قصص وروايات

الجزء الاول

بعد أقل من ساعة، وصل كريم لمقر شركته.

دخل المبنى بسرعة، وموظفو الاستقبال لاحظوا توتره غير المعتاد.

في الدور الأخير، كان ماهر عبد السلام ومعاه المستشار القانوني ومدير الحسابات قاعدين في غرفة الاجتماعات.

أول ما دخل كريم، ماهر أشار له يقعد.

— هنبدأ من غير مقدمات. فيه مراجعة شاملة للعقود، وفيه قرار بتعليق بعض التوسعات الجديدة لحين انتهاء المراجعة.

كريم حط موبايله على الترابيزة.

— أنا مش فاهم ليه كل ده بيحصل مرة واحدة. إحنا شركة محترمة، وعندنا التزامات مع موردين وموظفين.

المستشار القانوني رد:

— وعلشان كده لازم كل حاجة تكون واضحة. وجود التزامات على الشركة مش معناه إن أي عقد يفضل قائمًا إلى الأبد، ولا إن أي تسهيلات ممكن تتحول لحقوق دائمة من غير مراجعة شروطها.

كريم اتنرفز.

— طيب، إيه علاقة مريم بالموضوع؟

الكل سكت.

ماهر بص له باستغراب.

— مريم مين؟

كريم حس إنه قال حاجة ما كانش المفروض يقولها.

— أقصد… هل فيه حد من عيلة الشافعي له علاقة بالمراجعة؟

المستشار القانوني قلب ورقة قدامه.

— اللي أقدر أقوله إن رئيسة مجلس الأمناء لمجموعة الشافعي طلبت مراجعة بعض العقود المرتبطة بأصول المجموعة، وإن كل إجراء هيتم طبقًا للقانون.

كريم قرب بجسمه للأمام.

— ومين رئيسة مجلس الأمناء؟

المستشار بص له مباشرة.

— الأستاذة مريم الشافعي.

الصمت اللي نزل على الغرفة كان أثقل من أي كلام.

كريم فتح بقه، لكنه ما عرفش ينطق.

مريم الشافعي؟

مراته السابقة؟

الست اللي كان بيقول للناس إنها مجرد موظفة سابقة في متحف، وإنها ما تعرفش حاجة عن البيزنس؟

حاول يضحك، لكن ضحكته خرجت متقطعة.

— أكيد فيه تشابه أسماء. مريم مراتي السابقة ما عندهاش أي علاقة بالإدارة.

ماهر فتح ملفًا قدامه، وطلع منه صورة رسمية.

— دي مش مسألة تشابه أسماء يا كريم. دي صورة من قرار تعيينها رئيسة لمجلس الأمناء، وده توقيعها المعتمد على محاضر المجلس.

كريم أخد الورقة من إيده.

فضل يبص للتوقيع.

كان نفس التوقيع اللي شافه على أوراق الطلاق قبل ساعات.

في اللحظة دي، افتكر إنها كانت قاعدة قدامه بهدوء، بينما هو بيتكلم عن مستقبله الجديد، وبيقلل منها، وبيحاول يقنعها إنها مش هتقدر تعيش من غيره.

لكنه ما كانش يعرف إنه كان بيتكلم مع الشخص اللي يملك سلطة مراجعة العقود اللي ساعدته يبني عليها جزءًا كبيرًا من حياته.

ماهر قفل الملف وقال:

— الاجتماع انتهى بالنسبة لك مؤقتًا. هتستلم خطابًا رسميًا بخصوص وضعك الإداري لحين انتهاء المراجعة.

كريم وقف فجأة.

— إنتوا بتوقفوني عن شغلي بسبب خلاف شخصي بيني وبين مراتي؟

المستشار رد بحزم:

— مفيش قرار اتاخد بسبب خلاف شخصي. فيه مراجعة مؤسسية، ونتيجتها هي اللي هتحدد الإجراءات. وأي ادعاء بوجود تضارب مصالح لازم يتفحص بالأدلة، مش بالتخمين.

خرج كريم من الغرفة وهو حاسس إن كل حاجة حواليه بتنهار.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياه.

لما وصل للمصعد، لقى رسالة من نادية:

«كريم، اتصل بيا فورًا. فيه ناس من إدارة العقارات كلموني بخصوص الفيلا، وبيقولوا إن عقد الإقامة مش باسمك أصلًا!»

وقف قدام باب المصعد.

قرأ الرسالة مرة واتنين.

وبعدين اتصل بأمه.

ردت نادية بصوت مضطرب:

— إنت فين؟ فيه محامي اتصل وقال إن لازم نراجع أوراق الفيلا، وإن الجهة المالكة طلبت تحديد الوضع القانوني للإقامة.

كريم صرخ:

— إنتِ بتقولي إيه؟ الفيلا بتاعتي!

نادية ردت بسرعة:

— أنا ما أعرفش! كل اللي أعرفه إنهم بيقولوا إن الملكية باسم شركة تابعة لمجموعة الشافعي، وإن عقد إقامتك مش معناه إنك مالك العقار.

كريم حس إن نفسه بدأ يضيق.

الفيلا اللي كان بيستقبل فيها رجال الأعمال، واللي كان بيتفاخر بيها قدام أصدقائه، ما كانتش باسمه.

والاستراحة اللي كان بيخطط يروحها مع داليا، ما كانتش ملكه.

وحتى العربيات اللي كان بيعتبرها جزءًا من ثروته، بعضها كان تابعًا لعقود استخدام وتأجير من خلال شركاته.

كل ده كان موجودًا في أوراق قانونية، لكنه ما اهتمش يومًا إنه يفهم تفاصيلها.

كان مقتنعًا إن مجرد وجوده في الأماكن دي معناه إنها ملكه.

وفجأة، افتكر آخر حاجة مريم قالتها له قبل ما المصعد يقفل:

«قبل ما النهارده يخلص، هتفهم كل حاجة».

لأول مرة، بدأ يشك إن مريم كانت عارفة بالضبط إيه اللي هيحصل.

مسك موبايله واتصل بيها.

الرنة الأولى انتهت.

الرنة التانية انتهت.

في المرة التالتة، ردت مريم.

جاله صوتها هاديًا، كأنها كانت متوقعة اتصاله.

— أيوه يا كريم؟

حاول يتكلم بنبرة حاسمة، لكن صوته خانه.

— مريم، إيه اللي إنتِ عملتيه؟

سكتت لحظة، وبعدها قالت:

— أنا؟ أنا عملت إيه؟

— متعمليش نفسك مش فاهمة! الشركة، الفيلا، العقود… إيه علاقتك بكل ده؟

مريم بصت لولادها، اللي كانوا قاعدين قدامها في شقة هادية مجهزة لاستقبالهم.

وبعدين قالت:

— كل اللي له علاقة بيا هيتعامل معاه القانون. أما اللي إنت فاكره ملكك، فالأفضل إنك تراجع أوراقه قبل ما تتهم حد.

كريم اتنفس بعصبية.

— إنتِ كان لازم تقوليلي إنك صاحبة المجموعة دي!

مريم ضحكت ضحكة قصيرة، خالية من أي فرحة.

— كنت هقولك إمتى يا كريم؟ لما كنت بتطلب مني أساعدك في شغلك؟ ولا لما كنت بتقول للناس إن نجاحك كله بسبب ذكائك؟ ولا لما كنت بتعاملني كأني عبء عليك؟

كريم سكت.

لأول مرة، ما لاقاش رد جاهز.

مريم كملت:

— أنا ما خبيتش الحقيقة علشان أضحك عليك. أنا كنت عايزة أعرف إذا كنت هتحبني وتحترمني من غير ما تفكر في فلوسي أو اسم عيلتي. كنت عايزة جوازنا يبقى بين اتنين، مش بين شخص وثروته.

— بس أنا جوزك!

مريم ردت بهدوء:

— كنت جوزي. وإنت اللي وقّعت النهارده على نهاية العلاقة دي من غير حتى ما تقرأ الورق.

كريم حس إن الجملة وجعته أكتر من أي اتهام.

حاول يغيّر نبرة صوته.

— طيب، خلينا نتكلم بهدوء. إحنا عندنا طفلين، ومش معقول نسيب الأمور توصل لكده.

مريم بصت ناحية ليلى وآدم.

— أنا موافقة نتكلم عن كل ما يخص الأطفال، وعن حقوقهم، وعن أي التزامات قانونية بينا. لكن لو إنت بتتكلم عن أملاك مش ملكك، أو امتيازات كنت بتستفيد منها من خلال شركات عيلتي، فدي مسألة تانية.

كريم قال بسرعة:

— أنا مش عايز أخسر كل حاجة.

مريم سكتت للحظات.

وبعدين قالت الجملة اللي خلت قلبه يقع:

— المشكلة يا كريم إنك طول عمرك كنت فاكر إن كل حاجة حواليك ملكك، حتى الناس اللي بتحبك.

وقبل ما يقفل الخط، سمع صوت شريف بيناديه من بعيد.

كان أخوه واقف عند مدخل الشركة، ماسك ظرفًا رسميًا، ووشه شاحب.

كريم سأله:

— إيه ده؟

شريف بص للظرف، وبعدها بص لأخوه.

— ده وصل من المحامي. فيه إخطار بخصوص الاستراحة على البحيرة، وفيه كمان مستندات تخص صفقة قديمة إنت وقّعت عليها.

كريم فتح الظرف بسرعة.

قرأ أول صفحة.

وبعدين الصفحة التانية.

وفي الصفحة التالتة، اتغير لون وشه تمامًا.

المستندات ما كانتش بتتكلم عن ملكية العقارات بس.

كانت بتتكلم عن ضمانات مالية قدمتها شركته في صفقة كبيرة، ضمانات لازم تتراجع دلوقتي بعد اكتشاف إن بعض الأصول المستخدمة في التفاوض لم تكن مملوكة للشركة بالطريقة اللي اتعرضت بيها.

ما كانش فيه دليل حتى اللحظة على ارتكاب جريمة، لكن المراجعة القانونية كانت ممكن تكشف مسؤوليات أكبر بكتير مما تخيل.

كريم رفع عينيه لشريف.

— مين اللي فتح الملف ده؟

شريف رد بصوت منخفض:

— مريم.

كريم رجع يبص للأوراق.

وفي اللحظة دي، فهم إن الطلاق اللي كان فاكره أسهل صفقة في حياته، ممكن يكون بداية أصعب مرحلة مر بيها.

لكن اللي ما كانش يعرفه إن مريم نفسها كانت لسه ما اكتشفتش أخطر سر في الأوراق دي… سر له علاقة بتوقيعه، وبمبلغ مالي ضخم، وبقرار اتخد من وراها قبل الطلاق بشهور.

والسؤال اللي كان هيغيّر كل حاجة:

هل كريم كان مجرد راجل مغرور استغل ثقة مراته، ولا كان مخبي عنها حاجة أكبر بكتير؟
كريم كان واقف في ممر الشركة، ماسك الأوراق بإيد بتترعش، ومش قادر يستوعب اللي بيقراه.

كل صفحة كانت بتكشف له إن المشكلة أكبر بكتير من مجرد فيلا أو عربية أو استراحة على البحيرة.

الصفقة اللي أخوه شريف جاب أوراقها كانت واحدة من أكبر الصفقات اللي شركته دخلتها خلال السنة اللي فاتت. مشروع عقاري ضخم على أطراف القاهرة الجديدة، وكان المفروض إنه يحقق أرباحًا تقدر بعشرات الملايين.

كريم كان بيحكي لكل الناس إن المشروع ده هو اللي هيحوّله من رجل أعمال ناجح إلى واحد من أهم المستثمرين في السوق.

لكن الأوراق اللي قدامه كانت بتقول إن الضمانات المستخدمة في الصفقة محتاجة مراجعة، وإن فيه مستندات مرتبطة بأصول مش مملوكة للشركة بالشكل اللي اتقدم للممولين.

رفع عينيه ناحية شريف وسأله:

— إنت جبت الأوراق دي منين؟

شريف بلع ريقه وقال:

— المحامي بعتها لمكتب الشركة، وطلب إنك تستلم نسخة بنفسك.

— مين المحامي؟

— الأستاذ حسام الديب.

كريم اتجمد مكانه.

حسام الديب كان المستشار القانوني اللي استعان بيه قبل ستة شهور، لما قرر يدخل الصفقة الجديدة.

وقتها، كريم كان محتاج تمويل إضافي علشان يقدر يكمل المشروع، والبنوك كانت طالبة ضمانات أقوى.

كان فيه حل واحد قدامه: يقدم مستندات تثبت إن شركته عندها حق استخدام مجموعة من العقارات التجارية والاستثمارية لفترة طويلة.

لكن كريم كان عارف إن العقارات دي مش ملك شركته.

بعضها كان مستأجرًا من شركات تابعة لمجموعة الشافعي، وبعضها كان تحت إدارة شركات تانية، بعقود بتسمح باستخدامها بشروط محددة.

ومع ذلك، كان مقتنعًا إن محدش هيدقق في التفاصيل.

قال لنفسه وقتها إن الصفقة هتنجح، وإن الأرباح هتغطي كل الالتزامات، وإنه هيقدر يعدّل وضع المستندات بعدين.

لكن دلوقتي، كل حاجة بدأت ترجع له كأنها مشهد قديم كان بيحاول ينساه.

شريف قرب منه وسأله:

— كريم، إنت كنت عارف إن فيه مشكلة في الضمانات دي؟

كريم رفع صوته:

— إنت بتتهمني بإيه؟

شريف رجع خطوة لورا.

— أنا مش بتهمك بحاجة. أنا أخوك، وكل اللي عايزه أفهمه هو اللي بيحصل.

كريم بص حواليه، واتأكد إن محدش واقف قريب منهم.

وبعدين قال بصوت منخفض:

— اسمع يا شريف، الملف ده ما يخرجش بره الشركة. مفهوم؟

شريف هز راسه ببطء.

— ولو فيه حاجة غلط، لازم تتصلح.

كريم مسك الأوراق بعصبية.

— أنا عارف أنا بعمل إيه.

لكنه، للمرة الأولى في حياته، ما كانش واثق من الجملة دي.

—

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى