قصص وروايات

الجزء الاول بقلم محمد عبده

ظل صامتًا.

وهذا الصمت كان كافيًا ليخبرني أن هناك شيئًا أخطر مما أتخيل.

فتحت سجل العمليات أمامهما.

كان هناك حجز لفندق.

ثم مطاعم فاخرة.

ثم مشتريات ملابس.

ثم تذاكر سفر.

ثم إيجار سيارة.

ثم عمليات سحب نقدي متكررة.

مبالغ صغيرة وكبيرة، لكنها عندما جمعتها معًا كانت كارثية.

قلت:

— «هذه الأموال ليست أموالكم.»

قال أبي أخيرًا:

— «كنا سنعيدها.»

ضحكت بمرارة.

— «متى؟ بعد أن تنتهوا منها؟»

خفض رأسه.

شعرت أن غضبي بدأ يتحول إلى شيء آخر…

خيبة.

كنت أعمل بعيدًا عن ابنتي، وأتحمل أصعب الظروف فقط لأضمن أنها تعيش حياة مستقرة.

بينما الأشخاص الذين وثقت بهم كانوا ينفقون أموالها على أنفسهم.

لكنني لم أكن قد اكتشفت كل شيء بعد.

في اليوم التالي، أخذت ليان إلى متجر ملابس.

قلت لها:

— «اختاري كل ما تحتاجينه.»

نظرت إليّ بتردد.

— «هل أنتِ متأكدة؟»

ابتسمت رغم الألم الذي بداخلي.

— «هذه المرة، لن يجعلك أحد تشعرين أنك عبء.»

اختارت بعض الملابس وحذاءً جديدًا وحقيبة مدرسية.

وعندما وصلنا إلى السيارة، سألتني:

— «ماما؟»

— «نعم؟»

— «هل ستسافرين مرة أخرى؟»

توقفت.

ثم احتضنتها.

— «لن أتركك وحدك مرة أخرى.»

لكنني كنت أعرف أن أمامي مهمة أخرى.

كان عليّ أن أعرف بالضبط أين ذهب كل دولار.

في تلك الليلة، جلست أمام الكمبيوتر وبدأت أراجع الحسابات واحدًا تلو الآخر.

وبعد ساعات من البحث، اكتشفت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

كان هناك حساب مصرفي آخر باسم أمي.

والغريب أن بعض التحويلات من الحساب الذي كنت أرسل إليه أموال ليان كانت تذهب إليه مباشرة.

ثم من حساب أمي…

كانت الأموال تنتقل إلى حساب آخر.

فتحت تفاصيل المستفيد.

وتوقفت.

المستفيد لم يكن أمي.

ولم يكن أبي.

كان اسمًا لم أسمعه من قبل.

«شركة النور للاستثمارات.»

لكن المفاجأة الأكبر كانت في تاريخ تأسيس الشركة.

فقد تأسست الشركة بعد أسبوع واحد فقط من مغادرتي البلاد.

وضعت يدي على فمي.

لم يكن هذا إنفاقًا عشوائيًا.

كان هناك تخطيط.

والأسوأ من ذلك أنني وجدت تحويلًا واحدًا بمبلغ 7,500 دولار.

وبجانبه ملاحظة قصيرة:

«دفعة العقار.»

حدقت في الشاشة.

عقار؟

أي عقار؟

ولماذا دُفع ثمنه من أموال ابنتي؟

ذهبت إلى ليان.

كانت نائمة.

وقفت عند باب ، ونظرت إليها وهي وسادتها.

في تلك اللحظة، قطعت وعدًا لنفسي.

لن أكتفي باستعادة المال.

سأعرف كل شخص شارك في هذا.

وسأجعلهم يجيبون عن سؤال واحد:وفي صباح اليوم التالي، اتخذت قرارًا لم يتوقعه أحد.

أغلقت الحساب الذي كانت أموالي تصل إليه.

ثم اتصلت بمحامٍ أعرفه منذ سنوات.

وقلت له:

— «أحتاج منك أن تراجع كل تحويل مالي تم خلال الأشهر التسعة الماضية.»

سألني:

نظرت إلى ليان.

ثم قلت:

— «لا أعرف بعد.»

وتوقفت للحظة.

— «لكنني أعرف أن ابنتي دفعت ثمن شيء لم تفعله.»

بعد ساعات، وصلني أول تقرير.

فتحت الملف.

وكانت الصفحة الأولى تحمل رقمًا جعلني عاجزة عن الكلام:

إجمالي الأموال المحولة: 18,000 دولار.

إجمالي الأموال التي أُنفقت على ليان: 1,240 دولارًا فقط.

أما باقي الأموال…

فقد اختفت في سلسلة من التحويلات.

لكن المحامي أضاف ملاحظة في نهاية التقرير:

«هناك تحويل بقيمة 12,000 دولار يحتاج إلى تحقيق عاجل.»

رفعت عيني عن الشاشة.

12 ألف دولار؟

أين ذهبت؟

ثم قرأت اسم الجهة المستفيدة.

وتعرفت عليه فورًا.

لقد كان اسم المكان الذي لم أتوقع أبدًا أن أجد والديّ مرتبطين به.

يتبع…
الجزء الرابع — المفاجأة التي قلبت كل شيء

كان اسم الجهة المستفيدة أمامي، وأنا أحدّق فيه وكأنني لا أستطيع تصديق ما أراه.

كان التحويل بقيمة 12 ألف دولار قد ذهب إلى شركة عقارية في مدينة الإسكندرية.

قلت للمحامي:

— «هل يمكنك معرفة سبب هذا التحويل؟»

أجاب:

— «أستطيع أن أتحقق من المستندات المتاحة، لكن هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.»

— «ماذا؟»

أرسل لي ملفًا آخر.

فتحته، فوجدت نسخة من عقد شراء شقة.

المشتري كان…

أبي.

شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.

أبي اشترى شقة جديدة باستخدام الأموال التي أرسلتها لتوفير احتياجات ابنتي!

لكن المفاجأة لم تتوقف هنا.

فقد كانت هناك خانة في العقد تحمل اسم شخص آخر كمستفيد من العقار.

أختي الكبرى نادين.

اتسعت عيناي.

نادين كانت تعيش في مدينة أخرى، وكانت دائمًا تخبرني أنها تمر بضائقة مالية.

والآن فهمت لماذا.

لقد كانوا جميعًا متورطين.

اتصلت بأبي.

— «أبي، أريد أن أسألك عن شيء.»

— «ما الأمر؟»

— «من أين حصلت على الـ12 ألف دولار التي دفعتها لشراء الشقة؟»

ساد الصمت.

ثوانٍ طويلة مرت دون أن يجيب.

ثم قال:

— «سارة، الموضوع ليس كما تتخيلين.»

— «إذن أخبرني كيف هو.»

— «كنا نحاول تأمين مستقبل العائلة.»

ضحكت بمرارة.

— «مستقبل العائلة؟ وابنتي كانت ترتدي حذاءً ممزقًا؟»

لم يرد.

قلت:

— «لقد كنت أرسل المال لليان، وليس لكم.»

قال بغضب:

— «نحن والداك! ومن حقنا أن نستفيد من المال طالما أننا نعتني بها.»

— «تعتنون بها؟»

نظرت إلى ليان التي كانت تجلس بجانبي.

— «ابنتي لم تكن تملك حتى ثمن زي كرة القدم!»

ثم أغلقت الهاتف.

لم أعد أريد سماع أعذار.

في اليوم التالي، أخذت ليان إلى المدرسة بنفسي.

ذهبت إلى الإدارة وسألت عن سجل مصروفاتها خلال الأشهر الماضية.

قالت الموظفة:

— «في الحقيقة، هناك عدة فواتير لم تُدفع.»

شعرت بالغضب.

— «هل كانت المدرسة تتصل بوالديّ؟»

— «نعم. في كل مرة كانوا يقولون إن والدتها سترسل المال قريبًا.»

أغمضت عيني.

كانوا يكذبون حتى على المدرسة.

دفعت جميع المستحقات.

ثم سألت عن فريق كرة القدم.

قال المدرب:

— «ليان كانت من أفضل اللاعبات لدينا. كانت موهوبة جدًا.»

نظرت إلى ابنتي.

كانت تنظر إلى الأرض.

قلت:

— «لماذا تركت الفريق؟»

قال المدرب:

— «لأنها أخبرتنا أنها لا تستطيع تحمل تكاليف الزي والمشاركة.»

شعرت بدموعي تقترب.

ابنتي لم تكن محرومة من المال فقط.

كانت محرومة من الأشياء التي تحبها أيضًا.

وفي طريق العودة، قلت لها:

— «هل تريدين العودة للفريق؟»

رفعت رأسها لأول مرة منذ فترة طويلة.

— «هل يمكنني؟»

ابتسمت.

— «طبعًا.»

ثم أمسكت بيدها.

— «لكن هناك شيء آخر أريدك أن تعرفيه.»

— «ماذا؟»

— «كل ما حدث لم يكن خطأك.»

احتضنتني بقوة.

وفي تلك الليلة، عدت إلى المنزل وأنا أعرف أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.

فقد أرسل لي المحامي رسالة جديدة.

كتب فيها:

«سارة، لقد وجدت شيئًا أخطر من التحويلات المالية.»

اتصلت به فورًا.

— «ماذا وجدت؟»

قال:

— «والداك لم يكونا يتصرفان بمفردهما.»

— «من كان يساعدهما؟»

تردد قليلًا، ثم قال:

— «هناك شخص آخر كان يحصل على جزء من الأموال.»

— «من؟»

أجاب باسم واحد فقط.

اسم جعلني أتجمد في مكاني.

زوج أختك نادين.

ثم أضاف:

— «والأسوأ أن آخر تحويل تم قبل عودتك بيومين فقط.»

نظرت إلى شاشة الهاتف.

ثم سألت:

— «كم كان المبلغ؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى