
في اللحظة دي، قررت إني مش هرد على سعاد، ومش هضيع وقتي في خناقة بالتليفون.
قفلت المكالمة، وقعدت أفكر في كل كلمة قالتها.
إزاي أمي توعد رنا ببيت مش ملكها؟ وإزاي سعاد بتتكلم بثقة كأن الموضوع انتهى بالفعل؟
اتصلت بصاحبتي نهى وحكيت لها اللي حصل.
سكتت شوية، وبعدها قالت:
— منى، أنا مش عايزة أخوفك، بس لازم تراجعي أوراق البيت بنفسك. واضح إن الموضوع مش مجرد طمع عادي.
في نفس اليوم، رجعت البيت وفتحت الدرج اللي بحفظ فيه مستندات الملكية والعقود والإيصالات.
فضلت أراجع ورقة ورا ورقة لحد ما لقيت حاجة غريبة.
كان فيه صورة لمستند بعنوان «إقرار تنازل عن حق الانتفاع بالعقار».
والأغرب إن المستند عليه توقيعي!
لكن أنا عمري ما وقعت على ورقة بالشكل ده.
قعدت أبص للتوقيع وأنا مش قادرة أصدق.
كان شبه توقيعي فعلًا، لكن فيه اختلاف بسيط في آخر حرف.
اتصلت بالمحامي اللي تابع معايا إجراءات شراء البيت من ست سنين، وطلبت منه يقابلني بشكل عاجل.
لما شاف الورقة، فضل ساكت شوية، وبعدها سألني:
— حضرتك أمضيتي المستند ده إمتى؟
قلت له:
— أنا أول مرة أشوفه في حياتي.
رفع عينيه وبص لي بجدية.
— يبقى لازم نعرف الورقة دي اتقدمت فين، ومين استخدمها، وهل تم تسجيل أي إجراء بناءً عليها.
سألته:
— يعني ممكن حد يكون حاول ينقل ملكية البيت من غير علمي؟
رد بحذر:
— مش هقدر أأكد قبل ما نراجع السجلات الرسمية، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. المستند ده معمول بطريقة تخلي أي حد يعتقد إنه صحيح من أول نظرة.
خرجت من عنده وأنا حاسة إن حياتي كلها بتتكشف قدامي من جديد.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه مستنياني.
بعد يومين، اتصلت بيا سعاد وقالت إنها عايزة تقابلني في البيت.
وصلت ومعاها أمي ورنا.
دخلوا وكأنهم أصحاب المكان، وقعدت أمي على الكنبة وقالت:
— يا منى، إحنا مش جايين نتخانق. إحنا عايزين نحل الموضوع بالعقل.
سألتها:
— أي موضوع يا أمي؟ موضوع إنك وعدتي رنا ببيت مش بتاعك؟
ردت سعاد بسرعة:
— ما هو البيت ده المفروض يفضل في العيلة، وإحنا مش غرباء عن بعض.
قلت لها:
— البيت ملكي، وأنا اللي بدفع أقساطه ومصاريفه، وإنتِ قاعدة فيه بإيجار أقل من أي إيجار في المنطقة.
رنا تدخلت وقالت:
— بس جدتي قالت لي إن خالي أحمد كان عايز البيت ده يبقى لينا كلنا.
اتجمدت مكاني.
قلت لها:
— إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
ردت وهي بتبص لأمها:
— ماما قالت لي إن بابا أحمد كان سايب ورق يثبت إن البيت ده حق العيلة.
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
أحمد؟
جوزي كان متوفي قبل ما أشتري البيت ده أصلًا!
إزاي يكون سايب ورق يخص ملكية عقار اشتريته بعد وفاته؟
بصيت لسعاد وقلت:
— أنا عايزة أعرف إنتوا بتتكلموا عن إيه بالضبط.
أمي حاولت تغير الموضوع وقالت:
— يا بنتي، خلينا في المهم. رنا محتاجة مكان تعيش فيه، وإنتِ عندك شقتك ومرتبك كويس.
ضحكت بسخرية وقلت:
— يعني علشان أنا تعبت واشتغلت واشتريت حاجة، يبقى من حق أي حد في العيلة ياخدها؟
أمي اتغيرت ملامحها وقالت:
— إنتِ اتغيرتي يا منى.
رديت عليها:
— لا يا أمي، أنا بس بدأت أفهم.
بعد ما مشيوا، دخلت أوضتي واتصلت بالمحامي.
حكيت له عن الكلام اللي قالته رنا بخصوص أحمد.
طلب مني أراجع كل الأوراق القديمة اللي تخص زوجي، خصوصًا المستندات اللي كانت معايا بعد وفاته.
فتحت صندوق خشبي صغير كنت محتفظة فيه بحاجاته.
كان فيه ساعته القديمة، وبعض الصور، وشهادة الوفاة، وأوراق التأمين.
وبين الأوراق لقيت ظرف بني قديم مكتوب عليه بخط أحمد:
«منى… لو حصل لي حاجة، افتحي الظرف ده».
إيدي بدأت ترتعش.
أنا كنت شفت الظرف ده قبل كده، لكن ماقدرتش أفتحه وقتها من شدة حزني.
قعدت على السرير وفتحته ببطء.
كان جواه خطاب قصير، وصورة لمستند بنكي، وورقة فيها رقم حساب.
بدأت أقرأ الخطاب.
«منى حبيبتي…
عارف إنك هتكوني قوية علشان ليلى، وعارف إنك هتعملي كل اللي تقدري عليه علشان تحميها.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
أنا اكتشفت إن سعاد بتطلب مني فلوس من وراكي، وبتقول لي إنها محتاجة مساعدة مؤقتة.
في البداية كنت بساعدها، لكن بعد فترة اكتشفت إن جزء من الفلوس مش بيروح للأسباب اللي بتقولها.
أنا مش عايز أظلم حد، لكن لو حصل لي أي حاجة، أتمنى تراجعي الحسابات كويس.
فيه مبلغ مالي اتحول لحساب مشترك، وأنا احتفظت بصورة من التحويلات.
خلي بالك من نفسك ومن ليلى.
بحبكم».
حطيت الخطاب على رجلي، وبدأت دموعي تنزل.
أحمد كان عارف إن فيه حاجة غلط، لكنه ماحبش يواجهني وهو لسه موجود.
مسكت الورقة البنكية وراجعت رقم الحساب.
كان حسابًا مشتركًا بين أحمد وشخص تاني.
لكن الاسم المكتوب في الورقة خلاني أفقد القدرة على الكلام.
الاسم كان اسم أمي… أمينة عبد الرحمن!
وفي أسفل المستند كان فيه تاريخ تحويل مبلغ مالي كبير، قبل وفاة أحمد بأيام قليلة.
ساعتها فهمت إن الحكاية مش مجرد بيت أو عربية.
كان فيه سر مالي قديم، وأمي كانت طرف فيه.
اتصلت بالمحامي وطلبت منه يحدد لي موعد مع البنك لمراجعة المستندات والتحويلات.
وفي اليوم التالي، رحت البنك ومعايا الخطاب والورقة القديمة.
بعد مراجعة البيانات والإجراءات الرسمية، الموظف طلب مني الانتظار، وبعد شوية رجع ومعاه مدير الفرع.
المدير بص للأوراق وقال:
— حضرتك عندك مستند قديم بخصوص حساب مشترك، لكن لازم نراجع الملف الأصلي ونتأكد من تفاصيل العمليات.
سألته:
— هل فيه حساب تاني اتفتح باسمي؟
بدأ يراجع البيانات، وبعد دقائق رفع عينيه وقال:
— فيه حساب مرتبط ببياناتك، لكن محتاجين نتحقق من مستندات فتحه.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
قلت له:
— أنا ما فتحتش أي حساب غير حسابي الشخصي.
طلب مني أقدم إثبات الهوية، وبعد مراجعة البيانات قال:
— هنقدر نساعد حضرتك في طلب كشف رسمي، لكن لازم الإجراءات القانونية تكتمل.
خرجت من البنك وأنا متأكدة إن فيه حاجة كبيرة بتحصل من ورايا.
لكن قبل ما أوصل البيت، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول:
— أستاذة منى، أنا محاسب سابق لجوز حضرتك، وكنت مستني اللحظة المناسبة علشان أتواصل معاكي.
سألته بقلق:
— حضرتك عايز إيه؟
قال بصوت منخفض:
— فيه مستندات تخص المرحوم أحمد، ولو عرفتي اللي فيها، هتفهمي ليه والدتك وأختك مستعجلين جدًا على موضوع البيت.
سكت لحظة، وبعدها قال جملة خلت إيدي تتجمد على الموبايل:
— جوز حضرتك ماكانش سايب فلوس وبس يا أستاذة منى… ده كان مكتشف إن فيه حد من أقرب الناس ليه بيحوّل مبالغ من حسابه من غير إذنه.
وقبل ما أسأله عن اسم الشخص، قال:
— بس لازم أقابلك لوحدك، لأن الشخص ده لحد النهارده فاكر إن كل الأدلة اختفت.
يتبع…
فضلت واقفة مكاني بعد المكالمة، ومش قادرة أستوعب اللي سمعته.
مين الشخص اللي كان بيحوّل فلوس من حساب أحمد؟ وليه أمي وسعاد مستعجلين على البيت بالشكل ده؟
رجعت البيت، وقررت ما أقولش لأي حد عن المكالمة.
اتصلت بالمحاسب وحددنا ميعاد في مكان عام بعيد عن المنطقة اللي ساكنة فيها عيلتي.
في اليوم التالي، وصلت قبل الميعاد بعشر دقايق.
كان راجل في أواخر الخمسينات، اسمه عادل، وشكله متعب، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شافني، وقف وسلم عليا وقال:
— البقاء لله يا أستاذة منى. أنا عارف إن الوقت اتأخر، لكن كان لازم أوصل لك الحقيقة.
قعدنا، وبدأ يطلع أوراق من الشنطة.
قال:
— أنا اشتغلت مع جوز حضرتك أكتر من عشر سنين، وكان راجل منظم جدًا في حساباته. عمره ما كان بيسيب معاملة مالية من غير مستند.
سألته:
— طيب إيه اللي حصل؟
فتح ملف وطلع منه صور تحويلات بنكية.
— قبل وفاة أحمد بحوالي سنة، بدأ يلاحظ مبالغ بتخرج من حسابه بشكل متكرر. في البداية افتكر إنها أخطاء محاسبية، لكن لما راجع التفاصيل اكتشف إن فيه تحويلات بتتم لحساب مرتبط بوالدتك.
حسيت بصدمة كبيرة.
قلت:
— أمي كانت بتاخد فلوس من جوزي؟
رد عادل:
— الموضوع مش بالبساطة دي. أحمد كان بيساعد والدتك فعلًا، لكن المشكلة إن فيه تحويلات تانية اتعملت من غير موافقته.
سألته:
— وسعاد؟
بص لي للحظات، وبعدها قال:
— أختك كانت بتستلم جزء من المبالغ.
حطيت إيدي على وشي.
كنت طول عمري فاكرة إن أحمد كان بيساعد أمي وسعاد من باب الواجب، لكن ماكنتش أعرف إن فيه فلوس بتخرج من حسابه من غير علمه.
عادل كمل كلامه:
— أحمد اكتشف الموضوع قبل وفاته بشهرين تقريبًا، وطلب مني أجمع كل المستندات. وكان ناوي يواجههم، لكنه اتوفى قبل ما يعمل كده.
سألته:
— طب ليه ماكلمتنيش من وقتها؟
تنهد وقال:
— لأن أحمد طلب مني ما أتكلمش إلا لما أتأكد إن المستندات الأصلية في مكان آمن. وبعد وفاته، حصلت تغييرات في الشركة، وكنت خايف أدخل في مشكلة من غير دليل كافي.
وبعدين طلع ورقة تانية.
— فيه حاجة أهم من التحويلات دي.
كانت صورة لعقد بيع وشراء عقار.
أول ما شفت العنوان، قلبي وقع.
كان عنوان البيت اللي سعاد ساكنة فيه!
سألته:
— إيه علاقة البيت بالموضوع؟
قال:
— أحمد كان عارف إنك بتساعدي أختك، لكنه كان قلقان إنها تستغل طيبتك. علشان كده طلب مني أراجع بعض المستندات المتعلقة بالبيت.
وبعدها أشار إلى توقيع موجود أسفل الورقة.
— المستند ده اتعمل بعد وفاة أحمد، وبيظهر إن فيه تنازل عن بعض الحقوق المتعلقة بالعقار.
قلت بسرعة:
— وده توقيعي المزور اللي لقيته!
هز رأسه.
— غالبًا، لكن لازم خبير مختص يفحص المستند الأصلي علشان نثبت ده رسميًا.
سألته:
— طيب إيه اللي يخليهم يعملوا كده؟
فتح آخر ملف في الشنطة وقال:
— لأن فيه حاجة تانية حصلت من سنين، وممكن تكون هي السبب الحقيقي وراء كل اللي بيحصل دلوقتي.
طلع صورة لإيصال تحويل مالي قديم.
كان المبلغ كبيرًا جدًا، والتاريخ بعد وفاة أحمد بأيام قليلة.
لكن الاسم اللي ظهر في خانة المستفيد ماكانش اسم أمي ولا سعاد.
كان اسم رنا!
بنت أختي نفسها.
قلت بصدمة:
— رنا؟! إزاي؟ دي كانت لسه صغيرة وقتها!
رد عادل:
— الحساب اتفتح باسمها، لكن الإجراءات لازم تتراجع علشان نعرف مين اللي فتحه ومين كان بيتصرف فيه.
سألته:
— وإيه مصدر الفلوس؟
قال:
— جزء منها كان من حساب أحمد، وجزء تاني من مبلغ تأمين كان مستحق ليكي بعد وفاته.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
تأمين أحمد كان من المفروض يساعدني أربي ليلى وأوفر لها مستقبل آمن.
لكن إزاي جزء منه وصل لحساب باسم رنا؟
سألته:
— هل عندك دليل إن أمي وسعاد كانوا مسؤولين عن ده؟
رد:
— عندي مستندات وتحويلات، لكن الأدلة دي لازم تتقدم بالطريقة القانونية الصحيحة. ومش عايزك تواجهي حد قبل ما المحامي يراجع كل حاجة.
رجعت البيت وأنا مش قادرة أصدق إن الناس اللي كنت بساعدهم طول السنين دي ممكن يكونوا أخفوا عني كل ده.
وفي نفس الليلة، قررت أعمل حاجة واحدة.
اتصلت بسعاد وقلت لها إني موافقة نقعد كلنا ونتكلم عن موضوع البيت.
فرحت جدًا وقالت:
— أخيرًا يا منى! كنت عارفة إنك هتفهمي إن رنا من حقها تعيش في مكان كويس.
قلت بهدوء:
— نتقابل بكرة عند أمي.
وفي اليوم التالي، وصلت بيت أمي في الميعاد.
كانت سعاد موجودة، ورنا قاعدة جنبها، وأمي محضرة الشاي والحلويات، وكأننا مجتمعين في مناسبة سعيدة.
أول ما دخلت، أمي ابتسمت وقالت:
— الحمد لله إنك رجعتي لعقلك يا بنتي.
ما رديتش.
قعدت وطلعت من شنطتي صورة المستند اللي عليه توقيعي.
حطيتها قدامهم وقلت:
— قبل ما نتكلم عن البيت، عايزة أعرف مين اللي كتب الورقة دي؟
سعاد بصت للمستند، وابتسامتها اختفت.
أمي قربت منه وقالت:




