قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

الجزء الثاني للاخير مدّ اللواء فؤاد الظرف ناحيتي. إيدي كانت بتترعش وأنا باخده منه. بصيت لأمي مرة تانية. كانت واقفة مكانها، لكن ملامحها ما كانتش زي الأول. الغضب اختفى. وحل مكانه خوف واضح. خوف حقيقي. وده لوحده خلاني أحس إن اللي جوه الظرف أكبر بكتير من مجرد كلمات وداع من أب لبنته. اللواء فؤاد قال:

 

«أبوك طلب مني ما أديكيش الجواب ده إلا في اليوم ده، وبعد ما تتجمع العيلة وأهل البلد.»

بصيت له باستغراب.

«ليه؟»

سكت لحظات.

وبعدين قال:

«لأن حسن كان عارف إنك لو عرفتي الحقيقة قبل النهارده، ممكن تحاولي تدافعي عن نفسك… لكن هو كان عايز الحقيقة هي اللي تتكلم.»

فتحت الظرف.

كان جواه عدد من الأوراق.

فوقهم ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط أبويا:

«ليلى… لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود، والوقت جه إنك تعرفي كل حاجة.»

حبست نفسي.

وكملت القراءة.

«أول حاجة لازم تعرفيها… إن غيابك عن جنازتي ما كانش ذنبك.»

دموعي نزلت من غير ما أحس.

رفعت عيني ناحية أمي.

كانت بتبص للأرض.

رجعت للجواب.

«أنا عارف إن أمك قالت للناس إنك رفضتي ترجعي، وإن شغلك خلاكي تنسي عيلتك.»

إيدي تجمدت.

الناس بدأت تتحرك في أماكنها.

واحد من أقاربنا سأل بصوت منخفض:

«هو كان عارف؟»

اللواء فؤاد رد:

«كان عارف كل حاجة.»

كملت القراءة.

«ليلى، قبل وفاتي بشهرين، عرفت إنك اتعرضتي لإصابة خطيرة أثناء مهمتك. عرفت إنك في المستشفى، وإن حالتك كانت حرجة.»

اتنفضت.

أنا نفسي ما كنتش عارفة إن بابا عرف وقتها.

كنت فاكرة إن خبر إصابتي وصل له متأخر.

لكن الجواب كان بيقول العكس.

«طلبت من أمك إنها تقول ليكي إنني عرفت، لكنها رفضت.»

رفعت رأسي بسرعة.

وبصيت لأمي.

«إنتِ… كنتِ عارفة؟»

ما ردتش.

قلت بصوت أعلى:

«إنتِ كنتِ عارفة إني في المستشفى؟»

وشها اصفر.

أختي مريم حطت إيدها على بوقها.

«ماما… إنتِ كنتِ عارفة؟»

أمي قالت:

«الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.»

اللواء فؤاد تدخل:

«سيبيها تكمل قراءة جواب أبوها.»

سكتت.

رجعت للورق.

لكن السطر التالي خلاني أتجمد.

«أمك لم تمنع خبر إصابتك عني فقط… هي منعت خبر إصابتك عن العيلة كلها.»

رفعت عيني.

الهمسات بدأت تعلى.

واحدة من قريباتنا قالت:

«يعني إحنا كنا فاكرين إن ليلى ما رجعتش عشان مش عايزة؟»

اللواء فؤاد قال:

«وده بالضبط اللي حصل.»

أمي انفجرت:

«أنا كنت بحاول أحمي العيلة!»

كل الناس سكتت.

بصيت لها.

«تحمينا من إيه؟»

ما ردتش.

قلت:

«ليه قلتي للناس إني ما اهتمتش ببابا؟»

قالت بعصبية:

«لأنك فعلًا ما كنتيش موجودة!»

رديت:

«كنت فاقدة الوعي!»

سكتت.

ولأول مرة، ما كانش عندها رد.

رجعت للجواب.

«ليلى، لو أمك قالت لك إنني غضبت منك قبل وفاتي، فلا تصدقيها.»

شهقت.

أنا فاكرة كويس آخر مكالمة بيني وبين بابا قبل المهمة.

فاكرة صوته.

وفاكرة إنه قال لي:

«خلي بالك من نفسك يا بنتي.»

لكن أمي كانت قالت لي بعد كده إن بابا كان زعلان مني.

وإنه شايفني اخترت الشغل عليه.

وإنه كان مستني مني أرجع وأعتذر.

كل السنين دي…

كنت عايشة وأنا شايلة ذنب ما كانش ذنبي.

لكن الجواب كان لسه بيكشف أكتر.

«أنا كنت فخور بيكي.»

الجملة دي كسرتني.

نزلت دموعي بغزارة.

«كنت فخور بيكي من أول يوم لبستي فيه الزي، ومهما قالت أمك، عمري ما اعتبرت خدمتك لبلدك تخليًا عن عيلتك.»

اللواء فؤاد بص للناس.

وقال:

«حسن كان بيتكلم عن ليلى بفخر طول الوقت.»

مريم بدأت تبكي.

وقالت:

«ماما… ليه عملتي كده؟»

أمي لم تجب.

لكن أبويا كان لسه مخبي المفاجأة الأكبر.

قلبت الورقة.

في آخر الصفحة كان فيه سطر واحد:

«لكن يا ليلى… موضوع غيابك عن جنازتي مش هو أخطر حاجة أخفتها أمك عنك.»

توقفت عن التنفس للحظة.

رفعت عيني ناحية اللواء فؤاد.

هو كان عارف.

واضح جدًا إنه كان عارف.

سألته:

«إيه أخطر حاجة؟»

نظر إلى أمي.

ثم قال:

«الورقة اللي بعدها.»

فتحت الصفحة التالية.

وفي أولها كان مكتوب:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى