
### الجزء الثاني
فضلت واقفة قدام الباب، مش قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس بشكل طبيعي.
صوت آدم كان واضح من جوه، وكنت سامعاه بيتكلم مع حد تاني.
قال بصوت مليان تعب:
«أنا مش عايزها تعرف بالطريقة دي… نورا مش هتستحمل».
رد عليه صوت راجل تاني:
«بس إنت مش من حقك تقرر عنها يا آدم. دي مراتك، ومن حقها تعرف كل حاجة».
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
بصيت لمحمود وقلت له:
«إنتوا بتتكلموا عن إيه؟ هو جوزي مخبي عني إيه؟»
محمود نزل عينيه وقال:
«أنا آسف يا نورا… والله حاولت أقنعه يقولك بنفسه، لكنه كان مصمم يأجل الموضوع كل يوم».
مديت إيدي ناحية مقبض الباب، لكن محمود وقفني.
«استني شوية، أرجوكي».
صرخت فيه:
«أستنى إيه؟ أنا مراته! بقالي 11 سنة عايشة معاه، وبربي بنته، ومن حقي أعرف هو بيحصله إيه!»
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.
ظهر آدم قدامي.
كان لابس بالطو العمليات، وشكله مختلف تمامًا عن آخر مرة شوفته فيها. وشه شاحب، وعينيه غائرة، ولحيته زادت بشكل ملحوظ.
أول ما شافني، اتسمر مكانه.
وبص لكيس الأكل اللي في إيدي، وبعدها بص لوشي.
قال بصوت ضعيف:
«نورا… إنتِ بتعملي إيه هنا؟»
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع وقلت:
«جايبة لك الغدا يا حبيبي. قلت يمكن تكون نسيت إن عندك بيت ومرات وبنت مستنيينك».
ما ردش.
قربت منه وسألته:
«إيه اللي بيحصل يا آدم؟ وليه كل الناس هنا بتبص لي كأني آخر واحدة تعرف الحقيقة؟»
حاول يمسك إيدي، لكني رجعتها بسرعة.
«ما تلمسنيش قبل ما تفهمني».
محمود طلب مني أدخل، وقال إن فيه حاجات لازم أعرفها.
دخلت الغرفة وأنا حاسة إن قلبي بيتكسر مع كل خطوة.
كان فيه دكتور كبير قاعد ورا المكتب، وقدامه ملف طبي سميك.
عرف نفسه إنه الدكتور شريف، رئيس القسم الطبي.
بص لي باهتمام وقال:
«أستاذة نورا، إحنا مقدرين إن الموقف صعب، لكن لازم تعرفي إن جوز حضرتك مر بفترة صحية ونفسية شديدة الصعوبة».
بصيت لآدم.
«صحية؟ يعني إيه؟ إنت تعبان؟»
آدم قعد على الكرسي وحط إيديه على وشه.
الدكتور شريف فتح الملف وبدأ يتكلم:
«من حوالي 11 شهر، الدكتور آدم تعرض لوعكة صحية شديدة أثناء وجوده في المستشفى. في البداية افتكرنا إنها مجرد حالة إرهاق بسبب ضغط الشغل، لكنه بعد الفحوصات اكتشفنا إن فيه مشكلة خطيرة محتاجة متابعة وعلاج مستمر».
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
«مشكلة إيه؟»
الدكتور سكت لحظة، وبعدين قال:
«آدم عنده مشكلة في القلب، وحالته محتاجة تدخل علاجي ومتابعة دقيقة».
بصيت لجوزي بصدمة.
«قلبك؟! وإنت مخبي عليا كل ده؟»
آدم رفع عينيه، وكانت مليانة دموع.
«كنت خايف يا نورا».
«خايف من إيه؟ من إني أقف جنبك؟ من إني أساعدك؟ إحنا متجوزين بقالنا 11 سنة!»
قال بصوت مبحوح:
«كنت شايفك شايلة مسؤوليات كتير، وكنت خايف أحملك فوق طاقتك».
انفجرت في البكاء.
«فقررت تسيبني أعيش 11 شهر وأنا فاكرة إنك مش طايق تقعد معايا؟ كنت فاكرة إنك بتبعد عني بمزاجك! كنت كل ليلة بجهز لك العشا وأستناك، وإنت كنت بتواجه كل ده لوحدك؟»
آدم ما قدرش يرد.
مديت إيدي للملف، لكن الدكتور شريف قفله بهدوء وقال:
«فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا أستاذة نورا. جوزك كان رافض ياخد إجازة طويلة، وفضل يشتغل رغم إننا نصحناه أكتر من مرة يقلل المجهود».
بصيت لآدم بغضب وخوف.
«يعني إنت كنت بتخاطر بنفسك كل يوم؟»
رد محمود:
«آدم كان بييجي المستشفى حتى في الأيام اللي كان المفروض يرتاح فيها. وكان بيحاول يخفي تعبه عن الكل».
فجأة افتكرت كل اللي حصل خلال الشهور اللي فاتت.
ليالي رجع فيها البيت وهدومه مبلولة بالعرق.
مرات كان يدخل الحمام ويقفل الباب فترة طويلة.
المكالمات اللي كان بيرفض يرد عليها قدامي.
والليالي اللي كنت بصحى فيها ألاقيه قاعد لوحده في الصالة.
كل حاجة بدأت تاخد معنى مختلف.
قربت من آدم وقلت:
«طب ليه كنت بتعيط بالليل؟»
غمض عينيه وقال:
«عشان كنت بفكر في ليلى… كنت خايف ما أشوفهاش وهي بتكبر. وخايف أسيبك لوحدك».
الجملة دي كسرتني تمامًا.
قعدت جنبه ومسكت إيده.
«إنت فاكر إنك لما تخبي عني خوفك كده بتحميني؟ إنت كده حرمتني من إني أكون جنبك».
آدم انفجر في البكاء، وحط إيده على إيدي.
«أنا آسف يا نورا».
لكن قبل ما أقدر أرد، الدكتور شريف فتح درج مكتبه وطلع ظرف بني كبير.
حطه قدامي وقال:
«فيه سبب تاني خلانا نطلب حضورك النهارده. والموضوع ده تحديدًا الدكتور آدم كان رافض نتكلم فيه معاكِ».
بصيت للظرف باستغراب.
«إيه ده؟»
الدكتور شريف رد:
«دي نتائج الفحوصات الأخيرة، ومعاها تقرير من مركز متخصص. إحنا وصلنا لمرحلة لازم فيها ناخد قرار مهم جدًا خلال الأيام الجاية».
آدم قام من مكانه بسرعة وقال:
«دكتور شريف، أرجوك مش دلوقتي».
لكن الدكتور بص له بحزم:
«كفاية يا آدم. نورا لازم تعرف، خصوصًا إن القرار الجاي ممكن يغير حياتكم أنتم الاتنين».
فتحت الظرف بإيدين بيرتعشوا.
أول ورقة كانت تقرير طبي، وتحتها خطاب رسمي من مركز متخصص في أمراض القلب.
لكن آخر ورقة هي اللي خلتني أحط إيدي على بقي من الصدمة.
كان مكتوب فيها إن آدم محتاج إجراء علاجي كبير، وإن نجاحه مرتبط بسرعة اتخاذ القرار.
رفعت عيني وسألته:
«يعني إيه؟ إنت محتاج عملية؟»
آدم بص لي طويلًا، وبعدها قال:
«فيه احتمال إن حياتي كلها تتغير يا نورا… ومش عارف إذا كنت هقدر أرجع أشتغل زي الأول».
مسكت إيده بقوة وقلت:
«أنا مش فارق معايا ترجع تشتغل ولا لأ. أنا عايزاك ترجع البيت وتعيش معانا».
لكن الدكتور شريف قال جملة تانية خلتني أكتشف إن الحكاية لسه فيها مفاجآت أكبر:
«قبل ما نبدأ أي خطوة، فيه شخص تاني لازم نتواصل معاه… شخص وجوده ممكن يغير فرص العلاج بشكل كبير».
بصيت له باستغراب.
«مين الشخص ده؟»
آدم نزل عينيه، ووشه اتغير تمامًا.
وبعد صمت طويل، قال:
«أخويا… اللي أنا بقالي 15 سنة ما شفتوش».
يتبع في الجزء الثالث… 👇
### الجزء الثالث والأخير
فضلت باصة لآدم وأنا مش قادرة أستوعب آخر جملة قالها.
«أخوك؟! إنت عندك أخ ومشفتوش من 15 سنة؟»
آدم هز راسه ببطء.
«أيوه يا نورا… اسمه يوسف. إحنا اتفرقنا من سنين بسبب خلاف كبير بيني وبينه، ومن وقتها كل واحد فينا عاش حياته بعيد عن التاني».
سألته وأنا بحاول أفهم:
«وإيه علاقة أخوك بحالتك الصحية؟»
الدكتور شريف هو اللي رد:
«بعض الإجراءات العلاجية اللي محتاجها آدم بتتطلب وجود متبرع مناسب. ونتائج الفحوصات الأولية بتقول إن الأقارب من الدرجة الأولى ممكن يكونوا ضمن الأشخاص اللي نبدأ بفحصهم، لكن التوافق مش مضمون، ولازم يتم تقييم كل شخص بشكل مستقل».
بصيت لآدم وقلت:
«يعني إنت محتاج أخوك يساعدك؟»
رد بصوت مكسور:
«أنا مش عايز أطلب منه حاجة يا نورا. إحنا اتخانقنا بطريقة صعبة، وأنا كنت السبب في حاجات كتير حصلت بينا».
سألته:
«وإنت شايل كل ده لوحدك ليه؟ ليه ما حاولتش تصلح اللي بينكم؟»
سكت شوية، وبعدها بدأ يحكي.
قبل 15 سنة، كان آدم ويوسف قريبين جدًا من بعض. كانوا أخوات وأصحاب، وكل واحد فيهم بيعتبر التاني سند ليه.
لكن بعد وفاة والدهم، حصل خلاف كبير بسبب الميراث ومسؤولية رعاية والدتهم المريضة.
آدم كان شايف إنه لازم يبيع جزء من ممتلكات العيلة عشان يوفر مصاريف العلاج، بينما يوسف كان رافض التفريط في أي حاجة تخص والدهم.
الكلام زاد، والاتهامات دخلت بينهم، وفي لحظة غضب قال آدم كلام جارح لأخوه.
يوسف سافر للقاهرة، وقطع علاقته بالعيلة.
وبعد فترة قصيرة، توفت والدتهم، وكل واحد منهم فضل شايل في قلبه وجع التاني.
آدم قال وهو بيمسح دموعه:




