
الجزء الثاني
ظل حماي ممسكًا ببطاقة عملي وكأنه غير قادر على استيعاب ما قرأه.
أما حماتي نادية، فكانت تنظر إليّ بغضب، ثم إلى ابنها الراقد خلف أبواب العناية المركزة.
قالت:
«إذا كنتِ طبيبة فعلًا، فلماذا لم تخبرينا طوال هذه السنوات؟»
نظرت إليها مباشرة.
«لأن ابنك هو الذي طلب مني ألا أخبركم.»
ساد الصمت.
كان هذا أول شرخ حقيقي في الصورة التي صنعها أحمد عن حياتي.
اقترب الطبيب المناوب مني وقال:
«دكتورة، هل أنتِ متأكدة من قراءتك للتحاليل؟»
أجبته:
«أنا لا أقول إنني أعرف التشخيص النهائي، لكن النتائج الحالية لا تبرر إدخاله مباشرة إلى عملية كبرى. يجب أن نعالج الجفاف والاختلالات الحادة أولًا، ثم نعيد التصوير والفحوصات.»
هز الطبيب رأسه.
«هذا منطقي.»
ثم بدأ الفريق الطبي في التعامل مع حالته وفقًا للنتائج الجديدة.
وبينما كان الجميع منشغلين، نظرت إلى سارة.
كانت واقفة في زاوية الممر، ترتجف.
قلت لها:
«أريد أن أتحدث معك وحدك.»
رفعت رأسها بسرعة.
«أنا… أنا لا أعرف شيئًا.»
«لم أسألك بعد.»
تلعثمت:
«لكنني لم أفعل شيئًا.»
اقتربت منها.
«إذن أخبريني الحقيقة. لماذا كان أحمد في شقتك في الثانية صباحًا؟»
بدأت دموعها تنهمر.
«قال إنه يحتاج إلى توقيع بعض الأوراق.»
«وأين الأوراق؟»
لم تجب.
«سارة، أين الأوراق؟»
أشاحت بوجهها.
«لم تكن هناك أوراق.»
شعرت بأن شيئًا باردًا يمر في صدري.
«إذن لماذا جاء؟»
همست:
«قال إنه يريد أن نتحدث.»
«عن ماذا؟»
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
«عن زوجته.»
توقفت للحظة.
«عني؟»
أومأت.
«قال إن زواجكما انتهى منذ فترة، وإنك تعرفين كل شيء.»
ضحكت بسخرية رغم أنني لم أشعر بأي شيء مضحك.
«هذا غريب جدًا… لأنني كنت أعيش معه في نفس المنزل حتى الليلة الماضية.»
بدأت سارة تبكي أكثر.
«أنا آسفة.»
«لا تضيعي وقتي بالاعتذار. ماذا حدث بعد ذلك؟»
مسحت دموعها.
«تشاجرنا.»
«أنتِ وأحمد؟»
«نعم.»
«ولماذا؟»
نظرت حولها قبل أن تقترب مني وتخفض صوتها.
«لأنه وعدني بشيء ولم ينفذه.»
«ماذا وعدك؟»
لم تجب.
وفي تلك اللحظة خرج أحد الممرضين مسرعًا من العناية المركزة.
«دكتورة، نحتاجك.»
ذهبت معه فورًا.
كان ضغط أحمد قد بدأ يتحسن بعد إعطائه السوائل وتصحيح بعض الاختلالات، لكن الطبيب أشار إلى شاشة المراقبة.
«هناك شيء آخر.»
نظرت إلى النتائج الجديدة.
ثم طلبت إعادة بعض التحاليل.
بعد دقائق، ظهرت نتيجة جعلتني أشعر بأن القصة كلها تأخذ منحى مختلفًا.
لم يكن أحمد يعاني من مرض مفاجئ كما ظن الجميع.
كان جسده يحمل آثارًا واضحة لمادة تسببت في اضطراب شديد في توازن السوائل والأملاح.
سألت:
«هل فُحصت عينات من معدته؟»
قال الطبيب:
«ليس بعد.»
«افحصوها.»
ثم عدت إلى الممر.
كانت نادية وفؤاد ينتظران.
قال حماي:
«هل ابني بخير؟»
«حالته مستقرة حاليًا، لكننا ما زلنا نبحث عن سبب .»
ثم نظرت إلى سارة.
كانت تحدق في الأرض.
قلت:
«وأنا أريد أن أعرف شيئًا واحدًا: ماذا أعطيته الليلة؟»
رفعت رأسها بفزع.
«لم أعطه شيئًا!»
«إذن لماذا وجدت التحاليل هذه المستويات غير الطبيعية؟»
بدأت تهز رأسها.
«أنا لا أعرف.»
تدخلت نادية بغضب:
«كفى! لا تتهمي الفتاة.»
التفت إليها.
«أنا لا أتهم أحدًا. أنا أبحث عن الحقيقة.»
ثم أخرجت هاتفي وفتحت سجل نتائج التحاليل.
«هناك مشكلة في توقيت الأعراض.»
نظر الجميع إلى الشاشة.
قلت:
«لو كان أحمد قد أصيب بهذه الحالة قبل وصوله إلى شقة سارة، لظهرت بعض العلامات بشكل مختلف. لكن التغيرات في التحاليل تشير إلى أن الأمر حدث خلال فترة قصيرة جدًا.»
نظر حماي إلى سارة.
«ماذا حدث في شقتك بالضبط؟»
بدأت تبكي.
«أنا لم أكن أعرف أنه سيحدث هذا.»
تجمدت في مكاني.
«ماذا تعنين؟»
رفعت عينيها نحوي.
«أحمد لم يأتِ من أجل الأوراق.»
«أعرف.»
«لقد جاء ليأخذ شيئًا.»
«ماذا؟»
أخرجت سارة هاتفها من حقيبتها.
كانت يدها ترتجف.
ثم فتحت رسالة قديمة وأرتها لي.
قرأت الرسالة مرة.
ثم مرة أخرى.
كان أحمد قد كتب لها:
“إذا حدث لي أي شيء الليلة، لا تسلمي الملف لوالدي. أعطيه لزوجتي فقط.”
رفعت عيني إليها.
«أي ملف؟»
قالت:
«الملف الذي كان يحتفظ به أحمد في مكتبه.»
«وماذا يوجد بداخله؟»
أخذت نفسًا عميقًا.
«أسماء، تحويلات مالية، وتقارير عن أشياء حدثت داخل شركته.»
ثم أضافت بصوت مرتجف:
«وأعتقد أن زوجك كان يعرف أن أحدًا يحاول إسكاتَه.»
نظرت نحو باب العناية المركزة.
لأول مرة منذ وصولي إلى المستشفى، لم يكن السؤال في رأسي:
هل كان أحمد ي؟
بل كان السؤال:
من الذي كان يخشاه أحمد؟
لكن قبل أن أتمكن من سؤالها المزيد، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة واحدة فقط.
صورة لي أنا وأحمد أمام منزلنا قبل سبع سنوات.
وتحتها جملة قصيرة:
«أنتِ تبحثين في المكان الخطأ يا دكتورة.»
ثم وصلت رسالة ثانية:
«إذا أردتِ أن تعرفي الحقيقة عن زواجك، ابحثي عن الحساب رقم 17.»
رفعت رأسي ببطء.
وفي اللحظة نفسها، خرج الطبيب من غرفة العناية وقال:
«دكتورة… أحمد استعاد وعيه.»
أسرعت نحوه.
لكن قبل أن أفتح باب الغرفة، سمعت صوته الضعيف من الداخل.
كان أول شيء قاله عندما رأني:
«لا تثقي بأبي.»
ثم أغمض عينيه مرة أخرى.
وعرفت أن ما كنت أعتقد أنه مجرد خيانة زوجية…
كان في الحقيقة جزءًا من سر أكبر بكثير.
يتبع…
الجزء الثالث




