
الجزء الثاني
وقف الحاج محمود في منتصف غرفة الطعام، ولم يكن في ملامحه أي غضب واضح.
وهذا تحديدًا هو ما جعل الجميع يشعر بالخوف.
كان سامر يعرف والده جيدًا.
فعندما كان الحاج محمود يرفع صوته، كان ذلك يعني أنه غاضب.
أما عندما يصبح هادئًا إلى هذه الدرجة…
فهذا يعني أن الأمر أخطر بكثير.
قال سامر بسرعة:
— أبي، لا داعي لأن نكبر الموضوع. رنا أخطأت، وأنا سأتعامل مع الأمر.
رفع الحاج محمود عينيه إليه.
— أنت؟
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة بلا أي دفء.
— أنت آخر شخص يحق له أن يقول لي كيف أتعامل مع الأمر الليلة.
تدخلت السيدة نوال وهي لا تزال في حالة صدمة:
— محمود، أرجوك… الناس كلها هنا.
التفت إليها.
— ولهذا بالضبط سأقول ما سأقوله أمام الجميع.
ساد الصمت.
أما ليلى، فكانت لا تزال واقفة مكانها، تضع يدها على خدها.
اقترب منها الحاج محمود.
— هل أنتِ بخير؟
هزت رأسها دون كلام.
نظر إلى العلامة على وجهها مرة أخرى.
ثم قال:
— منذ ثلاث سنوات وأنتِ تدخلين هذا البيت كأنك واحدة من أبنائه. لم ترفعي صوتك يومًا، ولم تطلبي شيئًا لنفسك، وكنتِ دائمًا أول من يصل وآخر من يغادر.
خفض صوته.
— وأنا كنت أراقب كل ذلك.
ارتبكت ليلى.
— لم أفعل سوى ما كان يجب عليّ فعله.
رد بسرعة:
— لا. فعلتِ أكثر بكثير مما كان يجب عليكِ فعله.
ثم استدار نحو ابنه.
— سامر، هل أخبرتها بالحقيقة؟
تجمد سامر.
— أي حقيقة؟
لم يجب والده فورًا.
بل عاد إلى مقعده، وفتح حقيبته الجلدية التي كانت بجوار الكرسي.
أخرج منها ملفًا أسود.
وضعه على الطاولة.
ثم قال:
— الحقيقة المتعلقة بالشركة.
تغير وجه سامر.
اقتربت رنا منه وهمست:
— ماذا يقصد؟
لم يجبها.
فتح الحاج محمود الملف وأخرج مجموعة من الأوراق.
— قبل سبع سنوات، عندما قررت أن أضع سامر على رأس المجموعة، لم أكن أريد أن أعطيه كل شيء.
نظر إلى ابنه مباشرة.
— أردت أن أختبره.
قال سامر بتوتر:
— أبي، ما علاقة هذا بليلى؟
أجاب:
— كل العلاقة.
ثم نظر إلى ليلى.
— عندما تزوجتما، كان لديكِ مشروع صغير للرسم.
أومأت ليلى ببطء.
— نعم.
— وأغلقته بعد الزواج.
قال سامر بسرعة:
— لأنها أرادت أن تتفرغ للبيت.
التفت إليه والده.
— لا تكذب.
ساد صمت ثقيل.
قال الحاج محمود:
— أنا أعرف الحقيقة. أنت طلبت منها أن تغلق مشروعها، وقلت لها إنك ستعوضها عن كل شيء.
بدأت عينا ليلى تلمعان.
فهي لم تكن تتوقع أن الحاج محمود يعرف تلك التفاصيل.
فتح ورقة أخرى.
— وبعد ذلك، استثمرت ليلى جزءًا كبيرًا من مدخراتها في أول مشروع توسع لك.
صرخت رنا:
— مستحيل!
نظر إليها الحاج محمود ببرود.
— بل هذا أقل ما تعرفينه.
ثم أخرج ورقة أخرى.
— الأموال التي وضعتها ليلى في المشروع لم تكن هدية.
نظر إلى سامر.
— كانت قرضًا موثقًا.
اتسعت عينا سامر.
— أبي…
— ولم تكن تعرف أنني أنا من طلبت من المحامي توثيقه.
شهقت ليلى.
— أنت؟
أومأ الحاج محمود.
— نعم.
قال سامر بغضب:
— لماذا فعلت ذلك؟
أجاب والده:
— لأنني كنت أريد أن أعرف هل ستعامل زوجتك كشريكة أم كشيء تملكه.
ثم ضرب بإصبعه على الملف.
— والنتيجة الآن أمامي.
اقترب سامر خطوة.
— أبي، أنت تبالغ. كل هذه الأمور يمكن حلها بيني وبين ليلى.
ضحك الحاج محمود بهدوء.
— لا.
ثم قال جملة جعلت سامر يتراجع خطوة:
— لأن المشكلة لم تعد بينك وبين زوجتك.
فتح الملف على الصفحة الأخيرة.
— المشكلة أصبحت بينك وبين الشركة.
تدخلت رنا بانفعال:
— لا أفهم شيئًا! سامر هو المدير! الجميع يعرف ذلك!
نظر إليها الحاج محمود.
— المدير، نعم.
ثم أضاف:
— المالك؟ لا.
تجمدت رنا.
حتى السيدة نوال رفعت رأسها بدهشة.
قال الحاج محمود:
— سامر كان يدير المجموعة فقط.
ثم نظر إلى ليلى.
— أما الجزء الأكبر من الأسهم التي سمحت له بالسيطرة عليها طوال هذه السنوات…
توقف قليلًا.
ثم قال:
— فهي باسم زوجته.
شعرت ليلى أن الأرض اختفت من تحت قدميها.
— باسمي أنا؟
أومأ.
— باسمك.
نظر الجميع إلى سامر.
كان وجهه شاحبًا.
قالت ليلى بصوت منخفض:
— لماذا لم تخبرني؟
أجاب الحاج محمود:
— لأنني أردت أن أعرف الحقيقة دون أن يتغير سلوك أي شخص بسبب معرفتك.
ثم أشار إلى رنا.
— والليلة حصلت على إجابتي.
رنا بدأت تتراجع.
— لكن… أنا وسامر سنبدأ حياتنا معًا.
رد الحاج محمود:
— افعلا ما تشاءان.
ثم أغلق الملف.
— لكن ليس بأموال عائلتي.
صرخ سامر:
— أبي!
رفع الحاج محمود يده.
— انتهت الدقائق الثلاث.
نظر إلى ابنه للمرة الأخيرة وقال:
— ومن هذه اللحظة، لم تعد أنت من يقرر مستقبل هذه الشركة.
ثم دفع الملف باتجاه ليلى.
— القرار أصبح بيدها.
نظرت ليلى إلى الملف، ثم إلى زوجها.
ولأول مرة منذ سنوات، لم ترَ في عيني سامر الزوج الذي أحبته.
رأت رجلًا خائفًا من خسارة كل شيء.
لكنها لم تكن تعرف بعد أن الملف الأسود يحتوي على وثيقة واحدة أخطر بكثير من كل ما قيل…
وثيقة يمكن أن تجعل سامر يخسر الشركة، وثروته، وحتى حقه في بعض ممتلكاته.
والأغرب أن الحاج محمود لم يكن قد كشف الحقيقة كاملة بعد.
يتبع…
الجزء الثالث
لم تمد ليلى يدها نحو الملف.
كانت تنظر إليه وكأنها تخشى أن تلمسه.
كل ما سمعته خلال الدقائق الماضية كان أكبر من قدرتها على الاستيعاب.
أسهم باسمها.
أموالها.
مشروع زوجها.
والآن… مستقبل الشركة.
أما سامر، فكان يحدق في والده بوجه لم تره ليلى من قبل.
وجه رجل أدرك فجأة أن الأرض التي وقف عليها طوال سنوات لم تكن ملكه.
قال سامر:
— أبي، لا يمكنك فعل هذا بي.
أجابه الحاج محمود بهدوء:
— بل أستطيع.




