منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
### الجزء الثاني: أمي اللي رميتها في دار المسنين طلعت مش سهلة زي ما كنت فاكر!

في الليلة اللي طلبت فيها من مريم تساعدني أتواصل مع محامي، ماعرفتش أنام.

كنت قاعدة على سريري الصغير في دار المسنين، وببص لصورة ابني كريم وهو طفل، اللي كنت محتفظة بيها في محفظتي من سنين طويلة.

كان عنده سبع سنين في الصورة، واقف جنبي في يوم عيد ميلاده، وحاضنني بإيده الصغيرة، وبيقولي:

«لما أكبر يا ماما، هشتغل وأجيبلك بيت كبير، وهخليكي تعيشي أحسن عيشة في الدنيا».

ابتسمت بحزن وأنا بفتكر كلامه.

يا ترى إمتى الطفل ده اتغير؟ وإمتى بقى الراجل اللي يسيب أمه لوحدها، ويسرق تعب عمرها، ويحتفل إنه اتخلص منها؟

لكن الدموع المرة دي ماطولتش.

لأني فهمت إن البكاء مش هيرجع لي حقي، وإن الحب لوحده مش كفاية عشان يحمي الإنسان من أقرب الناس ليه.

تاني يوم الصبح، مريم ساعدتني أتواصل مع محامية اسمها الأستاذة سارة منصور، كانت معروفة في الإسكندرية بشطارتها في قضايا الملكية والنزاعات العائلية.

حكيت لها كل حاجة من البداية، ووريّتها صور التحويلات البنكية، ومنشور كريم على فيسبوك، وكل التفاصيل اللي قدرت أجمعها.

سمعتني لحد الآخر من غير ما تقاطعني، وبعدها سألتني سؤالًا خلاني أسكت شوية:

— يا حاجة فاطمة، هل إنتِ مضيتي أي توكيل لابنك يسمح له يتصرف في حسابك البنكي أو في البيت؟

فكرت كويس قبل ما أجاوب.

— لا يا أستاذة. أنا مضيت ورق في دار المسنين، لكن ابني ماشرحليش محتواه. أما حسابي البنكي، فعمري ما اديته توكيل يتصرف فيه.

هزت سارة راسها وقالت:

— كويس إنك بتحتفظي بكشوف حسابك. محتاجين نعرف البنك نفّذ التحويل بناءً على إيه، ونراجع كل المستندات اللي اتوقعت في الدار. وبالنسبة للبيت، لازم نطلع صورة حديثة من مستندات الملكية، ونتأكد من وضع الإيجار.

وبعدين بصت لي بجدية وأضافت:

— أهم حاجة دلوقتي إننا مانتصرفش بعصبية. هنمشي خطوة خطوة، وكل حاجة هتكون موثقة.

لأول مرة من يوم ما ابني سابني، حسيت إن فيه حد بيسمعني بجد، وإن حقي ممكن يرجع حتى لو اللي أخده هو ابني نفسه.

طلبت مني سارة أديها مهلة كام يوم تراجع فيها المستندات، وأكدت لي إنها مش هتوعدني بنتيجة قبل ما تعرف كل التفاصيل.

وافقت، ورجعت دار المسنين.

لكن قبل ما أقفل باب أوضتي، رن موبايلي.

كان كريم.

رديت عليه من غير ما أقول أي كلمة.

قال بنبرة متوترة:

— إنتِ فين يا أمي؟

استغربت السؤال.

— في المكان اللي إنت جبتني فيه يا كريم. نسيت؟

— أنا بسألك إذا كنتِ مرتاحة ولا لأ!

كان بيحاول يتكلم بنبرة الابن القلقان على أمه، لكني كنت عارفة إن فيه حاجة ورا المكالمة دي.

قلت له بهدوء:

— الحمد لله، أنا كويسة.

سكت لحظة، وبعدها سألني:

— إنتِ دخلتي على حساب البنك بتاعك مؤخرًا؟

اتجمدت إيدي على الموبايل.

إزاي عرف إني راجعت الحساب؟

حاولت أخفي دهشتي وقلت:

— ليه بتسأل؟

رد بسرعة:

— أصل فيه شوية إجراءات بنعملها عشان نرتب أمورك المالية، وأنا عايز أطمن إن كل حاجة واضحة ليكي.

ضحكت ضحكة خفيفة من غير فرحة.

— أموري المالية؟ وإنت بترتبها من إمتى من غير ما تقولي؟

اتغير صوته فجأة.

— يا أمي، ماتكبريش الموضوع. أنا ابنك، وكل اللي بعمله لمصلحتك.

الجملة دي كانت أكتر حاجة وجعتني.

لأنه طول عمره كان بيستخدم كلمة «مصلحتك» عشان يقنعني أعمل اللي هو عايزه.

قلت له:

— طيب يا كريم، بما إنك بتعمل كل ده لمصلحتي، تعالى زورني ونتكلم بهدوء.

اتردد شوية، وبعدين قال:

— مش هقدر دلوقتي. عندي شغل كتير.

وقفل المكالمة.

فضلت باصة للموبايل.

ماكانش خايف عليَّ.

كان خايف إني أكون اكتشفت اللي عمله.

بعد تلات أيام، اتصلت بيا الأستاذة سارة وطلبت مني أروح مكتبها.

أول ما دخلت، لقيتها محضرة ملف كبير فوق المكتب.

قالت لي:

— يا حاجة فاطمة، راجعنا المعلومات الأولية، وفيه نقاط محتاجة تحقيق أكتر. لكن فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها.

قعدت قدامها، وقلبي بيدق بسرعة.

فتحت الملف وطلعت صورة من مستندات البيت.

— البيت مسجل باسمك، وده أمر مهم جدًا. لكن لازم نراجع عقد الإيجار اللي اتعمل، ونتأكد مين اللي وقّعه، وهل المستأجر اتعامل مع شخص عنده حق قانوني في التأجير ولا لأ.

وبعدين طلعت ورقة تانية.

— أما التحويل البنكي، فهنطلب من البنك تفاصيل المستند أو التفويض اللي استند إليه في تنفيذ العملية. مجرد ظهور الفلوس في حساب ابنك مش كفاية لوحده عشان نعرف كل الظروف القانونية، لكن عندنا سبب قوي نطالب بتفسير رسمي للتحويل.

سألتها وأنا بحاول أتماسك:

— يعني ممكن أرجع فلوسي؟

ردت بحذر:

— لو ثبت إن التحويل تم من غير إذن صحيح منك، فممكن نطالب باسترداد المبلغ، ونتخذ الإجراءات القانونية المناسبة. لكن لازم نثبت ده بالمستندات.

حسيت إن الحمل اللي على صدري خف شوية.

لكن سارة ماخلصتش كلامها.

قالت:

— فيه كمان موضوع دار المسنين. محتاجين نراجع الأوراق اللي مضيتيها هناك، ونتأكد إن إقامتك كانت بموافقتك، وإن مافيش مستندات اتستخدمت بطريقة غير سليمة.

سألتها:

— طيب أعمل إيه دلوقتي؟

قالت:

— أولًا، ماتمضيش أي ورق جديد من غير ما تفهميه كويس. ثانيًا، احتفظي بكل الرسائل والمكالمات والمستندات. وثالثًا، ماتواجهيش ابنك باتهامات جديدة قبل ما نحدد الخطوة القانونية المناسبة.

خرجت من مكتبها وأنا حاسة إني رجعت أتنفس من جديد.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه مستنياني.

في نفس اليوم، رجعت دار المسنين، ولقيت مريم مستنياني عند المدخل.

قالت لي بقلق:

— يا حاجة فاطمة، فيه راجل جه يسأل عنك من شوية.

قلبي انقبض.

— مين؟

— قال إنه قريبك، وكان عايز يعرف إذا كنتِ مضيتي أوراق معينة قبل ما تيجي هنا. ولما طلبت منه يسيب بياناته، اتعصب ومشي.

سألتها:

— قال اسمه إيه؟

ردت:

— ماقالش اسمه كامل، لكن كان معاه ست، وقالت إنها مرات ابنك.

نهى!

فهمت إنهم بدأوا يقلقوا، وإن الموضوع مش مجرد تحويل فلوس وإيجار بيت.

كان فيه حاجة تانية بيحاولوا يتأكدوا منها.

في الليلة دي، ماجاليش أي اتصال من كريم.

لكن تاني يوم، لقيت رسالة منه:

«يا أمي، لازم نتكلم في موضوع مهم. ماتسمعيش كلام أي حد يحاول يوقع بينا. أنا عملت كل حاجة عشان أحميكي».

قريت الرسالة أكتر من مرة.

وبعدين رديت عليه بكلمتين بس:

«تعالى نتكلم».

ماعداش نص ساعة، وبعت لي:

«هجيلك بكرة».

تاني يوم، كنت قاعدة في صالة دار المسنين لما كريم دخل.

كان لابس قميص غالي وساعة جديدة في إيده، لكن وشه كان متوتر، وعينيه بتلف في المكان كأنه خايف حد يسمع كلامنا.

قعد قدامي، وماسألنيش حتى إذا كنت محتاجة حاجة.

بدأ كلامه على طول:

— يا أمي، أنا عرفت إنك كلمتي محامية.

بصيت له بهدوء.

— أيوه.

اتنهد بعصبية وقال:

— إنتِ ليه بتعملي فيا كده؟ أنا ابنك! يعني بدل ما تقدري اللي عملته عشان أريحك، تروحي تشتكيني؟

سألته:

— وإنت لما حولت فلوسي لحسابك، كنت بتريحني برضه؟

اتغير لون وشه.

حاول يضحك، لكنه ماعرفش.

— الفلوس دي هترجع لك، يا أمي. أنا كنت محتاجها مؤقتًا، وعندي التزامات كتير. وإنتِ مش محتاجاها دلوقتي.

بصيت له وكأني أول مرة أشوفه.

— دي فلوس عمري يا كريم. كل جنيه فيها وراه يوم شغل وتعب وسهر. مين قال لك إنك تقدر تاخدها لمجرد إني أمك؟

رد بعصبية:

— يعني إيه؟ هتخليني أتحاكم عشان شوية فلوس؟

قلت له:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى