منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

الجزء السابع

وقفت قدام أمي وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

— مين أبويا الحقيقي يا ماما؟

أمي ما ردتش.

كانت بتبص للصورة كأنها شايفة الماضي كله قدامها.

حسام قرب مني.

— داليا، اهدي.

بصيت له بغضب.

— أهدى إزاي؟! أنا طول عمري عايشة وأنا فاكرة إن أبويا هو أبويا، ودلوقتي ألاقي ورقة بتقول غير كده!

عادل مسك الورقة بحذر.

— لازم نعرف مين كتبها.

بصيت له.

— وإنت عارف؟

هز رأسه.

— لأ.

أمي أخيرًا اتكلمت.

— الرجل اللي في الصورة اسمه سامح.

— سامح مين؟

— كان أخو أبوكي.

اتصدمت.

— يعني هو عمي؟

أمي هزت رأسها.

— أيوه.

بصيت للصورة مرة تانية.

— بس الورقة بتقول إن أبويا الحقيقي مش والدي اللي ربيّني.

أمي مسحت دموعها.

— لأن الحقيقة أعقد من كده.

حسام سألها:

— يعني سامح كان والد داليا؟

أمي سكتت.

وبعدين قالت:

— أيوه.

اتجمدت.

— إيه؟

— سامح كان والدك الحقيقي.

رجعت خطوة للخلف.

— وإنتِ كنتِ متجوزة مين وقتها؟

— والدك اللي رباكي.

— يعني كنتِ متجوزة أخوه؟

أمي هزت رأسها.

— لأ.

سكتت.

— سامح كان موجود في حياتي قبل ما أتجوز والدك.

حسيت إن كل ذكرياتي اتلخبطت.

— طيب ليه ماعرفتش؟

أمي قالت:

— لأن سامح  قبل ما تولدي.

سألتها:

—  إزاي؟

بصت لعادل.

عادل قال:

— حادث عربية.

أمي هزت رأسها.

— ده اللي اتقال لنا.

— وإنتِ مصدقتيش؟

— لأ.

بصيت لها.

— ليه؟

قالت:

— لأن سامح اختفى قبل الحادث بأيام.

سكتنا.

حسام قال:

— يبقى فيه حد كان بيحاول يخفي حقيقة  سامح.

أمي هزت رأسها.

— وأبو داليا كان بيحاول يعرف الحقيقة.

أنا مسكت رأسي.

— طب ليه أبويا اللي ربيّني كان ساكت؟

أمي ردت:

— لأنه وعد بصت لي.

— يحميكي من الناس اللي كانوا بيدوروا على سامح.

عادل فتح الملف القديم.

كان فيه مجموعة أوراق وصور.

لكن وسطهم لفت نظري خطاب عليه اسمي.

“إلى داليا، عندما تبلغين الثلاثين.”

مديت إيدي، لكن أمي منعتني.

— استني.

بصيت لها.

— ليه؟

— لأن والدك طلب مني ما أفتحوش غير لما تكوني جاهزة.

ضحكت بمرارة.

— بعد كل اللي حصل، إنتِ لسه شايفة إني مش جاهزة؟

أمي سكتت.

أخذت الخطاب.

فتحت الظرف.

وكانت أول جملة:

“بنتي داليا، لو بتقري الرسالة دي، يبقى الحقيقة أخيرًا بدأت تظهر.”

دموعي نزلت.

كملت القراءة:

“أنا مش والدك بالدم، لكني كنت والدك بكل معنى الكلمة. سامح كان والدك الحقيقي، لكنه  قبل ما يعرف إنك هتجي للدنيا.”

وقفت عن القراءة.

بصيت لأمي.

— أنا اتولدت بعد ؟

هزت رأسها.

— أيوه.

كملت:

“كنت عارف إن ناس كتير بتدور على سامح، لأن سامح كان معاه دليل يقدر يوقع رجال أعمال كبار. وبعد ، بدأوا يدوروا على نادية.”

أمي حطت إيدها على وشها.

كملت:

“لما اختفت نادية، أنا كنت متأكد إنهم أخدوها عشان يعرفوا مكان الدليل. حاولت أدور عليها، لكني فشلت.”

وقفت.

بصيت لحسام.

— يعني بابا كان بيحاول ينقذ أمي.

حسام قال:

— أيوه.

رجعت للرسالة.

“ولو نادية رجعت يومًا، متخليش حد يخدعك ويقول لك إن اختفائها كان بسبب خلاف عائلي.”

قلبت الصفحة.

وكان آخر سطر:

“الشخص اللي بدأ كل ده ماكانش كمال الراوي… كان أقرب شخص لينا.”

رفعت عيني.

— أقرب شخص؟

عادل كان واقف بعيد.

حسام سأل:

— مين؟

أمي قالت بصوت ضعيف:

— أخويا.

اتجمدت.

— أخوكي؟

هزت رأسها.

— أيوه.

— مين؟

أمي بصت للصورة القديمة.

— سامح.

حسام شهق.

— بس سامح كان والد داليا!

أمي بدأت تبكي.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— سامح لسه عايش.

ساد الصمت.

أنا بصيت للصورة.

وبعدين للرسالة.

وبعدين لأمي.

— يعني بابا الحقيقي عايش؟

أمي هزت رأسها.

— أيوه.

وفي نفس اللحظة…

سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.

عادل جرى ناحية الشباك.

وبص للخارج.

وشه اتغير تمامًا.

— في حد وصل.

سألته:

— مين؟

ما ردش.

حسام قرب منه.

وبص من الشباك.

ثم قال بصوت منخفض:

— مستحيل…

— مين؟

حسام رجع يبص لي.

— الرجل اللي نزل من العربية… هو سامح.
الجزء الثامن

فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.

سامح… أبويا الحقيقي… عايش.

بصيت من الشباك، لكن العربية كانت واقفة بعيد شوية، والرجل لسه بينزل منها.

أمي أول ما شافته، حطت إيدها على بوقها.

— سامح…

صوتها كان مليان خوف وفرحة في نفس الوقت.

أنا قربت منها.

— ماما، إنتِ متأكدة؟

هزت رأسها.

— مستحيل أنسى وشه.

حسام مسك دراعي.

— استني. متجريش عليه.

بصيت له.

— ده أبويا!

— وإحنا لسه مش عارفين هو كان فين كل السنين دي، ولا ليه اختفى.

عادل أيد كلامه.

— حسام عنده حق. لازم نعرف الحقيقة قبل ما نثق في أي حد.

الرجل قرب من البيت.

وقف قدام الباب.

وخبط ثلاث خبطات هادية.

أمي بدأت تبكي.

— هو.

حسام وقف قدام الباب.

— مين؟

جاء صوت من الخارج:

— أنا سامح.

قلبي بدأ يدق بعنف.

قلت:

— افتح.

حسام بص لي.

— داليا…

— افتح يا حسام.

فتح الباب ببطء.

دخل رجل في أواخر الستينات.

كان شعره أبيض، وملامحه مرهقة، لكنه فعلًا كان شبه الصورة الموجودة في الملف.

أول ما عينيه وقعت عليّ…

وقف.

ما قالش حاجة.

بس عينيه امتلأت بالدموع.

بص لأمي.

— نادية.

أمي جريت عليه.

لكنها وقفت قبل ما توصل له.

— إنت عايش؟

هز رأسه.

— أيوه.

ضربته على صدره بيديها.

— عشرين سنة!

وبعدين انهارت في حضنه.

— عشرين سنة وأنا فاكرة إنك مت!

سامح كان بيبكي.

— كان لازم أختفي.

أنا وقفت قدامه.

كان نفسي أقرب منه.

لكن جوايا كان فيه غضب أكبر من الفرحة.

قلت:

— وإنت سايبني عشرين سنة؟

رفع عيني لي.

— داليا…

— متقولش اسمي كأنك تعرفني!

صوته اتكسر.

— أنا أبوكي.

ضحكت وأنا بعيط.

— أبويا؟!

وأشرت للملف.

— أبويا اللي معرفش إنه موجود؟ أبويا اللي خلاني أكبر وأنا فاكرة إن الراجل التاني هو والدي؟

سامح قرب خطوة.

— أنا كنت بحميكي.

— من مين؟

سكت.

— رد!

قال:

— من الناس اللي كانوا عايزين .

اتجمدت.

—  أنا؟

— أيوه.

— ليه؟

سامح بص لحسام وعادل.

وبعدين قال:

— لأنك كنتِ آخر شخص ممكن يوصل للدليل.

سألته:

— أي دليل؟

قال:

— الدليل اللي أنا خبّيته قبل ما أختفي.

أمي قالت:

— الدليل اللي فضلوا يدوروا عليه عشرين سنة؟

سامح هز رأسه.

— أيوه.

حسام سأله:

— وإنت كنت فين كل الفترة دي؟

سامح بص له.

— بعيد.

— فين؟

— دول كتير.

— وليه رجعت دلوقتي؟

سامح سكت.

ثم أخرج هاتفًا قديمًا.

— لأن الشخص اللي كنت خايف منه عرف إني رجعت.

بصيت له.

— مين؟

سامح قال:

— كمال الراوي.

عادل هز رأسه.

— كمال  من خمس سنين.

سامح ابتسم بحزن.

— اللي  مش كمال.

اتجمدنا.

— إيه؟

— كمال الحقيقي اختفى من سنين، والشخص اللي  كان واحد بيشبهه.

حسام قال:

— يعني هو لسه عايش؟

— أيوه.

سألته:

— وعايز إيه؟

سامح بص لي.

— عايز الدليل.

أمي قالت:

— لكن الدليل مش معانا.

سامح رد:

— غلط.

بص لنا كلنا.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى