قصص وروايات

الجزء الاول

التكملة الجزء الثاني
بعد خمس دقايق بالضبط من خروج مريم من المبنى، كان كريم لسه واقف في قاعة الاجتماعات، بيضحك مع أمه وأخوه، وبيتكلم عن خططه الجديدة وكأن حياته أخيرًا بقت ملكه.

قال وهو بيظبط ساعته الدهب:

— أخيرًا هقدر أعيش بالطريقة اللي أنا عايزها. لا مشاكل، ولا مسؤوليات زيادة، ولا حد يقعد يحاسبني على كل جنيه بصرفه.

نادية ابتسمت برضا.

— كنت عارفة إنك هتاخد القرار الصح في النهاية. الست دي عمرها ما كانت مناسبة ليك. دلوقتي بقى عندك فرصة تبدأ من جديد مع داليا، خصوصًا إن الطفل اللي جاي هيكون امتداد حقيقي لاسم العيلة.

شريف ضحك وقال:

— أنا مستني اليوم اللي نشوف فيه ابن أخويا الصغير. ساعتها هنحتفل احتفال يليق بعيلة المنشاوي.

لكن قبل ما كريم يرد، موبايله رن.

ظهر على الشاشة اسم مديره المالي، حسام فوزي.

كريم رد وهو لسه مبتسم.

— أيوه يا حسام، خير؟ أنا خارج من اجتماع مهم، ولو الموضوع يقدر يستنى لبكرة يبقى أفضل.

جاله صوت حسام متوترًا على غير عادته.

— أستاذ كريم، لازم تيجي الشركة فورًا.

كريم عقد حاجبيه.

— في إيه؟

— البنك جمّد التسهيلات الائتمانية، والتحويلات اللي كانت المفروض تدخل النهارده اتوقفت. وفي إخطار وصل للإدارة القانونية بخصوص عقد المقر الرئيسي.

كريم ضحك باستخفاف.

— إنت بتتكلم عن إيه؟ التسهيلات دي متجددة من شهور، وعقد المقر فاضله سنتين. مين اللي بيهزر معاك؟

— محدش بيهزر يا فندم. فيه خطاب رسمي بيقول إن الجهة المالكة للمبنى أرسلت إخطارًا بعدم تجديد التعاقد، وإن أي تعديلات أو التزامات جديدة على العقار لازم تتوقف لحين مراجعة الملكية والإدارة.

ابتسامة كريم بدأت تختفي.

— الجهة المالكة اسمها إيه؟

حسام سكت ثانيتين، وبعدها قال:

— شركة الشافعي لإدارة الأصول.

كريم اتجمد مكانه.

الاسم ده كان يعرفه كويس. مجموعة الشافعي كانت من أكبر الجهات الاستثمارية اللي بتدير عقارات ومشروعات في مصر، وكانت شركته واحدة من الشركات اللي بتتعامل مع شركات تابعة للمجموعة.

لكن إيه علاقة اسم المجموعة بعقد المقر؟

قال بعصبية:

— اتصل بالمحامي فورًا. أنا جاي.

قفل المكالمة، وبص لأمه.

— فيه مشكلة بسيطة في الشركة، وهحلها.

نادية حاولت تطمنه:

— أكيد موظف غلط في ورق. متخليش حاجة تافهة تبوظ علينا يوم مهم زي ده.

لكن موبايله رن مرة تانية قبل ما يقدر يرد.

المرة دي كان المتصل ماهر عبد السلام، رئيس مجلس إدارة الشركة اللي كريم بيشتغل فيها.

كريم رد بسرعة.

— أستاذ ماهر، أنا كنت لسه هتصل بحضرتك…

قاطعه ماهر بصوت بارد:

— إنت فين يا كريم؟

— خارج من اجتماع الطلاق. في مشكلة مالية بسيطة، وحسام بلغني بيها، وأنا في طريقي للشركة.

— مشكلتك أكبر بكتير من اللي حسام قاله.

كريم حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة.

— تقصد إيه؟

— وصلنا إخطار من المالك الفعلي للمقر، ومعاه مراجعة قانونية للعقود المرتبطة بشركتنا. فيه كمان طلب رسمي بمراجعة كل التسهيلات اللي حصلت عليها شركتنا خلال آخر خمس سنين.

— ومين صاحب الطلب ده؟

جاله الرد اللي ما كانش مستعد يسمعه.

— مجموعة الشافعي. وتحديدًا مكتب إدارة الأصول التابع لمجلس الأمناء.

كريم بلع ريقه بصعوبة.

— بس إحنا عندنا عقود قانونية!

— محدش قال إن العقود مش قانونية. لكن واضح إنك بنيت حساباتك على افتراضات غلط. وعلى فكرة، مجلس الإدارة عايزك تحضر اجتماع طارئ خلال ساعة.

قفل ماهر الخط من غير ما يستنى رد.

كريم فضل باصص للموبايل، وشه بدأ يتغير.

شريف قرب منه.

— في إيه يا كريم؟ شكلك اتغير فجأة.

كريم حاول يتمالك نفسه.

— مفيش. مجرد إجراءات روتينية.

لكن نادية لاحظت إن إيده بترتعش.

— إنت مخبي عني حاجة؟

قبل ما يرد، وصلته رسالة جديدة من الإدارة القانونية للشركة.

فتحها، وقرأ أول سطرين، وبعدها حس إن الأرض بتتحرك من تحته.

كان فيه إشعار بمراجعة عقد إيجار الفيلا اللي ساكن فيها، وعقود العربيات المسجلة باسم شركته، بالإضافة إلى إخطار متعلق بالاستراحة الموجودة على البحيرة.

كل العقود دي كانت مرتبطة بشركات مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها كان واحدًا:

مجموعة الشافعي.

كريم رفع عينيه ببطء.

افتكر كلام مريم قبل ما تدخل المصعد:

«كل حاجة بتتبني على دعم مش من حقها، بييجي يوم وترجع لصاحبها الحقيقي».

لأول مرة من سنين، حس إن الجملة دي ما كانتش مجرد محاولة منها إنها تحفظ كرامتها.

كانت تحذيرًا.

—

في الوقت نفسه، وعلى بُعد عدة كيلومترات، كانت مريم قاعدة في المقعد الخلفي لعربية سوداء فاخرة، وليلى جنبها، وآدم نايم وهو حاضن لعبته الصغيرة.

الأستاذة نهى كانت قاعدة في المقعد المقابل، فاتحة الملف الأسود اللي خرجت بيه من مبنى المحكمة.

بصت لمريم وقالت:

— تحبي أبلغ الإدارة تبدأ تنفيذ الإجراءات النهارده، ولا نستنى لحد ما هو يتواصل معانا؟

مريم بصت من الشباك للحظات.

كانت شوارع الإسكندرية بتعدي قدامها، والبحر بيظهر ويختفي بين المباني.

قالت بهدوء:

— الإجراءات القانونية اللي تخص أملاكي تتنفذ في مواعيدها، من غير أي تجاوز. لكن مش عايزة حد يستخدم الموضوع علشان يهينه أو يضر الموظفين اللي مالهمش ذنب.

نهى هزت راسها.

— مفهوم. لكن لازم تعرفي إن المراجعة المالية هتكشف حاجات كتير.

مريم التفتت لها.

— زي إيه؟

نهى فتحت صفحة داخل الملف.

— خلال آخر أربع سنين، شركة كريم حصلت على تسهيلات ومزايا تجارية بسبب عقود مع شركات تابعة لمجموعتكم. العقود دي كانت بتتم بموافقة إدارات مختلفة، لكن بعضها اتراجع دلوقتي بسبب تغيير شروط التشغيل والتزامات الصيانة.

مريم تنهدت.

— أنا كنت فاكرة إن المساعدة دي هتخليه يقف على رجله، مش إنه يعتبرها حق مكتسب.

— فيه حاجة تانية، قالت نهى.

رفعت ورقة، وأشارت إلى بعض الأرقام.

— قبل ستة شهور، كريم حاول يدخل في مشروع عقاري كبير باستخدام ضمانات مرتبطة بعقد إيجار الفيلا والاستراحة. الصفقة ما اكتملتش، لكن المستندات اللي قدمها محتاجة مراجعة دقيقة. فيه فرق بين إنه يستفيد من عقد قانوني، وبين إنه يقدم حق استخدام عقار على إنه أصل مملوك لشركته.

مريم سكتت.

ما كانتش عايزة تنتقم من كريم، لكنها كمان ما كانتش مستعدة تسمح له إنه يخلط بين ممتلكاتها وممتلكاته، خصوصًا بعد ما اختار ينهي زواجه منها بالطريقة دي.

قالت:

— خلي المراجعة مستقلة. لو فيه خطأ، يتحدد مين المسؤول عنه. ولو مفيش مخالفة، محدش يتهمه بحاجة مش ثابتة.

نهى ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— عشان كده كنت عارفة إنك هتفضلي إنتِ زي ما إنتِ، مهما حصل.

مريم ما ردتش.

في اللحظة دي، ليلى رفعت وشها وبصت لأمها.

— ماما، هو إحنا هنرجع البيت تاني؟

مريم مسكت إيد بنتها.

— أنهي بيت يا حبيبتي؟

— البيت الكبير اللي كنا عايشين فيه مع بابا.

مريم اتوجع قلبها من السؤال.

— البيت مش مجرد حيطان يا ليلى. البيت هو المكان اللي بتحسي فيه بالأمان، والناس اللي بتحبك من غير ما تطلب منك تكوني حد تاني.

ليلى فضلت ساكتة شوية، وبعدها سألت:

— يعني إحنا مش هنشوف بابا تاني؟

مريم ما حبتش تكذب عليها.

— هتشوفيه، يا حبيبتي، حسب الترتيبات اللي هنتفق عليها. هو لسه باباكي، وطلاقه مني مش معناه إنك فقدتي حقك في إنك تحبيه.

ليلى حضنت أمها، وبدأت تعيط بصوت خافت.

مريم ضمتها لصدرها، بينما آدم كان لسه نايم، مش عارف إن حياته اتغيرت في يوم واحد.

ورغم كل اللي كريم عمله، مريم ما كانتش عايزة ولادها يكبروا وهما شايلين كراهية في قلوبهم.

كانت عايزاهم يتعلموا إن احترام النفس مش معناه إنك تنتقم، وإن التسامح مش معناه إنك تسمح لحد يستغلك مرة تانية.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى