
الجزء الثاني
سعاد فضلت ماسكة التليفون ومش قادرة تنطق.
الموظف كرر كلامه مرة تانية:
— يا مدام سعاد، حضرتك معانا؟ أأكد لحضرتك إن الكرسي هيتاخد مع باقي العفش؟
سعاد حاولت تسيطر على صوتها وقالت:
— لا طبعًا، محدش هياخد أي حاجة من بيتي. أنا ماوافقتش على الكلام ده، وعايزة أعرف مين اللي مضى على أمر النقل بالضبط.
الموظف رد بعد ما راجع البيانات:
— الطلب متسجل باسم ابن حضرتك، الأستاذ أدهم المنياوي، لكن فيه توقيع تاني على موافقة التخلص من الكرسي، باسم شخص اسمه محمود السيوفي.
سعاد اتجمدت مكانها.
محمود السيوفي!
الاسم ده ماكانش غريب عليها، لكنه كان آخر اسم تتوقع تسمعه في مكالمة زي دي.
محمود كان ابن عم جوزها حسن، وكان من أقرب الناس للعيلة زمان. وبعد غياب حسن، بدأ يظهر كل فترة بحجة إنه بيطمن على سعاد وبيساعد أدهم في بعض الأمور.
لكن سعاد ماكانتش تعرف إن علاقته بأدهم وصلت لدرجة إنه يتصرف في أثاث بيتها من غير علمها.
سألت الموظف بسرعة:
— هو محمود ده له علاقة بالشركة بتاعتكم؟
— لا يا فندم، هو الشخص اللي سلّم لنا قائمة العفش المطلوب التخلص منه، ومعاها صورة من توكيل بيسمح له يتصرف في محتويات البيت.
سعاد حسّت إن الأرض بتتحرك من تحت رجليها.
— توكيل إيه؟ أنا ماعملتش توكيل لأي حد!
الموظف حاول يهدّيها:
— ممكن يكون فيه سوء تفاهم يا فندم. إحنا هنوقف الطلب مؤقتًا لحد ما حضرتك تتأكدي.
قفلت سعاد المكالمة، وقعدت على أقرب كرسي.
توكيل يسمح لحد يتصرف في محتويات بيتها؟
إزاي؟ وإمتى؟
فتحت درج المكتب القديم وبدأت تدور بين الأوراق. كانت محتفظة بكل المستندات المهمة في ملف أزرق، من ضمنها عقد ملكية البيت وشهادات الغياب وبعض الأوراق البنكية.
بعد دقائق من البحث، لقت الملف.
فتحته وبدأت تراجع ورقة ورقة.
كل حاجة كانت موجودة، لكن فيه ظرف صغير ماكانتش شافته قبل كده، مكتوب عليه بخط أدهم:
«أوراق مهمة تخص البيت».
فتحت الظرف، وطلعت منه صورة ورقة رسمية.
كانت صورة لتوكيل قديم صادر من سعاد لابنها أدهم، لكنه كان خاص بإنهاء بعض الإجراءات الإدارية المتعلقة بمرافق البيت، ومش بيسمح له بالتصرف في الملكية أو بيع الأثاث.
لكن الغريب إن صورة التوكيل اللي وصلتها الشركة كانت مختلفة.
فيها إضافات مكتوبة بخط تاني!
سعاد قربت الورقة من عينيها، وبدأت تقرأ.
كان فيه بند بيقول إن الوكيل يحق له نقل محتويات العقار والتصرف فيها.
إزاي البند ده اتضاف؟
وهل الورقة دي أصلًا صحيحة؟
قبل ما تكمل تفكيرها، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
أدهم ونادين رجعوا.
دخلت نادين وهي شايلة شنطة صغيرة، وقالت:
— ها يا ماما، خلصتي ترتيب حاجتك؟
سعاد رفعت عينيها ليها وقالت بهدوء غريب:
— قبل ما أجاوبك، عايزة أسألك سؤال.
نادين ابتسمت ابتسامة باردة:
— اتفضلي.
— إنتِ تعرفي محمود السيوفي؟
ابتسامة نادين اختفت للحظة، لكنها حاولت تخفي ارتباكها.
— أيوه، أعرفه. مالُه؟
— هو اللي طلب من شركة النقل تاخد كرسي أبو أدهم، وقال لهم إن فيه موافقة مني.
أدهم بص لمراته بسرعة، وبعدها رجع يبص لأمه.
— يا ماما، الموضوع بسيط. محمود كان بيساعدنا في ترتيب نقل العفش.
— وبيساعدكم إزاي؟ وبأي حق يستخدم توكيل باسمي ويغير في محتوياته؟
أدهم اتنحنح وقال:
— إنتِ مش فاهمة الموضوع.
سعاد ردت فورًا:
— يبقى فهمني.
نادين تدخلت بعصبية:
— هو إحنا هنفضل نتحاسب على كل حاجة؟ إحنا بنحاول نرتب حياتنا، وإنتِ مصممة تعقدي الأمور.
سعاد بصتلها وقالت:
— أنا ماعقدتش حاجة. أنا بس مش فاهمة إزاي ناس أنا فتحت لهم بيتي، بقوا بيتصرفوا فيه كأنه ملكهم.
أدهم قرب منها وقال بصوت منخفض:
— يا ماما، خلينا نتكلم بهدوء. محمود قال إن فيه حل ممكن يريحنا كلنا.
— حل إيه؟
سكت أدهم شوية، وبعدها قال:
— إننا نبيع البيت ونشتري شقة أصغر ليكي، والباقي نبدأ بيه مشروع أنا ونادين.
سعاد حسّت إن نفسها اتسحب منها.
— نبيع بيتي؟!
نادين ردت وكأنها بتتكلم عن أمر عادي:
— البيت كبير عليكي يا طنط، ومصاريفه كتير. وإنتِ مش محتاجة كل ده. بدل ما الفلوس تفضل محبوسة في حيطان، نستفيد بيها كلنا.
سعاد بصت لابنها.
— وإنت موافق على الكلام ده يا أدهم؟
أدهم ما ردش.
وسكوته كان إجابة كافية.
في اللحظة دي فهمت سعاد إن موضوع أوضة النوم ماكانش إلا بداية، وإنهم كانوا بيختبروا رد فعلها قبل ما يطلبوا منها التنازل عن البيت كله.
لكنها قررت ما تكشفش كل اللي عرفته دلوقتي.
لمّت الأوراق وحطتها في درج المكتب، وقالت بهدوء:
— أنا محتاجة أفكر.
نادين ابتسمت بانتصار وقالت:
— كويس إنك بدأتي تفهمي.
لكن سعاد كانت بتفكر في حاجة تانية تمامًا.
بعد ما دخلوا أوضتهم، اتصلت بمحامي قديم للعيلة اسمه الأستاذ سامح.
حكت له كل اللي حصل، وبعتت له صورة التوكيل اللي لقيته.
فضل ساكت وهو بيراجع الصورة، وبعدها قال جملة خلت قلبها يدق بسرعة:
— مدام سعاد، ماتمضيش على أي ورقة، وماتسلميش أي مستند لأي حد. أنا محتاج أشوف أصل التوكيل بنفسي.
— ليه يا أستاذ سامح؟ فيه إيه؟
رد بصوت جاد:
— لأن الورقة اللي بعتّيها فيها تعديل مش موجود في النسخة الأصلية، ولو التعديل ده اتعمل من غير موافقتك، فالموضوع ممكن يكون أخطر بكتير من مجرد خلاف عائلي.
سعاد سألت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— يعني ابني ممكن يكون بيحاول ياخد بيتي؟
المحامي سكت لحظة، وبعدها قال:
— أنا مش عايز أتهم حد قبل ما أشوف المستندات، لكن فيه حاجة تانية لازم أقولها لحضرتك.
— إيه هي؟
— محمود السيوفي اتصل بيا من يومين، وكان بيسأل عن إمكانية نقل ملكية البيت من غير ما حضرتك تحضري بنفسك.
سعاد حطت إيدها على صدرها.
لكن قبل ما ترد، سمعت صوت نادين من خلف باب المكتب:
— خلصتي كلام مع المحامي يا طنط؟ لأن فيه حد جاي يقابلك، ولازم تكوني جاهزة تسمعي منه الحقيقة!
سعاد لفتت وشها ناحية الباب.
ولما فتحت نادين الباب، ظهر خلفها شخص ماكانتش سعاد تتوقع أبدًا إنه ييجي بيتها.
الشخص ده كان معاه مستند قديم يخص زوجها الراحل حسن، ومستند واحد بس كان كفيل يقلب كل اللي سعاد فاهمته عن عيلتها!
يتبع…
الجزء الثالث
سعاد فضلت واقفة مكانها، وعينيها متعلقة بالشخص اللي واقف ورا نادين.
كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وماسك ملف بني قديم.
أول ما شافته، عرفته.




