منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء قبل الأخير: الوثيقة اللي قلبت حياة الحاج فؤاد رأسًا على عقب

أربع سنين عدّوا من اليوم اللي داليا خرجت فيه من القاهرة وهي شايلة طفلها اللي لسه في بطنها، ومش عارفة الأيام مخبّية لها إيه.

لكن الحياة اللي افتكرت إنها هتبدأها من الصفر، كانت في الحقيقة بداية لحكاية جديدة ما كانتش تتخيلها.

وصلت داليا لقرية هادية في جنوب سيناء، وبدأت من جديد. اشتغلت في معمل صغير تابع لمركز طبي، وعاشت هي وابنها يوسف في بيت متواضع بالإيجار.

يوسف كان نور حياتها. كل ما تبص في عينيه، تحس إن ربنا عوّضها عن كل لحظة صعبة مرت بيها.

كانت بتشتغل الصبح، وتذاكر بالليل، وتوفر من مرتبها كل جنيه تقدر تحوشه. ما طلبتش مساعدة من أحمد، وما استخدمتش الفلوس اللي سابها له أبوه علشان يشتري سكوتها.

الظرف اللي أخدته من الكافيه فضل مقفول في درج قديم، لحد ما قررت إنها لازم تعرف الحقيقة كاملة.

لكن حياتها اتغيرت لما قابلت راجل كبير اسمه عم صابر، كان عنده أرض واسعة على أطراف القرية، وبيت قديم محتاج ترميم.

كان عم صابر بيدور على حد يشتري منه جزءًا من الأرض، بعدما قرر يسافر يعيش مع بنته في القاهرة.

داليا كانت بتعدي من هناك كل يوم وهي رايحة شغلها، ولفت نظرها البيت القديم والأرض اللي حواليه.

سألته عن السعر، ولما عرفت إنه محتاج يبيع بسرعة، قررت تخاطر بكل اللي جمعته.

باعت شوية دهب كانت أمها سايباه لها، واستخدمت مدخراتها، واتفقت مع عم صابر على شراء البيت والأرض بعقد رسمي، بعد ما اتأكدت من سلامة الأوراق وسجلت الملكية بالطريقة القانونية.

ما كانش البيت فخم، لكنه كان أول مكان في حياتها تحس إنه ملكها فعلًا، وإن محدش يقدر يطردها منه بكلمة واحدة.

ومع مرور الوقت، بدأت داليا تطور المكان. رممت البيت، وافتتحت معمل تحاليل صغيرًا بالتعاون مع طبيب مرخص، وبعدها دخلت في شراكة مع مستثمر محلي لتطوير جزء من الأرض وتحويله لمشروع إقامة ريفية يستقبل الزوار.

كانت بتشتغل بجد، وسمعتها الطيبة بدأت تنتشر في المنطقة.

وبعد أربع سنين، بقت داليا صاحبة مشروع ناجح، واسمها معروف في القرية والمناطق القريبة منها.

لكن كان فيه سر لسه مستني اللحظة المناسبة علشان يظهر.

الملف القديم اللي ورثته عن أمها.

في ليلة هادية، وهي بترتب حاجات أمها، لقت ظرفًا صغيرًا مدسوسًا بين ورقتين قديمتين. كان عليه ختم باهت، وتاريخ يرجع لأربعة وعشرين سنة.

فتحت الظرف بحذر.

جواه صورة قديمة لأمها وهي شابة، واقفة جنب راجل لابس بدلة رسمية، وورقة عليها توقيعات وأختام قانونية.

داليا قلبت الورقة وبدأت تقرأ.

كل ما كانت تقرأ سطرًا، كانت ملامحها بتتغير.

الوثيقة كانت بتتكلم عن اتفاق قديم يتعلق بحصة في ملكية مجموعة طبية كبيرة، واتفاق لتأسيس شراكة باسم شخصين، مع بند بيحدد حقوق الورثة في حالة وفاة أحد الطرفين.

وفي آخر الصفحة، شافت اسمًا خلّى إيديها ترتعش.

فؤاد عبد الرحمن.

نفس اسم الرجل اللي طردها من القاهرة، ورفض علاقتها بابنه، وحاول يقنعها إنها تبعد عن حياته.

لكن إيه علاقة أمها بيه؟

وليه كانت الوثيقة مخبّية كل السنين دي؟

داليا ما نامتش الليلة دي. فضلت تقرأ الورقة وتراجع التواريخ، لحد ما لاحظت إن فيه رقمًا لعقد موثق وإشارة إلى ملف محفوظ في مكتب توثيق قديم.

تاني يوم، تواصلت مع محامية اسمها الأستاذة مريم، كانت معروفة في المنطقة بالأمانة والخبرة في قضايا الملكية والميراث.

عرضت عليها الوثيقة وكل الأوراق اللي ورثتها عن أمها.

المحامية قرأت المستندات أكثر من مرة، وبعدها رفعت عينيها لداليا وقالت:

— أنا مش هقدر أأكد لك حقوقك من الورقة دي لوحدها، لكن واضح إن فيه موضوعًا قديمًا لازم نتحقق منه رسميًا. لازم نراجع أصل العقد، وسجل الشركة، وأي مستندات مرتبطة بالاتفاق.

داليا سألتها بقلق:

— يعني ممكن يكون ليا حق عند الحاج فؤاد؟

ردت المحامية بحذر:

— ممكن، لكن ما ينفعش نوعد بحاجة قبل ما نشوف الأصول ونتأكد من صحتها. لو المستندات سليمة، هنقدر نعرف طبيعة الحق ومين أصحاب الحقوق الحاليين.

بدأت المحامية رحلة البحث في السجلات، وبعد أسابيع من المراجعة، وصلت لمستندات إضافية أكدت إن أم داليا، الحاجة زينب، كانت طرفًا في اتفاق قانوني قديم مرتبط بحصة مالية في مشروع طبي اتأسست عليه المجموعة اللي بيمتلكها الحاج فؤاد.

والأهم من كده، إن فيه مستندات بتشير إلى إن حقوقًا مالية مترتبة على الاتفاق ما زالت محل نزاع، وإن بعض تفاصيل الاتفاق لم تُنفذ بالشكل المطلوب.

داليا فضلت ساكتة وهي بتسمع كلام المحامية.

لأول مرة، بدأت تفهم ليه أمها عاشت سنين طويلة وهي شايلة همًا كبيرًا، وليه كانت بتطلب منها ما تتنازلش عن حقها.

لكنها ما كانتش عايزة تنتقم لمجرد الانتقام.

كانت عايزة تعرف الحقيقة، وتحافظ على حق أمها، وتضمن إن ابنها يعيش من غير ما حد يعامله باعتباره أقل من غيره.

وبعد ما اتجمعت المستندات الأساسية، قررت داليا تبدأ الإجراءات القانونية اللازمة، من غير ما تعلن لأي حد عن اللي اكتشفته.

كانت عارفة إن الحاج فؤاد عنده نفوذ وفلوس، وإنه مش هيقبل بسهولة إن حد يفتح ملفًا قديمًا ممكن يأثر على مصالحه.

لكنها ما كانتش تعرف إنه بدأ بالفعل يسمع أخبارًا عن سيدة أعمال جديدة ظهرت في جنوب سيناء، واشترت أرضًا مهمة، ورفضت تبيعها لشركة عقارية كبيرة.

الشركة دي كانت بتسعى للتوسع في المنطقة، ولما فشلت في إقناع داليا بالبيع، قرر أصحابها يبعثوا حد يتفاوض معاها بنفسه.

وكان الشخص اللي اختاروه هو الحاج فؤاد.

في صباح يوم مشمس، كانت داليا واقفة في شرفة بيتها الجديد، بتراقب يوسف وهو بيلعب في الحديقة.

سمعت صوت عربية فخمة بتقف قدام البوابة.

رفعت عينيها، وشافت راجلًا كبيرًا نازل منها، وبيتحرك بثقة وكأنه صاحب المكان.

في اللحظة اللي شافته فيها، رجعت لها ذكريات الكافيه، والظرف البني، وتذكرة السفر، والجملة اللي قالها لها من أربع سنين:

«خدي الفلوس دي واختفي من حياتنا للأبد».

كان هو.

الحاج فؤاد.

دخل من البوابة بعد ما طلب من الحارس يقابله، وهو متوقع إنه هيلاقي سيدة أعمال ممكن يقنعها بالفلوس والنفوذ، زي ما عمل مع ناس كتير قبليها.

لكن أول ما داليا خرجت لاستقباله، وقف مكانه للحظة.

بص لها من فوق لتحت، وحاول يخفي دهشته.

— إنتِ؟!

داليا ابتسمت ابتسامة هادية.

— أهلًا يا حاج فؤاد. اتفضل، البيت بيتك.

بص حواليه، وبعدين رجع بعينيه ليها.

— أنا مش جاي أزورك. أنا جاي أتكلم معاكي في موضوع الأرض دي. شركتي عندها مشروع كبير في المنطقة، وإحنا مستعدين ندفع لك مبلغًا محترمًا مقابل بيعها.

داليا ردت بهدوء:

— الأرض مش للبيع.

وشه اتغير.

— واضح إنك مش فاهمة حجم العرض اللي قدامك. أنا أقدر أخليكي تكسبي في الصفقة دي أكتر من اللي كسبتيه طول عمرك.

— وأنا قلت لحضرتك إن الأرض مش للبيع.

قرب منها خطوة وقال بنبرة متعالية:

— اسمعي يا داليا، أنا فاكر كويس إنتِ مين. وإنتِ كمان لازم تفتكري إنك زمان كنتِ مجرد موظفة عندي. ما تحاوليش تعملي نفسك سيدة أعمال كبيرة قدامي.

داليا بصت له من غير خوف.

— وأنا كمان فاكرة كويس اليوم اللي حضرتك قررت فيه إن كرامتي ليها تمن، وإنك تقدر تشتري سكوتي بشوية فلوس.

سكت الحاج فؤاد لحظة، وبعدها قال بحدة:

— إنتِ لسه شايلة الكلام ده في قلبك بعد أربع سنين؟ خدي بالك، الدنيا مش ماشية بالعواطف.

— عندك حق. علشان كده أنا بتعامل بالأوراق والقانون.

لأول مرة، لاحظ الحاج فؤاد إن داليا مش نفس البنت اللي سابها في الكافيه.

ما بقتش مرتبكة، ولا خايفة من كلامه.

كانت واقفة قدامه بثبات، كأنها مستنية اللحظة دي من سنين.

قال وهو بيحاول يرجع لأسلوبه القديم:

— أنا مش جاي أفتح مشاكل قديمة. عندي عرض، وإنتِ قدامك فرصة تستفيدي. فكري كويس قبل ما ترفضي.

داليا استأذنته يدخل المكتب الصغير الملحق بالبيت.

دخل وهو متوقع إنها هتبدأ تتفاوض على السعر.

لكنها راحت ناحية خزانة خشبية قديمة، وفتحت درجًا مقفولًا، وطلعت منه صندوقًا حديديًا صغيرًا.

حطته على المكتب، وفتحت القفل بمفتاح كانت محتفظة بيه.

الحاج فؤاد كان بيتابعها باستهزاء، لحد ما طلعت ورقة قديمة من الصندوق، وحطتها قدامه.

وقالت:

— قبل ما نتكلم عن بيع الأرض، فيه موضوع أهم لازم حضرتك تشوفه.

بص للورقة من غير اهتمام في البداية.

لكن لما شاف الختم، والتاريخ، والتوقيعات، اختفت الابتسامة من على وشه.

قرّب الورقة من عينيه، وبدأ يقرأ.

بعد ثوانٍ، إيده ارتعشت.

رفع عينيه لداليا، ووشه بقى شاحبًا.

— إنتِ جبتي الورقة دي منين؟!

داليا ردت بثبات:

— دي من أوراق أمي. واللي حضرتك كنت متأكد إنها اختفت للأبد.

حاول يقلب الورقة على ظهرها، كأنه بيدور على حاجة تثبت إن اللي قدامه مش حقيقي.

لكن داليا طلعت مستندًا تانيًا، وحطته جنبه.

— ودي نسخة من مستندات رسمية راجعناها، ولسه فيه إجراءات قانونية شغالة علشان نثبت كل الحقوق المرتبطة بالاتفاق القديم.

الحاج فؤاد وقف فجأة، والكرسي اتحرك لورا بصوت واضح.

— مستحيل! المستندات دي كان المفروض ما تظهرش تاني!

داليا ما ردتش.

الكلمة اللي قالها كانت كفاية علشان تعرف إنه مش بيتفاجئ من وجود ورقة قديمة وبس، لكنه عارف قصتها كويس جدًا.

بص لها بنظرة مختلفة تمامًا، وسألها بصوت منخفض:

— إنتِ عارفة أمك كانت مين فعلًا؟

داليا حسّت بقلبها بيدق بسرعة، لكنها ما أظهرتش خوفها.

— أنا جيت هنا علشان أسمع الإجابة منك.

الحاج فؤاد فتح بقه علشان يتكلم، لكنه سكت لما لمح صورة أمها القديمة فوق المكتب، جنب الوثيقة.

الصورة كانت بتجمع الحاجة زينب براجل تاني، والراجل ده كان معروفًا في عالم الأعمال من سنين طويلة.

وفجأة، سمعوا صوت طفل من بره بينادي:

— ماما داليا! ماما، الراجل ده مين؟

يوسف دخل المكتب بخطوات صغيرة، ووقف جنب أمه.

الحاج فؤاد بص للطفل، وبعدها رجع بص لداليا.

ملامح الطفل، وعينيه، وحتى طريقة وقوفه، فكّروه بحد من عيلته.

سأل بصوت متوتر:

— الولد ده عنده كام سنة؟

داليا حطت إيدها على كتف يوسف وقالت:

— أربع سنين.

الحاج فؤاد رجع خطوة لورا، كأن الإجابة كانت أقوى من أي كلام سمعه في حياته.

وبعدين بص لداليا وقال:

— أحمد يعرف إن عندك ابن؟

داليا ردت بهدوء:

— اسأل نفسك الأول: مين اللي منعه يعرف؟

لأول مرة، الحاج فؤاد ما لقاش رد جاهز.

خرج من البيت وهو شايل نسخ الأوراق اللي سمحت له داليا يراجعها، لكنه كان عارف إن الموضوع أكبر بكتير من صفقة أرض.

وفي طريق رجوعه، رن موبايله.

كان أحمد، ابنه، بيتصل بيه.

رد الحاج فؤاد بصوت متوتر:

— أيوه يا أحمد، خير؟

جاله صوت ابنه، مليان أسئلة:

— بابا، أنا عرفت إنك رحت جنوب سيناء النهارده. إنت كنت بتقابل مين هناك؟

الحاج فؤاد سكت لحظة.

أحمد كمل:

— وفيه حاجة لازم تجاوبني عليها. من أربع سنين، داليا اختفت فجأة من حياتي، وكل ما كنت أسأل عنها، كنت بتقولي إنها سابتني بمزاجها.

وبعدين قال الجملة اللي خلت الحاج فؤاد يقبض على الموبايل بقوة:

— النهارده وصلني خطاب من محامية، ومعاه مستندات بتخص اتفاقًا قديمًا، واسم داليا مكتوب فيها. أنا مسافر لها بكرة، ومش هسمح لك تخبي عني الحقيقة أكتر من كده.

الحاج فؤاد قفل عينيه للحظة.

كان فاكر إنه لما يبعد داليا عن القاهرة، يكون خلص منها للأبد.

لكنه ما كانش يعرف إن الزمن هيرجع يجمعهم تاني، وإن البنت اللي حاول يبعدها عن ابنه هتبقى صاحبة المفتاح اللي ممكن يفتح أخطر ملف في حياته.

والأهم من كل ده، إن أحمد بدأ يكتشف إن الحكاية اللي اتقالت له عن داليا من أربع سنين كانت مختلفة تمامًا عن الحقيقة، وإن الوثيقة القديمة مش بس هتكشف حقوقًا ضاعت، لكنها هتكشف كمان أسرارًا تخص عيلته نفسها.

يتبع في الجزء الأخير…


الجزء الأخير: الحقيقة اللي اتخبّت 24 سنة… واللحظة اللي رجع فيها الحق لأصحابه

أحمد ما نامش طول الليل.

من ساعة ما وصله الخطاب من المحامية، وهو قاعد قدام الأوراق، بيقرأها مرة واتنين وعشرة، وكل مرة كان بيكتشف إن السنين اللي فاتت من عمره اتبنت على معلومات ناقصة وأكاذيب.

داليا ما سابتوش بمزاجها زي ما أبوه قال له.

داليا ما خانتوش.

داليا ما اختفتش لأنها لقت حد أغنى منه.

داليا كانت حامل في ابنه، وأبوه هو اللي قرر يبعدها عن حياته من غير ما يديها فرصة واحدة تدافع عن نفسها.

فتح أحمد موبايله القديم، وبدأ يدور على الرسائل اللي كان باعتها لداليا قبل اختفائها. اكتشف إن فيه شهورًا كاملة من الرسائل اللي ما وصلتهوش منها أي إجابة، رغم إنها كانت بتحاول تتواصل معاه.

اتصل بصديق قديم كان شغال في معامل النور وقتها، وسأله إذا كان فاكر أي حاجة عن داليا.

الصديق سكت شوية، وبعدها قال:

— يا أحمد، أنا ما كنتش عايز أدخل نفسي في مشاكل، بس اللي حصل وقتها ما كانش طبيعي. داليا اتفصلت فجأة، وقالوا إنها قدمت استقالتها، مع إنها كانت بتيجي الشغل وبتقول إنها ما استقالتش. وبعدها بفترة، والدك طلب من الإدارة تمنع أي حد يديها معلومات عنك.

أحمد حس إن نفسه اتسحب منه.

قفل المكالمة، وفضل باصص قدامه.

كل ذكرى حلوة بينه وبين داليا بقت دلوقتي مرتبطة بسؤال واحد: إزاي قدر أبوه يعمل فيه كده؟

وفي صباح اليوم التالي، ركب عربيته واتجه إلى جنوب سيناء.

كان عايز يشوف داليا بعينيه، ويسمع منها كل حاجة، حتى لو كانت الحقيقة أصعب من اللي بيتخيله.

في نفس الوقت، كان الحاج فؤاد قاعد في مكتبه بالقاهرة، قدامه نسخة من الوثيقة القديمة.

ما كانش قادر يبعد عينيه عنها.

الوثيقة دي عمرها أربعة وعشرين سنة، لكنها كانت بالنسبة له ملفًا حساسًا ممكن يغير شكل حياته وأعماله.

قبل السنين دي كلها، كان الحاج فؤاد لسه رجل أعمال في بداية طريقه. كان عنده طموح كبير، لكنه ما كانش يملك رأس المال الكافي لتأسيس مجموعة طبية بالشكل اللي كان بيحلم بيه.

في الفترة دي، اتعرف على رجل أعمال اسمه محمود الشناوي، كان يمتلك أراضي واستثمارات، وقرر يدخل شريكًا معاه في مشروع طبي جديد.

الحاجة زينب، أم داليا، كانت وقتها بتشتغل ممرضة، لكنها كانت بنت أخت محمود الشناوي، وكانت بتساعده في متابعة بعض المستندات الإدارية المتعلقة باستثماراته.

محمود كان بيثق فيها ثقة كبيرة، وطلب منها تحتفظ بنسخة من اتفاق الشراكة وبعض المستندات اللي تثبت حقوقه وحقوق أسرته.

الاتفاق كان واضحًا: محمود يساهم بجزء كبير من رأس المال والأصول، وفؤاد يتولى إدارة المشروع وتطويره، مع تحديد حصة كل طرف وحقوق الورثة.

لكن بعد وفاة محمود في حادث مفاجئ، بدأت الخلافات تظهر.

الحاج فؤاد تمسك بإدارة المجموعة، ومع مرور الوقت، بقى هو الوجه المعروف للمؤسسة، بينما اختفت أسماء الشركاء الأوائل من الصورة.

الحاجة زينب حاولت وقتها تسأل عن حقوق أسرة محمود، لكن كل مرة كانت بتواجه بتأجيل ووعود، وبعدها مواقف خلتها تتردد في الدخول في نزاع طويل.

ما كانش معاها القوة ولا الإمكانيات اللي تسمح لها تخوض معركة قانونية كبيرة، فاحتفظت بالأوراق.

كانت مستنية اللحظة اللي تقدر فيها الحقيقة تظهر من غير ما بنتها تدفع التمن.

للأسف، ماتت قبل ما تقدر تكمل الطريق.

أما الحاج فؤاد، فكان فاكر إن المستندات القديمة ضاعت، وإن محدش هيقدر يثبت تفاصيل الاتفاق.

لكنه نسي حاجة واحدة.

الحقيقة ممكن تتأخر سنين، لكنها مش بتختفي لمجرد إن أصحاب المصالح قرروا يتجاهلوها.

وصل أحمد إلى بيت داليا بعد الظهر.

وقف قدام البوابة، وبص للبيت الجميل والحديقة اللي حواليه، وبعدين لمح طفلًا صغيرًا بيلعب بكرة في الممر.

الطفل رفع عينيه له وسأله ببراءة:

— حضرتك عايز مين؟

أحمد ابتسم رغم التوتر اللي جواه.

— أنا جاي أقابل ماما داليا. هي موجودة؟

يوسف جري ناحية البيت، وبعد لحظات ظهرت داليا عند الباب.

أول ما شافت أحمد، وقفت مكانها.

أربع سنين كاملة مرت من آخر مرة شافته فيها.

أربع سنين من التعب، والليالي الطويلة، والخوف على ابنها، ومحاولات بناء حياة جديدة بعيدًا عن كل اللي حصل.

أحمد كان واقف قدامها، وشه مرهق، وعينيه مليانين ندم.

قال بصوت مبحوح:

— إزيك يا داليا؟

ردت بهدوء:

— الحمد لله. خير يا دكتور أحمد؟

الكلمة وجعته.

زمان كانت بتناديه باسمه وهي بتضحك، وكان بيقول لها إنه مش عايز أي ألقاب بينهم.

دلوقتي بقى غريب واقف على باب بيتها.

قال:

— أنا عرفت إنك ما سبتينيش بمزاجك. عرفت إن أبويا تدخل في حياتنا، وإنك كنتِ بتحاولي توصلي لي.

داليا ما ردتش.

كمل وهو بيحاول يسيطر على صوته:

— أنا عرفت كمان إن عندي ابن.

في اللحظة دي، يوسف ظهر جنب أمه، ومسك إيدها.

أحمد بص له طويلًا، وكأنه بيحاول يستوعب إن الطفل اللي قدامه هو ابنه اللي عاش أربع سنين من غير ما يعرف عنه حاجة.

ركع على ركبته علشان يبقى في مستوى عينيه، وسأله:

— اسمك إيه يا بطل؟

— يوسف.

— عندك كام سنة يا يوسف؟

— أربع سنين.

أحمد ابتلع ريقه بصعوبة، وبعدها بص لداليا والدموع بدأت تتجمع في عينيه.

— أنا ضيعت أربع سنين من عمر ابني من غير ما أعرف. مش هقدر أرجعهم، وعارف إن الاعتذار مش كفاية.

داليا أخدت نفسًا عميقًا.

— إنت مش الشخص الوحيد اللي لازم يعتذر يا أحمد. أنا اتفصلت من شغلي، واتحرمت من فرصة إني أتكلم معاك، واتقال لي إني مش مناسبة لعيلتك علشان ظروفي المادية. كنت حامل، وخايفة، ووحيدة، وما كانش عندي حد يقف جنبي.

أحمد نزل عينيه للأرض.

— أنا آسف. والله لو كنت عرفت، ما كنتش سبتك.

داليا ردت بحزن:

— المشكلة مش بس في اللي حصل. المشكلة إنك صدقت كلام أبوك عني من غير ما تدور ورا الحقيقة. يمكن ما كنتش تعرف إنه بيمنع رسائلي، لكن كان ممكن تسأل وتدور أكتر.

أحمد ما حاولش يدافع عن نفسه.

كان عارف إن كلامها صح.

قال بعد لحظات:

— مش جاي أطلب منك ترجعي لي، ولا جاي أفرض نفسي على حياتك. أنا جاي أطلب فرصة أكون أبًا ليوسف، لو إنتِ شايفة إن ده ممكن يحصل بطريقة تحافظ على راحته وأمانه.

داليا بصت لابنها، وبعدها رجعت بصت لأحمد.

— يوسف مش وسيلة علشان تصلح بيها علاقتك بيا. لو عايز تكون أبوه، لازم تثبت ده بأفعالك، وتلتزم بكل مسؤولياتك، وتحترم الحدود اللي هنتفق عليها.

أحمد هز راسه بسرعة.

— موافق. أي حاجة تطلبيها علشان مصلحة يوسف، أنا موافق عليها.

ما وعدتهوش إنها هتسامحه، وما قالتلوش إنهم هيرجعوا زي الأول.

لكنها وافقت إنه يبدأ يتعرف على ابنه تدريجيًا، وفق اتفاق واضح يضمن استقرار الطفل ويحفظ حقوق الجميع.

وكانت دي أول خطوة حقيقية في طريق طويل.

بعد يومين، اجتمع الحاج فؤاد مع داليا وأحمد ومحامية داليا في مكتب قانوني.

المرة دي، الحاج فؤاد ما دخلش المكان بنفس الثقة اللي كان داخل بيها الكافيه من أربع سنين.

كان عارف إن المستندات القديمة ممكن تفتح بابًا لمراجعة تاريخ الشراكة، وإن المسألة مش مجرد خلاف عائلي.

المحامية حطت قدامه ملفًا مرتبًا، وقالت:

— إحنا راجعنا الوثائق المتاحة، وقدمنا طلبات رسمية للحصول على أصول المستندات وسجلات الملكية المرتبطة بالاتفاق. لسه فيه إجراءات لازم تكتمل، لكن المستندات الحالية بتستدعي مراجعة قانونية شاملة لحقوق الأطراف والورثة.

الحاج فؤاد بص لداليا.

— إنتِ عايزة إيه بالضبط؟

داليا ردت بهدوء:

— عايزة الحقيقة تظهر، وعايزة كل صاحب حق ياخد حقه بالقانون. مش عايزة فلوس علشان أسكت، ولا عايزة أنتقم منك. أنا عايزة اللي حصل لأمي ما يتكررش مع حد تاني.

قال بقلق:

— إنتِ فاهمة إن الموضوع ده ممكن يأثر على كل اللي بنيته طول عمري؟

داليا ردت من غير ما تعلي صوتها:

— لو فيه حقوق ناس تانية ما أخدوهاش، يبقى لازم تتراجع وتتصلح.

أحمد، اللي كان ساكت طول الاجتماع، بص لأبوه وقال:

— أنا مش قادر أفهم إزاي قدرت تعمل كده. إزاي تدخلت في حياتي بالشكل ده، وقررت تبعد داليا عني بدل ما تيجي تتكلم معايا؟

الحاج فؤاد ما ردش في البداية.

وبعد صمت طويل، قال:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى