
كان الأستاذ فؤاد، محامي محمود السيوفي، ابن عم جوزها الراحل.
سعاد بصت لنادين باستغراب وقالت:
— إيه اللي جاب الأستاذ فؤاد هنا؟ وإنتِ عرفتيه منين؟
نادين ردت بثقة:
— إحنا كلنا عايزين مصلحتك يا طنط، والأستاذ فؤاد جاي يوضحلك شوية أمور قانونية يمكن إنتِ مش عارفاها.
فؤاد دخل وقعد على الكرسي من غير ما يستنى دعوة، وفتح الملف اللي معاه.
— مدام سعاد، أنا عارف إن الكلام ده ممكن يكون صعب عليكي، لكن فيه أمور لازم تتوضح قبل ما تحصل مشاكل أكبر.
سعاد فضلت واقفة وقالت:
— اتفضل وضح.
طلع فؤاد ورقة قديمة، وحطها قدامها.
— دي صورة من اتفاق مكتوب بين المرحوم حسن المنياوي وابن عمه محمود السيوفي، بخصوص البيت اللي حضرتك عايشة فيه.
سعاد أخدت الورقة بإيد بتترعش.
كانت الورقة مؤرخة من حوالي 12 سنة، وعليها توقيع جوزها.
بدأت تقرأ، وكل سطر كان بيزود حيرتها.
الورقة بتقول إن حسن كان داخل مع محمود في اتفاق مالي، وإن البيت كان جزء من ضمان مبلغ مالي حصل عليه حسن وقتها.
سعاد رفعت عينيها بسرعة.
— الكلام ده مش صحيح! حسن عمره ما قالي إن البيت عليه أي التزامات.
فؤاد رد بهدوء مصطنع:
— أنا مقدر موقفك، لكن الورقة عليها توقيع زوجك، ومحمود بيطالب بحقه من زمان.
— طب وليه ماطالبش بحقه طول السنين دي؟
فؤاد بص لنادين قبل ما يرد:
— لأنه كان مستني الوقت المناسب لتسوية الموضوع.
سعاد ضحكت بمرارة.
— والوقت المناسب جه بعد غياب جوزي بست سنين؟ وبعد ما ابني ومراته دخلوا بيتي؟
أدهم اتدخل وقال:
— يا ماما، محمود مش عايز يضرك. هو بيقول إن فيه مبلغ كبير متبقي، وإن بيع البيت ممكن يحل المشكلة.
سعاد بصت لابنها بصدمة.
— إنت كنت عارف؟
أدهم نزل عينيه للأرض.
— عرفت من كام يوم.
— ومن كام يوم بس؟ ولا من قبل ما تطلب مني أستقبلك في البيت؟
ما ردش.
نادين دخلت في الكلام بسرعة:
— يا طنط، إحنا مش بنقولك تخرجي من بيتك من غير مقابل. إحنا هنشتريلك شقة صغيرة قريبة مننا، والباقي يساعد أدهم يبدأ مشروعه.
سعاد حست إن كل حاجة بقت واضحة.
هم مش عايزين أوضة النوم.
هم عايزين البيت كله.
قالت بهدوء:
— أنا مش همضي على أي حاجة، ومش هبيع بيتي.
فؤاد قفل الملف وقال:
— القرار ليكي طبعًا، لكن لازم تعرفي إن محمود ممكن يلجأ للقضاء.
— من حقه يلجأ للقضاء لو عنده حق حقيقي. لكن أنا مش هتنازل عن حاجة لمجرد إن حد جاي يضغطني بورقة أنا أول مرة أشوفها.
فؤاد قام من مكانه وقال:
— أتمنى تفكري كويس قبل ما الأمور تتعقد.
وخرج.
بعد ما الباب اتقفل، سعاد بصت لأدهم وقالت:
— عايزة أعرف الحقيقة منك، من غير لف ولا دوران. إنت ليه دخلت محمود في موضوع بيتي؟
أدهم اتردد، وبعدها قال:
— أنا كنت محتاج فلوس يا ماما.
— فلوس ليه؟
نادين ردت بدلًا منه:
— إحنا كنا بنحاول نبدأ مشروع أونلاين، وخسرنا جزء كبير من مدخراتنا. محمود قال إنه ممكن يساعدنا لو خلصنا موضوع البيت بسرعة.
سعاد بصت لها باستغراب.
— يعني إنتوا خسرتوا فلوسكم، وقررتوا تعوضوها من بيتي؟
أدهم قرب منها وقال:
— يا ماما، أنا ابنك الوحيد. مش معقول تسيبيني أبدأ من الصفر وإنتِ عندك بيت تمنه ملايين.
سعاد حسّت إن الكلام ده وجعها أكتر من كل اللي حصل.
— أنا عمري ما سبتك تبدأ من الصفر يا أدهم. أنا كنت مستعدة أساعدك، وفتحتلك بيتي، لكن عمري ما تخيلت إنك هتطلب مني أتنازل عن أمان عمري علشان مشروع إنت خسران فيه.
أدهم رفع صوته:
— إنتِ دايمًا بتفهمي كلامي غلط! أنا بحاول أعمل مستقبل ليا ولولادي.
— وأنا مش عايزة غير إنك تحترمني وتحترم إن ده بيتي.
نادين قامت بعصبية وقالت:
— خلاص يا أدهم، إحنا ضيعنا وقت كفاية. لو مامتك مش عايزة تساعدنا، يبقى نتصرف بطريقتنا.
سعاد بصتلها وسألتها:
— تقصدي إيه بطريقتكم؟
نادين ما ردتش، وخدت أدهم ودخلوا أوضتهم.
سعاد رجعت للمكتب واتصلت بالأستاذ سامح.
حكت له عن الورقة القديمة اللي جابها فؤاد، وطلبت منه ييجي يشوفها بنفسه.
بعد أقل من ساعة وصل المحامي.
أول ما شاف المستند، طلب منها تقعد، وبدأ يراجع التوقيع والتاريخ والتفاصيل.
وبعد شوية قال:
— مدام سعاد، فيه مشكلة كبيرة في الورقة دي.
— إيه المشكلة؟
— أولًا، الورقة دي مش عقد بيع ولا مستند ملكية. وثانيًا، لازم نراجع أصلها ونتأكد من صحتها. لكن فيه تفصيلة مهمة جدًا.
— إيه هي؟
أخرج سامح صورة من عقد ملكية البيت، وبدأ يقارن بين التواريخ.
وبعدين قال:
— البيت اتسجل باسم حضرتك من أكتر من عشرين سنة، قبل التاريخ المكتوب في الاتفاق ده بسنين. وده معناه إن أي حد بيدعي إن له حق في البيت لازم يثبت كلامه بأدلة قانونية واضحة.
سعاد تنفست براحة بسيطة.
لكن المحامي كمل:
— وفيه حاجة تانية. أنا عايز أعرف إذا كان المرحوم حسن سايب أي أوراق أو وصية أو مستندات خاصة بالبيت.
سعاد فكرت شوية، وبعدها افتكرت صندوق خشب صغير كان حسن بيحتفظ فيه بأوراقه الشخصية.
الصندوق كان موجود في دولاب قديم في المخزن، ومافتحتهوش من يوم غيابه.
راحت جابته وحطته قدام المحامي.
فتحته بحذر، وبدأت تطلع الأوراق واحدة ورا التانية.
صور قديمة، خطابات، إيصالات، ومستندات بنكية.
وفجأة لقت ظرف أبيض مكتوب عليه بخط حسن:
«إلى سعاد… لو ظهر محمود تاني، لازم تعرفي الحقيقة».
إيدها بدأت تترعش.
المحامي بص لها وقال:
— افتحيه يا مدام سعاد.
فتحت الظرف وطلعت منه جواب من ورقتين.
بدأت تقرأ أول سطر، وبعدها غطت بقها بإيديها.




