت لها باستغراب.
«حافظتوا على البيت؟ ده أنا لقيت ماما بتنضف الأرض على ركبتها، وإنتِ قاعدة جوه مستريحة! هو ده عندك اسمه الحفاظ على البيت؟»
ردت بسرعة:
«ماما هي اللي كانت بتعمل كده بمزاجها! محدش أجبرها على حاجة».
في اللحظة دي، حسيت إن أختي بتحاول تنكر حتى أبسط حقيقة شفتها بعيني.
قلت لها:
«طيب، لو ماما كانت بتعمل كل ده بمزاجها، ليه كانت خايفة تقول لي الحقيقة؟ وليه كانت فاكرة إني هطردها من بيتها لو اشتكت؟»
سالي سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«إنتِ مكبرة الموضوع أوي يا نور».
كنت على وشك أرد، لكن المحامي أشار لي إني أسيب الكلام ياخد مجراه.
طلب من الموجودين توثيق حالة العقار، وبعدها بدأ يسأل مجدي عن ترتيبات الإقامة، ومصاريف البيت، والمسؤول عن إدارة الحسابات اللي كانت أمي بتستخدمها.
وهنا حصل أول شيء غريب.
لما المحامي سأل عن الفلوس اللي كنت ببعتها لماما كل شهر، مجدي رد بسرعة غير طبيعية:
«الفلوس دي كانت بتتصرف كلها على البيت».
بصيت له مباشرة.
«كلها؟»
قال بثقة مصطنعة:
«أيوه، أكل وشرب وفواتير وصيانة ومصاريف كتير. إنتِ مش عايشة هنا عشان تعرفي الأسعار».
قلت له:
«أنا كنت ببعت الفلوس دي عشان أمي تعيش مرتاحة، مش عشان تمول حياتكم».
اتدخلت سالي وقالت:
«وإحنا كمان عندنا مصاريف! وبعدين إحنا كنا بنساعد ماما في كل حاجة».
المحامي رفع عينيه من الملف، وقال:
«مفيش مشكلة. لو فيه مصاريف اتدفعت نيابة عن المالكة أو بموافقتها، ممكن مراجعة المستندات وتوضيح كل شيء. لكن الأفضل إننا نعتمد على سجلات واضحة بدل ما ندخل في اتهامات من غير دليل».
كلامه خلاني أهدأ شوية.
أنا ماكنتش عايزة أتهم حد من غير إثبات، لكن كان لازم أعرف فلوسي راحت فين، خصوصًا بعد اللي شفته بعيني.
فجأة، خرجت واحدة من الضيوف من الصالة، وكانت ست في أواخر الخمسينات، شكلها مرتب وواضح إنها تعرف سالي كويس.
بصت لي، وبعدها بصت لأمي اللي ما كانتش موجودة في البيت، وسألت:
«هو في إيه يا سالي؟ وإيه حكاية إن والدة نور كانت بتنضف الجنينة بنفسها؟»
سالي اتوترت جدًا.
«مفيش حاجة يا مدام هالة، مجرد خلاف عائلي بسيط».
لكن الست ما اقتنعتش.
قالت:
«أنا بصراحة استغربت من فترة لما جيت هنا ولقيت والدتك بتقدم لنا الأكل لوحدها، وإنتِ ومجدي قاعدين. كنت فاكرة إن ده ترتيب مؤقت».
حسيت إن كلامها بيكشف إن اللي شفته النهارده مش موقف عابر، وإن فيه ناس تانية لاحظت اللي بيحصل.
سالي قربت منها وهمست بعصبية:
«يا ريت يا مدام هالة ما تدخليش نفسك في الموضوع».
لكن هالة ردت بهدوء:
«أنا مش بتدخل، أنا بس بقول اللي شفته».
وبعدها اعتذرت للمحامي، وأخدت شنطتها، ومشيت مع باقي الضيوف اللي بدأوا يحسوا إن وجودهم في الحفلة بقى محرج.
في أقل من عشر دقايق، الصالة اللي كانت مليانة ضحك وكلام، بقت شبه فاضية.
مجدي كان واقف في منتصف المكان، ووشه متغير تمامًا.
بص لي وقال بصوت منخفض:
«مبسوطة كده؟ فضحتينا قدام الناس كلها».
رديت عليه:
«أنا ما فضحتش حد. أنا رجعت لقيت أمي بتتعامل بطريقة ما تليقش بيها، وقررت أحميها».
قال بعصبية:
«إنتِ فاكرة نفسك أحسن مننا عشان شغالة في دبي وبتبعتي فلوس؟»
هزيت رأسي.
«لأ يا مجدي. أنا مش أحسن من حد. لكن الفلوس اللي بعتها كانت عشان أمي، والبيت اللي اشتريته كان عشان أمي، واللي مش هسمح بيه هو إن حد يستغل غيابي عشان يتحكم فيها».
المحامي أنهى كلامه مع الموجودين، وبعدها طلب من مجدي وسالي تقديم أي مستندات متعلقة بإقامتهم أو بالمصاريف اللي بيتكلموا عنها، على أن تتم مراجعتها ضمن الإجراءات المناسبة.
وأكد لهم إن أي تغيير في وضع الإقامة أو تسليم العقار لازم يتم وفق القانون، مش بالمشاجرات أو التهديد.
قبل ما أمشي، التفت ناحية أختي وقلت:
«أنا مش جاية أنتقم منك يا سالي. أنا كنت أتمنى ألاقي ماما مبسوطة، وألاقيكي واقفة جنبها. لكن من النهارده، مفيش حد هيتصرف في فلوسها أو قراراتها من غير موافقتها الواضحة».
مجدي ما ردش.
أما سالي، ففضلت واقفة عند باب الصالة، بتبص لي وكأنها لسه مش مصدقة إن الموضوع وصل للنقطة دي.
خرجت من البيت، ورجعت الفندق عند أمي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني هناك.
لما دخلت الأوضة، لقيت أمي قاعدة على السرير، وقدامها شنطة صغيرة قديمة كانت محتفظة بيها من سنين.
أول ما شافتني، قالت:
«نور، أنا لازم أقول لك حاجة قبل ما الموضوع يكبر أكتر».
قعدت جنبها، ومسكِت إيديها.
«قولي يا ماما، أنا سامعاكي».
فتحت الشنطة ببطء، وطلعت منها مجموعة أوراق قديمة، وكشوف حساب مطبوعة، ودفتر صغير كانت بتسجل فيه مصاريفها.
قالت بصوت متردد:
«أنا كنت بحاول أفهم الفلوس اللي بتبعتيها بتروح فين. في البداية، سالي قالت لي إنها بتدفع الفواتير، وإن مجدي بيتولى المصاريف. لكن بعد فترة، لما احتجت فلوس عشان أشتري دواء، طلبت منها مبلغ بسيط من الفلوس اللي كنتِ بتبعتيها».
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«قالت لي إن الحساب مفيهوش فلوس كفاية، وإن المصاريف زادت. استغربت، لأنك كنتِ بتحولي مبلغ كبير كل شهر».
بصيت للأوراق اللي في إيدها.
«طيب، إيه اللي حصل بعد كده؟»
أمي أخدت نفسًا طويلًا.
«في يوم، كنت براجع ورقة من البنك، ولقيت تحويلات ومصاريف مش فاهمة سببها. لما سألت سالي، اتعصبت وقالت لي إني كبرت وبقيت بنسى، وإن الأفضل أسيب لهم إدارة الفلوس عشان ما أتعبش نفسي».
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
«ومع ذلك، احتفظتي بالأوراق دي؟»
هزت رأسها.
«أيوه. أنا ماكنتش عايزة أظلم حد، لكن كنت حاسة إن فيه حاجة مش مفهومة. احتفظت بيها يمكن في يوم أقدر أعرف الحقيقة».
خدت الأوراق منها، وبدأت أبص عليها.
كان فيه تواريخ، وأرقام، وتحويلات مالية متكررة، لكن من غير مراجعة كاملة ماكنتش أقدر أعرف إذا كانت مصاريف طبيعية، أو تحويلات بموافقتها، أو عمليات محتاجة تفسير.
ومع ذلك، كان واضح إن الموضوع يستحق الفحص.
بصيت لأمي وقلت:
«يا ماما، إنتِ عملتي الصح إنك احتفظتي بالأوراق. لكن من هنا ورايح، مش هتشيلي هم أي حاجة لوحدك. هنراجع كل شيء بهدوء، ومن غير ما نظلم حد».
دموعها نزلت تاني.
«أنا بس خايفة تكون أختك عملت حاجة غلط، وتخسريها للأبد».
حضنتها وقلت:
«أنا مش عايزة أخسر أختي، لكن كمان مش هسمح إن خوفي من الخلاف يخليني أسيبك تتأذي».
في الليلة دي، صورت المستندات وبعتها للمحامي حازم، وطلبت منه يراجعها مع كشوف التحويلات اللي عنده.
وبعد ما اطمنينا على أمي، ساعدتها تاخد علاجها وتستريح.
كنت فاكرة إن أصعب جزء في الموضوع انتهى، لكن تاني يوم الصبح، جالي اتصال من المحامي.
صوته كان جاد جدًا.
قال لي:
«يا نور، أنا راجعت جزء من المستندات اللي بعتيها، وفيه اختلافات محتاجة تفسير بين بعض المبالغ اللي كنتِ بتحوليها، والمصاريف اللي اتسجلت باسم والدتك».
سألته بقلق:
«يعني إيه؟»
رد:
«مش هقدر أقول إن فيه مخالفة قبل ما نراجع التفاصيل كاملة، لكن فيه تحويلات لازم نفهم سببها، وخصوصًا بعض المبالغ اللي خرجت من الحساب في أوقات ما ظهرش فيها مصروف واضح يقابلها».
سكت لحظة، وبعدها أضاف:
«وفيه نقطة تانية. أختك وجوزها تواصلوا معايا، وطلبوا اجتماع عاجل. واضح إن عندهم مستندات عايزين يقدموها».
قلبي انقبض.
سألته:
«مستندات إيه؟»
رد:




