قصص وروايات

القصة كاملة للنهاية

تجمدت في مكاني عندما سمعت أحمد يقول:

«لا تثقي بأبي.»

كان صوته ضعيفًا، لكن كلماته كانت واضحة.

نظرت إلى فؤاد، فوجدته واقفًا في آخر الممر، يراقبنا بوجه جامد.

أما نادية، فبدأت تبكي.

«ماذا يقول؟ لماذا يتهم والده؟»

لم أجبها.

دخلت غرفة العناية وجلست بجوار أحمد.

كان شاحب الوجه، وأجهزة المراقبة تحيط به من كل جانب.

فتح عينيه بصعوبة.

وعندما تأكد أنني وحدي معه، همس:

«هل أخبرتك سارة عن الملف؟»

«نعم.»

أغمض عينيه للحظة.

«إذن لم يعد لدي وقت.»

«وقت لماذا؟»

نظر إليّ.

«لأنهم عرفوا أنك اكتشفتِ الأمر.»

شعرت بقشعريرة.

«من هم؟»

لم يجب.

قلت بحزم:

«أحمد، طوال ثماني سنوات وأنت تكذب على عائلتك بشأن عملي، وتكذب عليّ بشأن أشياء كثيرة. والآن أنا في مستشفى في منتصف الليل بسبب انهيارك داخل شقة امرأة أخرى. أريد الحقيقة كاملة.»

سكت طويلًا.

ثم قال:

«أنا لم أخنك.»

حدقت فيه.

«كنت في شقة سارة في الثانية صباحًا، وكنت ترتدي ملابس النوم التي اشتريتها لك. ماذا تريدني أن أصدق؟»

قال بسرعة:

«لم أرتدها بإرادتي.»

توقفت.

«ماذا؟»

«عندما وصلت إلى شقتها، كنت أرتدي ملابسي العادية. وبعد ذلك فقدت الوعي لبعض الوقت. عندما استيقظت، كنت أرتدي ذلك الطقم.»

نظرت إليه بدهشة.

«ومن أين جاء؟»

«لا أعرف.»

ثم أمسك يدي.

«لكن هناك شخص واحد يعرف.»

«من؟»

قال:

«والدي.»

خرجت من الغرفة وأنا أشعر أن الأرض تضيق تحت قدمي.

كان فؤاد ينتظرني.

قلت له:

«أحمد قال إنك تعرف من كان وراء ما حدث له.»

ابتسم ابتسامة باردة.

«ابني يتكلم تحت تأثير الأدوية.»

«لكنه قال شيئًا آخر.»

«ماذا؟»

اقتربت منه وقلت:

«الحساب رقم 17.»

اختفت الابتسامة من وجهه.

كانت تلك اللحظة كافية.

عرفت أن الرقم يعني شيئًا.

شيئًا خطيرًا.

قلت:

«إذن أنت تعرفه.»

تدخلت نادية:

«ما الذي تتحدثان عنه؟»

لم ينظر إليها فؤاد.

قال لي:

«أنتِ لا تعرفين شيئًا عن هذه العائلة.»

«ربما. لكنني أعرف كيف أقرأ السجلات المالية.»

ساد الصمت.

ثم قلت:

«وأعرف أن هناك تحويلات مالية ضخمة خرجت من حسابات الشركة إلى حسابات لا علاقة لها بالموردين.»

تغير وجهه.

كنت قد حصلت على نسخة من بعض المستندات قبل أشهر، أثناء مراجعة مشروع بحثي كنت أعمل عليه.

لم أخبر أحمد وقتها.

كنت أريد أن أفهم لماذا كانت بعض الأسماء تتكرر في أكثر من شركة.

والآن بدأت الصورة تتضح.

قال فؤاد:

«ابتعدي عن هذا الموضوع.»

«لماذا؟»

«لأنك لا تعرفين مع من تعبثين.»

ابتسمت بهدوء.

«وأنت لا تعرف من أنا.»

ثم أخرجت هاتفي.

«كل المستندات موجودة في أكثر من مكان.»

نظر إلى الهاتف.

«ماذا فعلتِ؟»

«أرسلت نسخًا مشفرة إلى شخص أثق به.»

كانت كذبة.

لم أكن قد أرسلت شيئًا.

لكنني كنت أريد أن أرى رد فعله.

وفعلًا، تغير وجهه.

في تلك اللحظة، وصلتني رسالة من سارة.

«تعالي إلى موقف السيارات فورًا. وجدت الملف.»

خرجت من المستشفى دون أن أخبر أحدًا.

عندما وصلت إلى موقف السيارات، وجدتها جالسة داخل سيارتها.

كان وجهها شاحبًا.

وبجانبها حقيبة سوداء.

قالت:

«هذا هو الملف.»

فتحت الحقيبة.

كان بداخلها مجلد سميك.

بدأت أقلب الصفحات.

تحويلات مالية.

عقود.

صور.

تقارير.

وأسماء.

ثم رأيت اسمًا جعل يدي تتوقف.

اسمي أنا.

نظرت إلى سارة.

«لماذا اسمي موجود هنا؟»

قالت:

«هذا هو الجزء الذي لم أفهمه.»

واصلت القراءة.

كان هناك عقد مؤرخ قبل زواجي من أحمد بعام كامل.

وتحت اسمي، كان هناك رقم حساب مصرفي.

قلت:

«هذا ليس حسابي.»

قالت:

«أعرف.»

ثم أخرجت ورقة أخرى.

«لكن هذا الحساب كان يُستخدم لتحويل الأموال منذ أكثر من عشر سنوات.»

شعرت بالصدمة.

«منذ عشر سنوات؟»

أومأت.

«والأسوأ من ذلك…»

وضعت ورقة أمامي.

«أن الشخص الذي فتح الحساب استخدم نسخة من بطاقة هويتك.»

حدقت في الورقة.

كانت بياناتي صحيحة.

لكنني لم أكن قد فتحت أي حساب من هذا النوع.

ثم رأيت توقيعًا في أسفل الصفحة.

لم يكن توقيعي.

كان قريبًا منه بشكل مخيف.

قلت:

«من فعل هذا؟»

همست سارة:

«أعتقد أن والد أحمد هو من فعل ذلك.»

وقبل أن أتمكن من الرد، سمعنا صوت سيارة تقترب بسرعة.

رفعت سارة رأسها.

«إنهم هنا.»

«من؟»

«لا أعرف.»

أغلقت الحقيبة بسرعة.

ثم قالت:

«لكن أحمد كان يتوقع حدوث هذا.»

أخرجت هاتفها وأظهرت لي تسجيلًا صوتيًا.

كان صوت أحمد.

سمعته يقول:

«إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة، فهذا يعني أنني فشلت في إيقافهم.»

ثم توقف التسجيل لثوانٍ.

وعاد صوته:

«هناك حقيقة لم أخبر زوجتي بها طوال ثماني سنوات.»

نظرت إلى سارة.

ثم ضغطت على زر التشغيل.

وجاءت الجملة التي قلبت كل شيء:

«زوجتي لم تكن ضحية في هذه القصة… كانت الهدف منذ البداية.»

وفي اللحظة نفسها، انطفأت أضواء موقف السيارات بالكامل.

وسمعنا صوت باب سيارة يُغلق خلفنا.

ثم صوت رجل يقول:

«أعطونا الحقيبة… ولن يحدث لكما شيء.»

نظرت إلى سارة.

وكانت تعرف، مثلي تمامًا، أن الوقت انتهى.

يتبع…
الجزء الرابع

توقفت أنفاسي عندما سمعت صوت الرجل خلفنا.

«أعطونا الحقيبة… ولن يحدث لكما شيء.»

ضممت الحقيبة إلى صدري.

همست لسارة:

«هل تعرفينه؟»

هزت رأسها بسرعة.

«لا.»

بدأ الرجل يقترب.

كان موقف السيارات مظلمًا تمامًا، ولم يكن بإمكاني رؤية وجهه.

قلت بصوت مرتفع:

«إذا كنت تريد الحقيبة، فلماذا لا تأتي وتأخذها بنفسك؟»

ضحك.

«لأنني لا أريد أن أؤذيك.»

قلت:

«لكنني لا أصدقك.»

وفجأة أضاءت سيارة كانت متوقفة على الجانب الآخر.

ظهر رجلان.

أحدهما اتجه نحونا، بينما بقي الآخر قرب السيارة.

في تلك اللحظة، أدركت أن لدينا فرصة واحدة فقط.

أمسكت يد سارة وركضنا باتجاه مدخل المستشفى.

سمعت أحدهما يصرخ:

«أوقفوهما!»

ركضنا بأقصى سرعة.

وصلنا إلى الباب الزجاجي، ودخلنا إلى الردهة.

كان الأمن موجودًا، وعندما رأونا نركض، اقترب منا أحد الحراس.

قالت سارة بسرعة:

«هناك أشخاص يطاا!»

بعد دقائق، وصلت الشرطة.

لكن الرجلين كانا قد اختفيا.

—

عدت إلى غرفة أحمد.

كان مستيقظًا.

وعندما رآني، قال:

«لقد وجدتم الملف.»

«نعم.»

نظر إلى سارة.

ثم قال:

«كنت أتمنى ألا تريه.»

قلت:

«أنا رأيت أكثر مما ينبغي أن أراه خلال ليلة واحدة.»

ثم وضعت الحقيبة أمامه.

«والآن ستخبرني بكل شيء.»

سكت أحمد.

ثم قال:

«قبل ثماني سنوات، لم أتزوجك صدفة.»

شعرت وكأن شيئًا انكسر بداخلي.

«ماذا تعني؟»

«كنت أعرف من أنتِ قبل أن نتزوج.»

«ومن أنا؟»

أجاب:

«أنتِ ابنة الرجل الذي كان شريكًا لوالدي.»

تجمدت.

لم أكن أعرف أن والدي كان شريكًا في أي شركة.

كان والدي قد توفي قبل سنوات طويلة، وكنت أعتقد أن عمله اقتصر على تجارة صغيرة.

تابع أحمد:

«والدي وخالك كانا يديران شركة استثمارية معًا. ثم حدث خلاف كبير بينهما.»

قلت:

«وأين أبي في كل هذا؟»

خفض أحمد عينيه.

«والدك اكتشف أن والدي كان يحول أموالًا من الشركة إلى حسابات سرية.»

شعرت بالدوار.

«وماذا حدث بعد ذلك؟»

«والدك هدد بكشف كل شيء.»

«ثم؟»

سكت.

قلت:

«ثم ماذا؟»

قال:

«اختفى الملف.»

نظرت إليه.

«أي ملف؟»

«الملف الأصلي الذي يحتوي على كل الأدلة.»

قلت:

«وهل كان أبي يعرف مكانه؟»

«نعم.»

«وأنت؟»

«عرفت جزءًا من الحقيقة بعد زواجنا.»

حدقت فيه بغضب.

«إذن تزوجتني لهذا السبب؟»

أجاب بسرعة:

«في البداية… نعم.»

شعرت بأن قلبي ينهار.

لكنه تابع:

«لكنني أحببتك بعد ذلك.»

لم أجب.

كان من الصعب أن أصدق كلمة واحدة.

قال:

«كنت أريد أن أحميك.»

ضحكت بمرارة.

«تحميني؟ طوال ثماني سنوات وأنت تكذب عليّ؟»

«لأن والدي كان يراقبك.»

«وأنت جعلتني أبدو أمامه وكأنني لا أفهم شيئًا.»

أومأ.

«كنت أعتقد أن ذلك سيجعلك أكثر أمانًا.»

نظرت إلى الحقيبة.

«وماذا عن الحساب رقم 17؟»

أجاب:

«هو الحساب الذي كان والدك يستخدمه قبل وفاته.»

«لكنني قلت إنني لم أفتحه.»

«أعرف.»

«إذن لماذا يحمل اسمي؟»

صمت أحمد.

ثم قال:

«لأن والدك وضع شيئًا بداخله قبل أن يموت.»

«ماذا؟»

قال:

«صندوق أمانات.»

«أين؟»

نظر إليّ مباشرة.

«في بنك قديم وسط القاهرة.»

—

في صباح اليوم التالي، خرج أحمد من المستشفى تحت المراقبة الطبية.

لم نذهب إلى المنزل.

ذهبنا مباشرة إلى البنك.

كان معي سارة وأحمد.

وعندما وصلنا إلى الخزينة، قدمت للموظف الأوراق المطلوبة.

وبعد دقائق، وضع أمامي صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

فتحته بيدين مرتجفتين.

في الداخل كان هناك ظرف بني قديم.

وعليه اسم واحد:

«إلى ابنتي.»

لم أستطع فتحه فورًا.

كنت أحدق في خط والدي.

خط أعرفه جيدًا.

فتحت الظرف.

كان بداخله خطاب قصير.

بدأت أقرأ:

«ابنتي، إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة وأنا على قيد الحياة.»

توقفت دموعي.

تابعت:

«لا تثقي في فؤاد.»

نظرت إلى أحمد.

ثم أكملت.

«لكنه ليس الشخص الوحيد الذي يجب أن تخافي منه.»

في أسفل الرسالة كانت هناك جملة أخيرة:

«الشخص الذي سرق أموالي ليس من عائلة أحمد… بل شخص قريب منكِ جدًا.»

رفعت رأسي ببطء.

نظر إليّ أحمد.

ثم سارة.

وفجأة رن هاتفي.

كان رقمًا مجهولًا.

أجبت.

جاءني صوت امرأة أعرفه جيدًا.

صوت جعل الدم يتجمد في عروقي.

قالت:

«لا تبحثي أكثر.»

عرفت الصوت فورًا.

كانت نادية، حماتي.

لكنها لم تكن وحدها.

سمعت صوت رجل بجانبها.

ثم قالت:

«لأنك إذا فتحتِ الصندوق الثاني… ستعرفين من قتل والدك.»

وانقطع الاتصال.

نظرت إلى الصندوق المعدني.

«الصندوق الثاني؟»

نظر أحمد إلى الموظف.

فأجاب الموظف:

«هناك بالفعل صندوق آخر مسجل بنفس البيانات… لكنه يحتاج إلى موافقة خاصة لفتحه.»

ثم أضاف:

«والغريب أن طلب فتحه تم تسجيله منذ ثلاثة أيام.»

قبل أن نتمكن من الكلام، وصلتني رسالة جديدة.

كانت تحتوي على صورة للصندوق الثاني.

وتحت الصورة جملة واحدة:

«لقد سبقناك إليه.»

وهنا أدركت أن الشخص الذي كنا نطارده…

كان يعرف كل خطواتنا قبل أن نقوم بها.

يتبع…
الجزء قبل الأخير

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى