قصص وروايات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني — ذاكرة المحاسب تكشف المستور

كان مكتب المحامي مروان الشاذلي هادئًا بشكل مخيف عندما دخل الرجل.

كان في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة رمادية قديمة ويحمل حقيبة جلدية سوداء.

لم أعرفه.

لكن مروان عرفه فورًا.

نهض من خلف مكتبه وقال:

«أستاذ فؤاد… لم أتوقع رؤيتك هنا.»

وضع الرجل الحقيبة على الطاولة.

«لأنني لم أكن أستطيع القدوم قبل الآن.»

نظرت إليه.

«من أنت؟»

أجاب:

«فؤاد ناصف. كنت كبير المحاسبين في مجموعة الراوي لمدة اثنتي عشرة سنة.»

شعرت بشيء بارد يسري في ظهري.

مروان فتح الحقيبة.

«وماذا أحضرت؟»

أخرج فؤاد ذاكرة إلكترونية صغيرة.

«كل ما كان آدم يخشى أن يظهر.»

لم أتحدث.

حتى نور، التي كانت تجلس في الزاوية ترسم في دفترها، رفعت رأسها.

قال فؤاد:

«أنا لم أسرقها. كنت أحتفظ بنسخ احتياطية من سجلات الشركة لأنني كنت أعرف أن بعض الأرقام ستختفي يومًا ما.»

سألته:

«ما الذي وجدته؟»

نظر إليّ مباشرة.

«أموال.»

ثم أضاف:

«أموال كثيرة.»

فتح مروان جهاز الكمبيوتر ووصل الذاكرة.

ظهرت عشرات المجلدات.

تحويلات بنكية.

فواتير.

عقود.

أسماء شركات لم أسمع بها من قبل.

لكن اسمًا واحدًا تكرر في أكثر من ملف.

سارة منصور.

شعرت بمعدتي تنقبض.

قلت:

«ما علاقتها بالشركة؟»

أجاب فؤاد:

«رسميًا؟ لا شيء.»

ثم فتح ملفًا آخر.

«لكنها حصلت على ملايين الجنيهات عبر شركات مسجلة بأسماء أشخاص آخرين.»

حدقت في الشاشة.

«لماذا؟»

فؤاد تنهد.

«لأنها لم تكن مجرد ممرضة.»

ساد الصمت.

ثم قال:

«كانت شريكة سرية في واحدة من أكبر عمليات تحويل الأموال داخل الشركة.»

تبادل مروان وأنا النظرات.

سألت:

«وهل آدم يعرف؟»

ابتسم فؤاد ابتسامة حزينة.

«آدم هو من أعطى الأوامر.»

لم أكن مستعدة للجملة التالية.

«لكن المشكلة ليست الأموال فقط.»

توقف.

«هناك شيء آخر.»

مال مروان إلى الأمام.

«ما هو؟»

فتح فؤاد مجلدًا يحمل تاريخًا يعود إلى عشر سنوات.

ثم ظهرت على الشاشة سجلات عيادة خاصة.

أسماء.

مواعيد.

دفعات.

وتقارير طبية.

شعرت بقلبي يتوقف.

قلت:

«هذه عيادة الخصوبة.»

أومأ فؤاد.

«نعم.»

قلب مروان الصفحات الرقمية.

ثم وجدنا ما كنا نبحث عنه.

ملف سليم.

ثم ياسين.

ثم كريم.

كل طفل كان له سجل منفصل.

لكن اسم الأم لم يكن اسمي.

كان اسمًا واحدًا.

سارة منصور.

وضعت يدي على فمي.

كنت أعرف الحقيقة.

لكن رؤيتها مكتوبة على الشاشة جعلتها أكثر قسوة.

سأل مروان:

«كيف حصل آدم على شهادات الميلاد؟»

أجاب فؤاد:

«كان هناك طبيب متعاون معهم.»

ثم أضاف:

«والدته كانت تعرف.»

ضحكت بمرارة.

«طبعًا كانت تعرف.»

لكن فؤاد لم ينتهِ.

فتح ملفًا آخر.

وقال:

«هناك شيء أسوأ.»

ظهر مستند قديم.

كان عبارة عن عقد.

قرأت أول سطر.

ثم شعرت بأن الغرفة تضيق حولي.

كان العقد ينص على أن سارة وافقت على التنازل عن أي حقوق قانونية تجاه الأطفال، مقابل مبلغ مالي كبير.

لكن في أسفل الصفحة كان هناك توقيع آخر.

نوال الراوي.

قال مروان:

«إذن كانت الخطة معدة منذ البداية.»

أومأ فؤاد.

«نعم.»

ثم نظر إليّ.

«لكن هناك سببًا جعلهم يخفون الحقيقة عنك.»

سألته:

«ما السبب؟»

قال:

«نور.»

تجمدت.

«ماذا عن ابنتي؟»

نظر فؤاد إلى مروان.

ثم قال:

«نور لم تكن ضمن الخطة.»

شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

«ماذا تقصد؟»

«عندما حملتِ بها، حاول آدم إقناعك بإنهاء الحمل.»

حدقت فيه.

«ماذا؟»

«نوال كانت غاضبة جدًا لأن الطفل فتاة.»

تذكرت تلك الفترة.

كنت أتذكر أن آدم أصبح باردًا معي فجأة.

كان يختفي لساعات.

وكانت نوال تتصل بي باستمرار وتسألني عن الطبيب.

لكنني لم أفهم السبب.

قال فؤاد:

«لكن آدم اكتشف شيئًا.»

«ماذا؟»

«أن نور قد تكون مهمة جدًا بالنسبة لهم.»

سأل مروان:

«لماذا؟»

فتح فؤاد ملفًا آخر.

كان يحتوي على أوراق ملكية وأسهم.

«لأن والدك كان يملك حصة قديمة في شركة الراوي.»

توقفت أنفاسي.

«والدي؟»

«نعم.»

قلت:

«والدي توفي قبل سنوات. لم يكن يملك شيئًا عندما تزوجت آدم.»

هز فؤاد رأسه.

«هذا ما جعلوك تصدقينه.»

فتح مستندًا.

«قبل وفاته، والدك أنشأ صندوقًا استثماريًا باسم طفل لم يكن قد وُلد بعد.»

نظرت إليه.

«طفل؟»

«نعم. والشرط الوحيد للحصول على الأموال كان أن يكون الطفل ابنك البيولوجي.»

شعرت بقشعريرة.

«وماذا كانت قيمة الصندوق؟»

نظر فؤاد إلى مروان.

ثم قال الرقم.

مليار جنيه تقريبًا.

لم أستطع الكلام.

كنت أعتقد طوال حياتي أنني خرجت من زواجي بلا مال.

لكن الحقيقة كانت أن هناك ثروة كاملة مرتبطة بابنتي.

ثروة لم يخبرني بها أحد.

والآن فهمت.

لم يكن آدم يريد التخلص مني فقط.

كان يريد السيطرة على نور.

لأن السيطرة عليها تعني السيطرة على المال.

لكن لماذا انتظر كل هذه السنوات؟

كان مروان يفكر في الشيء نفسه.

سأل فؤاد:

«لماذا الآن؟»

أجاب:

«لأن الصندوق أصبح مستحقًا عندما بلغت نور الخامسة.»

نظرت إلى ابنتي.

كانت لا تزال ترسم.

لا تعرف أن حياتها كانت سببًا في كل هذا.

قلت بصوت منخفض:

«ولهذا حاولوا أخذها من الحضانة.»

أومأ فؤاد.

«ولهذا رفع آدم دعوى الحضانة بسرعة.»

ثم أضاف:

«وليس هذا كل شيء.»

رفع ملفًا أخيرًا.

«آدم لم يكن يريد حضانة نور فقط.»

توقفت.

«ماذا كان يريد؟»

قال فؤاد:

«كان يريد أن يثبت أمام المحكمة أنك غير مستقرة ماليًا وغير قادرة على رعايتها.»

ضحكت.

«حتى يحصل على الحضانة.»

«بالضبط.»

«ثم ماذا؟»

نظر إليّ.

«ثم يصبح هو الوصي على أموالها.»

ساد الصمت.

شعرت بالغضب يتصاعد داخلي.

كل شيء أصبح واضحًا الآن.

الطلاق.

التهديد.

محاولة أخذ نور.

حملة التشويه.

كل شيء كان جزءًا من خطة واحدة.

لكنني كنت أملك شيئًا لم يعرفوا أنه موجود.

بطاقة الذاكرة.

وشهادة فؤاد.

وتقارير الحمض النووي.

وقصة كاملة يستطيع أي محامٍ ذكي تحويلها إلى كابوس لعائلة الراوي.

لكن مروان قال:

«ليلى، لا تتسرعي.»

نظرت إليه.

«لماذا؟»

قال:

«لأننا لا نملك بعد الدليل الذي يمكن أن يسقطهم جميعًا.»

سألته:

«ما هو؟»

أجاب:

«نحتاج إلى إثبات أن آدم ونوال كانا يعلمان أن الأولاد ليسوا أبناءك.»

ثم نظر إلى الشاشة.

«ونحتاج إلى إثبات أن الطلاق الحالي مرتبط بمحاولة السيطرة على أموال نور.»

ابتسمت رغم غضبي.

«إذن علينا أن نجعلهم يتحدثون.»

قال مروان:

«بالضبط.»

في تلك الليلة، عدت إلى شقتي.

وجدت ظرفًا أبيض أسفل الباب.

لم يكن عليه اسم.

فتحته.

كانت بداخله صورة واحدة.

صورة قديمة لي وأنا أحمل سليم عندما كان رضيعًا.

وفي ظهر الصورة جملة مكتوبة بخط اليد:

«إذا أردتِ معرفة من أنجب أطفالك فعلًا، تعالي وحدك.»

كان هناك عنوان أسفلها.

مكان مهجور في أطراف القاهرة.

نظرت إلى الصورة طويلًا.

ثم اتصلت بمروان.

قلت:

«لن أذهب وحدي.»

سألني:

«هل تعرفين من أرسلها؟»

«لا.»

«إذن لا تذهبي.»

نظرت إلى نور النائمة في الغرفة المجاورة.

ثم قلت:

«مروان… أعتقد أن الشخص الذي أرسلها يعرف سرًا أكبر من موضوع الأطفال.»

صمت.

ثم سأل:

«ماذا تقصدين؟»

قلت:

«أعتقد أن هناك شخصًا آخر داخل عائلة الراوي يعرف كل شيء.»

وفي صباح اليوم التالي…

وصلتني رسالة من رقم مجهول.

كانت تحتوي على سبع كلمات فقط:

«آدم ليس والد كريم البيولوجي.»

وهنا أدركت أن قصة الحمض النووي لم تنتهِ بعد.

بل كانت قد بدأت للتو…

يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث — الحقيقة التي أخفاها آدم

قرأت الرسالة أكثر من مرة.

«آدم ليس والد كريم البيولوجي.»

كانت يداي ترتجفان.

إذا كان هذا صحيحًا، فالأمر لم يعد مجرد خيانة أو احتيال مالي.

كان هناك شيء أكبر بكثير.

اتصلت بمروان فورًا.

أجبته قبل أن ينتهي الرنين الثاني.

«مروان، وصلني شيء غريب.»

«ماذا؟»

قرأت له الرسالة.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال:

«لا تردي على الرقم.»

«لماذا؟»

«لأننا لا نعرف من يقف خلفه.»

«لكنه يعرف شيئًا.»

«وهذا بالضبط ما يجعل الأمر خطيرًا.»

في اليوم نفسه، طلب مروان من خبير خاص تتبع الرقم.

بعد ساعات، اتصل بنا.

قال:

«الرقم غير مسجل باسم حقيقي، لكنه استُخدم من شبكة إنترنت داخل مبنى واحد.»

سألته:

«أي مبنى؟»

أجاب:

«مستشفى النيل الدولي.»

تجمدت.

ذلك هو المستشفى الذي وُلد فيه كريم.

نظر مروان إليّ.

«سنحتاج إلى سجلات الولادة الأصلية.»

في صباح اليوم التالي، ذهبنا إلى المستشفى.

لكن المفاجأة كانت أن الملف الطبي الخاص بكريم لم يعد موجودًا في النظام الإلكتروني.

قيل لنا إنه تم أرشفته منذ سنوات.

طلب مروان النسخة الورقية.

اختفت أيضًا.

قال الموظف:

«ربما تم نقلها إلى الأرشيف المركزي.»

لكن عندما بحثنا هناك…

لا شيء.

خرجنا من المستشفى وأنا أشعر أنني أطارد شبحًا.

ثم رن هاتف مروان.

كان فؤاد.

قال:

«وجدت شيئًا.»

عدنا إلى مكتبه.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى