قصص وروايات

الجزء الاول بقلم محمد عبده

الجزء الثاني — أين ذهب المال؟

ظللت أحدّق في ابنتي للحظات، غير قادرة على استيعاب ما قالته.

— «ليان… هل تقصدين أنك لم تملكي المال حتى لشراء الزي الرياضي؟»

هزّت رأسها ببطء.

— «جدتي قالت إن المال الذي ترسلينه بالكاد يكفي للطعام والكهرباء.»

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

— «وماذا عن الملابس؟ والحذاء؟ ومصاريف المدرسة؟»

ابتلعت ليان دموعها وقالت:

— «كنت أطلب منها، لكنها كانت تقول لي إنك لا ترسلين ما يكفي.»

نظرت إلى والديّ الجالسين أمامي.

كان أبي يحدق في طبقه، بينما أمي تتجنب النظر في عيني.

وضعت الشوكة جانبًا.

— «أنا كنت أرسل ألفي دولار كل شهر.»

ساد صمت ثقيل على الطاولة.

ثم قالت أمي بسرعة:

— «يا سارة، أنت لا تفهمين الوضع هنا. الأسعار ارتفعت، وليان تحتاج أشياء كثيرة.»

ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها لم تكن ضحكة فرح.

— «أشياء كثيرة؟ مثل ماذا؟»

— «طعام، فواتير، مدرسة… أنت تعرفين.»

— «إذن لماذا كانت ابنتي ترتدي حذاءً ممزقًا؟»

لم تجب.

نظرت إلى ليان.

— «كم مرة طلبتِ منهم شيئًا ورفضوا؟»

ترددت ابنتي.

ثم قالت:

— «لا أعرف… كثيرًا.»

شعرت بغضب يتصاعد داخلي.

لكنني لم أصرخ.

كنت أعمل في ظروف قاسية طوال تسعة أشهر، وكنت أطمئن نفسي كل ليلة بأن ابنتي بخير، وأن والديّ يعتنيان بها.

كنت أرسل المال وأنا مطمئنة.

لكن يبدو أنني كنت أعيش في وهم.

وقفت من مقعدي.

— «ليان، تعالي معي.»

أخذتها إلى غرفتها.

فتحت خزانة ملابسها.

لم أصدق ما رأيته.

كانت الملابس قليلة جدًا.

بعضها قديم وممزق، وبعضها أصغر من مقاسها.

فتحت درج مكتبها، فوجدت إيصالات مدرسية متأخرة، ورسالة تطالب بدفع رسوم النشاط الرياضي.

ثم وجدت ظرفًا صغيرًا مخبأً تحت كتبها.

فتحته.

كان بداخله ورقة كتبت عليها ليان بخط يدها:

«أريد فقط أن تعود أمي.»

توقفت أنفاسي.

جلست على طرف السرير واحتضنتها بقوة.

— «لماذا لم تخبريني بكل هذا؟»

بكت في حضني.

— «كنت خائفة أن تغضبي مني… وجدتي قالت إنك مشغولة، وإن مشاكلي ستجعلك حزينة.»

أغمضت عيني.

في تلك اللحظة، أدركت أن الأمر لم يكن مجرد سوء تفاهم.

كان هناك شيء أكبر.

عدت إلى المعيشة.

كان والداي لا يزالان هناك.

وضعت هاتفي على الطاولة.

فتحت تطبيق البنك.

ثم قلت بهدوء:

— «أمي… أبي… أريد أن أعرف شيئًا واحدًا.»

رفع أبي عينيه نحوي.

— «أين ذهب مبلغ الـ18 ألف دولار؟»

تبادلا نظرة سريعة.

كانت قصيرة جدًا…

لكنني رأيتها.

ثم قالت أمي:

— «أنفقناه على ليان.»

— «أين الإيصالات؟» — «لم نحتفظ بكل شيء.»

— «إذن أعطني أي دليل.»

لم يجب أحد.

وبينما كنت أنتظر، وصل إشعار جديد إلى هاتفي.

عملية شراء بمبلغ 1,850 دولارًا.

توقفت للحظة.

حدقت في اسم الجهة التي تم الدفع لها.

لم تكن مدرسة.

ولم تكن مستشفى.

ولم تكن متجر ملابس.

كانت فندقًا فاخرًا في مدينة شرم الشيخ.

رفعت عيني ببطء نحو أمي.

— «أمي… هل زرتِ شرم الشيخ مؤخرًا؟»

تغير وجهها تمامًا.

أما أبي…

فأشاح بنظره بعيدًا.

في تلك اللحظة عرفت أنني اقتربت من الحقيقة.

لكنني لم أكن مستعدة لما سأكتشفه بعد ذلك.

لأن عملية الفندق لم تكن الوحيدة.

كان هناك عشرات العمليات الأخرى.

وكلها خرجت من الحساب نفسه.

الحساب الذي كنت أرسل إليه أموال ابنتي كل شهر.

يتبع…
الجزء الثالث — الحساب السري

ظللت واقفة أمام أمي، والهاتف في يدي.

لم أرفع صوتي.

لم أصرخ.

كنت فقط أنتظر منها تفسيرًا واحدًا يجعل ما رأيته منطقيًا.

لكنها لم تتكلم.

قلت:

— «أمي، آخر مرة سألتك فيها عن ليان، قلتِ لي إن كل شيء بخير. هل كنتِ تكذبين عليّ طوال هذه المدة؟»

قالت بسرعة:

— «لم أكذب عليكِ! نحن فعلنا ما نستطيع.»

— «ما تستطيعون؟»

رفعت الهاتف أمامها.

— «هذه عملية دفع لفندق فاخر في شرم الشيخ. لماذا دُفعت من المال الذي أرسلته لابنتي؟»

بدأت أمي في التلعثم.

— «كانت… كانت رحلة قصيرة.»

حدقت فيها غير مصدقة.

— «رحلة؟»

ثم نظرت إلى أبي.

— «وهل ذهبتما وحدكما؟»

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى