
الجزء الثاني
لم أكن بحاجة إلى أن أنظر من النافذة لأعرف أن السيارات وصلت.
كنت أعرف صوت محركات المركبات العسكرية جيدًا.
توقفت عن رفع حقيبتي للحظة، وأصغيت.
هدير ثقيل.
ثم صوت فرامل.
ثم أبواب تُفتح في الخارج تباعًا.
واحدًا تلو الآخر.
نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط.
كانت 5:47 صباحًا.
قال كريم بانزعاج:
“ما هذا؟ هل لديكم مشكلة هنا؟”
هز حماي كتفيه وقال:
“ربما دورية عسكرية أو شيء من هذا القبيل.”
لكن وجه حماتي تغير فجأة.
كانت تعرف أن هذا المنزل لم يكن قريبًا من أي قاعدة عسكرية.
وقبل أن يتمكن أحد من قول شيء، دوّى طرق قوي على الباب الرئيسي.
ثلاث طرقات متتالية.
تبعها صوت رجل حازم:
“القيادة العسكرية! افتحوا الباب.”
تبادل الجميع النظرات.
قال كريم:
“القيادة العسكرية؟”
ثم نظر إليّ بسخرية.
“هل زوجك كان لديه أصدقاء في الجيش جاءوا لتقديم العزاء؟”
لم أجب.
كنت أعرف بالضبط من يقف خلف الباب.
دخل حماي إلى غرفة المعيشة وفتح الباب.
وما إن فتحه حتى تجمد في مكانه.
كان هناك أكثر من عشر مركبات عسكرية متوقفة أمام المنزل.
مدرعات سوداء.
سيارات قيادة.
وعشرات الجنود يرتدون الزي الرسمي.
وفي مقدمتهم كان يقف لواء معروف لدى كل من خدم في القيادة الجنوبية.
اللواء ياسر الشاذلي.
كان يحمل ملفًا أسود في يده.
وما إن رأى حماي حتى قال:
“أين العقيد ليلى المنصوري؟”
ساد الصمت.
نظر حماي إليه باستغراب.
“العقيد… من؟”
رفع اللواء عينيه نحوي.
كنت أقف في نهاية الممر، ممسكة بحقيبتي.
عندها تقدم خطوة وقال بصوت واضح:
“العقيد ليلى المنصوري.”
ثم أدى التحية العسكرية أمام الجميع.
تغيرت ملامح وجوههم في لحظة واحدة.
سقطت ابتسامة كريم.
شهقت سارة.
أما حماتي، فحدقت فيّ وكأنها ترى شخصًا آخر للمرة الأولى.
قال حماي بتلعثم:
“هذه… هذه زوجة ابني.”
أجاب اللواء:
“أعرف.”
ثم أضاف:
“وهي أيضًا واحدة من أعلى الضباط رتبة في وحدتنا.”
لم ينطق أحد.
حدقت حماتي في ملابسي البسيطة، ثم في حقيبتي، ثم عادت لتنظر إلى الجنود المنتشرين أمام المنزل.
قالت بصوت مرتجف:
“لكن… ليلى تعمل في وظيفة حكومية.”
نظرت إليها بهدوء.
“هذا ما كنت أسمح لكم بمعرفته.”
اقترب كريم من الباب وقال:
“انتظروا لحظة. هل تقولون إنها ضابطة؟”
نظر إليه أحد الضباط بصرامة.
“ليس مجرد ضابطة.”
ثم أضاف:
“عليك أن تختار كلماتك بعناية.”
ابتلع كريم ريقه.
لأول مرة منذ وصوله إلى المنزل، لم يجد شيئًا يقوله.
أما سارة، فتقدمت نحوي بسرعة.
“لماذا لم تخبرينا؟”
نظرت إليها.
“هل كنتِ ستعاملينني بشكل مختلف لو عرفتِ؟”
فتحت فمها، لكنها لم تجد إجابة.
كنت أعرف الإجابة بالفعل.
ولهذا السبب لم أخبرهم.
في السنوات الماضية، كنت أعود من مهام شاقة وأجلس معهم على مائدة الطعام دون أن يعرفوا أين كنت.
كنت أرتدي ملابس عادية.
أتحدث بهدوء.
وأدعهم يعتقدون أن حياتي بسيطة.
لم يكن ذلك خوفًا منهم.
بل كان احترامًا للسرية.
لكن الآن…
لم يعد هناك سبب لإخفاء شيء.
تقدم اللواء ياسر نحوي.
“سيدتي العقيد، السيارة جاهزة.”
ثم نظر إلى بطني وقال:
“هل تحتاجين إلى مساعدة؟”
هززت رأسي.
“أنا بخير.”
لكن حماتي قاطعته:
“إلى أين ستذهب؟”
نظرت إليها.
“إلى مقر الإقامة الذي خصصته لي القيادة.”
قالت بسرعة:
“لكن… هذه غرفة ابننا. وهذا منزله.”
ساد الصمت.
ثم أجبتها بهدوء:
“بالضبط.”
وأخرجت من حقيبتي ملفًا صغيرًا.
فتحته أمامها.
كانت هناك أوراق ملكية رسمية.
قلت:
“المنزل مسجل باسمي وباسم زوجي. وبعد وفاته، أصبحت حصتي القانونية واضحة.”
ثم أغلقت الملف.
“لكنني لم آتِ لأطرد أحدًا.”
ارتاحت ملامحها قليلًا.
ثم أكملت:
“أنا فقط لن أسمح لأحد بطردي من منزلي.”
خفضت سارة رأسها.
أما كريم، فظل واقفًا بلا حركة.
ثم قال بصوت منخفض:
“لم نكن نعرف.”
نظرت إليه.
“وهذه كانت مشكلتكم.”
تقدم أحد الجنود وأخذ حقيبتي.
ثم فتح لي أحد الضباط باب السيارة.
قبل أن أخرج، التفتُّ نحوهم للمرة الأخيرة.
لم أشعر بالانتصار.
ولم أشعر بالرغبة في الانتقام.
كنت أشعر بشيء آخر.
الراحة.
لأنني كنت أخيرًا أغادر المكان الذي عشت فيه سبعة أشهر وأنا أحاول أن أدفن حزني وحدي.
لكن قبل أن أضع قدمي خارج الباب، اقترب اللواء ياسر مني وقال بصوت خافت:
“هناك أمر آخر.”
توقفت.
“ماذا؟”
نظر إلى الملف الموجود في يده.
“وجدنا شيئًا أثناء مراجعة ملفات زوجك بعد وفاته.”
تغيرت ملامحي.
“ما هو؟”
قال:
“هناك تفاصيل في الأيام الأخيرة من حياة زوجك لا تتطابق مع التقرير الرسمي.”
شعرت بقلبي يتوقف للحظة.
نظرت إليه مباشرة.
“ماذا تقصد؟”
أجاب:
“نعتقد أن وفاته لم تكن حادثًا كما قيل لنا.”
ثم أضاف:
“ولدينا سبب يجعلنا نعتقد أن شخصًا قريبًا جدًا منه كان يعرف شيئًا.”
نظرت خلفي إلى أفراد عائلة زوجي.
حماتي.
حماي.
سارة.
وكريم.
ثم عاد بصري إلى اللواء.
قلت:
“أريد أن أرى الملف.”
فتح اللواء الباب الخلفي للسيارة.
“كنت أعرف أنك ستطلبين ذلك.”
دخلت السيارة.
لكنني قبل أن أغلق الباب، ألقيت نظرة أخيرة على المنزل.
هذه المرة لم أكن أغادر فقط لأنهم طردوني.
كنت أغادر لأنني بدأت أشك في أن موت زوجي لم يكن نهاية قصته…
بل بداية الحقيقة.
الجزء الثالث
لم تتوقف السيارة أمام مقر القيادة مباشرة.
بدلًا من ذلك، اتجهت إلى مبنى أمني معزول في أطراف القاهرة، بعيدًا عن حركة المدينة.
كنت أجلس في المقعد الخلفي، واللواء ياسر إلى جواري.
لم يتحدث طوال الطريق.
وهذا وحده كان كافيًا ليؤكد أن الأمر أخطر مما تخيلت.
بعد نحو أربعين دقيقة، توقفت السيارة أمام بوابة إلكترونية ضخمة.
اقترب أحد الحراس.
تحقق من هويتي.
ثم انفتح الباب فورًا.
دخلنا.
لم يكن المكان يشبه أي مقر عسكري عادي.
كان هادئًا بشكل مخيف.
وبمجرد وصولنا إلى الطابق السفلي، دخلنا غرفة اجتماعات صغيرة.
وضع اللواء ملفًا بنيًا على الطاولة.
ثم قال:
“هذا الملف لم يكن من المفترض أن يصل إليك بهذه الطريقة.”
جلست أمامه.
“ابدأ.”
فتح الملف.
كانت الصفحة الأولى تحمل اسم زوجي:
العقيد السابق آدم المنصوري.
مررت أصابعي على اسمه.
للحظة، عاد كل شيء إلى ذهني.
ضحكته.
صوته.
طريقته في مناداتي.
ثم آخر مرة رأيته فيها.
كان قبل وفاته بيومين فقط.
قال لي وقتها:
“ليلى… إذا حدث لي شيء، لا تثقي بكل ما تسمعينه.”
كنت قد ضحكت حينها.
ظننت أنه يتحدث عن طبيعة عمله.
الآن فقط فهمت معنى كلماته.
قلت:
“ماذا وجدتم؟”
أخرج اللواء صورة من الملف.
كانت صورة لسيارة زوجي.
“هذه السيارة التي وقع بها الحادث.”
نظرت إليها.
“نعم.”
قال:
“التقرير الرسمي يقول إن السيارة انحرفت بسبب خلل في نظام الفرامل.”
سألته:
“وهذا غير صحيح؟”
هز رأسه.
“الفني الذي أعاد فحص السيارة اكتشف أن نظام الفرامل لم يكن معطلًا.”
توقفت أنفاسي.
“إذن ماذا حدث؟”
أخرج ورقة أخرى.
“تم العبث به.”
حدقت فيه.
“متى؟”
قال:
“قبل الحادث بوقت قصير.”
ساد الصمت.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
ثم سألت:
“هل تعرفون من فعل ذلك؟”
أجاب:
“ليس بعد.”
“لكنكم تشكون في شخص.”
لم يجب فورًا.
وهذا كان جوابًا بحد ذاته.
قلت:
“من؟”
فتح صفحة أخرى.
كان هناك سجل لمكالمات هاتفية.
ثلاثة أرقام.
أحدها كان رقم زوجي.
والثاني رقم غير مسجل.
أما الثالث…
فتجمدت عندما رأيته.
كان رقم كريم.
زوج شقيقة زوجي.
قلت:
“كريم؟”
أومأ اللواء.
“كانت هناك عدة مكالمات بينه وبين زوجك خلال الأسبوع الأخير.”
قلت بسرعة:
“لم يخبرني آدم بذلك.”
“ربما لأنه لم يرد أن يقلقك.”
ثم أضاف:
“لكن هناك شيء أكثر إثارة للقلق.”
أخرج تسجيلًا صوتيًا.
وضع الهاتف على الطاولة.
ضغط تشغيل.
سمعت صوت زوجي.
كان متوترًا.
“قلت لك إنني لن أفعلها.”
ثم جاء صوت رجل آخر.
لم أتعرف عليه في البداية.
قال:
“أنت لا تفهم ما الذي ستخسره.”
ثم انتهى التسجيل.
نظرت إلى اللواء.
“من صاحب الصوت؟”
قال:
“نحن نعمل على تحديد هويته.”
أعدت الاستماع إلى المقطع.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم توقفت.
كان هناك شيء مألوف في نبرة الرجل.
لكنني لم أستطع تحديده.
قلت:
“أين سجل هذا؟”
“هاتف زوجك.”
“ومتى؟”
“قبل وفاته بثلاثة أيام.”
وضعت يدي على بطني.
كان طفلي يتحرك.
شعرت بحركته الصغيرة تحت يدي.
وفجأة، لم يعد الأمر يتعلق بي وحدي.
قلت:
“أريد كل شيء.”
نظر إليّ اللواء.
“كل شيء؟”
“كل تسجيل، كل مكالمة، كل تحويل مالي، كل رسالة، وكل شخص تحدث معه زوجي خلال الشهر الأخير.”
صمت لحظة.
ثم قال:
“هذا بالضبط ما توقعناه منك.”




