
الجزء الثاني والاخير
وقفت قدام الدكتور يوسف وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. كان ماسك الملف الطبي بإيد مرتعشة، وكل ما أحاول آخده منه، كان يبعده عني وكأنه خايف من اللحظة اللي هعرف فيها الحقيقة.
صرخت فيه:
«يا يوسف، كفاية سكوت! أحمد فين؟! إيه اللي حصل لجوزي؟! وليه هدومك عليها دم؟!»
غمّض عينيه للحظات، وبعدها قال بصوت مبحوح:
«أحمد جوه العمليات يا مريم… وحالته صعبة جدًا».
حسيت إن الدنيا بتلف بيا، وسندت إيدي على الحيطة علشان ما أقعش.
«يعني إيه حالته صعبة؟! هو حصله إيه؟!»
يوسف بص لي، وبعدها فتح الملف وطلع منه مجموعة من التقارير الطبية.
قال بهدوء حاول يسيطر بيه على صوته:
«أحمد كان بيخبي عنك حاجة كبيرة بقاله شهور. وأنا كنت عارف، ووعدته إني ما أتكلمش غير لما هو يسمح لي».
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع، وقلت:
«حاجة كبيرة؟! أنا اكتشفت امبارح حاجة خلتني أقرر إني أسيبه! كنت فاكرة إنه بيكدب عليا وبيخبي عني حياته الحقيقية. دلوقتي بتقولي إن فيه سر تاني؟!»
يوسف ما ردش فورًا.
فتح صفحة من الملف ومدهالي.
كانت ورقة طبية عليها اسم أحمد، وتاريخ من حوالي سبع شهور.
بدأت أقرأ، لكن عيني كانت بتتحرك على الكلمات من غير ما عقلي يستوعب معناها.
وبعدين وقعت عيني على التشخيص.
مرض خطير… ومضاعفات محتاجة متابعة وعلاج مستمر.
رفعت عيني ليوسف وأنا مش قادرة أتكلم.
قال:
«من حوالي سبع شهور، أحمد اكتشف إنه عنده مشكلة صحية خطيرة. في البداية، كان فاكر إنها مجرد أعراض مؤقتة بسبب ضغط الشغل. لكن بعد الفحوصات، عرف إن الموضوع أكبر من كده».
هزيت راسي بعنف وقلت:
«لا… مستحيل. أحمد كان بيرجع البيت عادي، وكان بيتكلم معايا، وكان بيضحك مع ليلى! عمره ما قال إنه تعبان!»
رد يوسف:
«كان بيحاول يخبي تعبه. كان بيرفض إنه يبان ضعيف قدامك أو قدام بنته. وفي نفس الوقت، كان خايف إنك تعيشي كل يوم في رعب من احتمال إن حالته تسوء».
حطيت إيدي على بقي.
افتكرت كل مرة كان بيرجع فيها البيت مرهق، وكل مرة كان يقول لي إنه محتاج ينام شوية، وكل مرة كنت أفتكر إنه بيتهرب مني.
لكن الغضب اللي جوايا كان لسه موجود.
قلت له:
«حتى لو كان مريض، ليه ما قالليش؟ أنا مراته! أنا اللي كنت المفروض أبقى جنبه! إزاي يقرر لوحده إني ما أعرفش؟!»
يوسف نزل عينيه للأرض.
«عندك حق يا مريم. ما كانش المفروض يشيل كل ده لوحده. لكن أحمد كان بيحاول يحميكي بطريقته، حتى لو طريقته كانت غلط».
سكت لحظة، وبعدها كمل:
«ومش ده السر الوحيد اللي مخبيه عنك».
قلبي انقبض من جديد.
بصيت له وقلت:
«فيه إيه تاني؟»
مد إيده ناحية الملف، وطلع منه ظرف بني صغير.
كان عليه اسمي بخط أحمد.
مريم…
أول ما شفت خطه، دموعي نزلت من غير ما أحس.
فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين، وطلعت منه ورقة مطوية.
كان مكتوب فيها:
«مريم حبيبتي،
عارف إنك زعلانة مني، وعارف إني قصّرت معاكي ومع ليلى. كل يوم كنت بوعد نفسي إني هحكيلك الحقيقة، وكل يوم كنت بخاف من اللحظة اللي هبص فيها في عينيكي وأقولك إني مش عارف إيه اللي مستنيني بكرة.
كنت فاكر إني لما أخبي عنك تعبي، هقدر أحميكي من الخوف. لكني ما فهمتش إن سكوتي كان بيوجعك أكتر من أي حقيقة ممكن أقولها.
لو وصل لك الخطاب ده، فمعناه إني لسه ما قدرتش أقولك الكلام ده بنفسي.
سامحيني إني خليتك تحسي إنك لوحدك، وإني خليت بنتنا تستنى أبوها في مناسبات كان المفروض أكون فيها جنبها.
فيه حاجة واحدة عايزك تعرفيها: مهما حصل، إنتِ وليلى كنتوا أهم حاجة في حياتي».
وقفت عن القراءة.
الورقة كانت بتترعش بين صوابعي، ودموعي وقعت على الكلمات.
لكن وسط كل الوجع، سؤال واحد كان بيصرخ جوايا.
لو أحمد كان بيحبنا بالشكل ده، ليه خلاني أحس إني مش مهمة في حياته؟
وليه كل ما أسأله عن سبب غيابه، كان يكتفي بأعذار قصيرة ويقفل الكلام؟
رفعت عيني ليوسف.
«أنا محتاجة أفهم كل حاجة. إيه اللي حصل النهارده؟ وليه هو جوه العمليات؟»
يوسف أخد نفسًا عميقًا، وقال:
«أحمد كان داخل عملية النهارده. حالته الصحية كانت محتاجة تدخل عاجل، وكان مصر إنه يكمّل شغله لحد آخر لحظة قبل ما يدخل يتعالج. لكنه قبل العملية بساعات، حصلت مضاعفات مفاجئة».
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
«يعني هو كان عارف إنه ممكن يحصل له كده؟»
هز رأسه ببطء.
«كان عارف إن فيه مخاطر، لكنه ما كانش متوقع إن الأمور تتدهور بالسرعة دي».
في اللحظة دي، افتكرت الظرف الأبيض اللي كنت حطاه في شنطة الأكل.
الظرف اللي جواه قرار الانفصال.
بصيت له وهو واقع على الأرض، وحسيت بخجل ووجع ما قدرتش أوصفهم.
كنت جاية المستشفى علشان أواجه جوزي وأقوله إن حياتنا انتهت.
لكن دلوقتي، ما بقيتش عارفة إذا كنت هلحق أشوفه وأقوله أي كلمة أصلًا.
وقبل ما أقدر أسأل يوسف سؤال تاني، اتفتح باب المخزن فجأة.
ظهرت ممرضة شابة، وكانت بتتنفس بسرعة.
بصت ليوسف وقالت:
«دكتور يوسف، الفريق محتاجك حالًا! حصل تغيير في حالة الدكتور أحمد».
يوسف اتجمد مكانه.
«تغيير إيه؟ حالته استقرت؟»
الممرضة اترددت لحظة، وبعدها قالت:
«مش عارفين لسه. الدكتور المسؤول طلب حضورك فورًا».
يوسف قفل الملف بسرعة، وبص لي.
«خليكي هنا يا مريم. هروح أشوف إيه اللي حصل، وهرجع لك أول ما أعرف».
مسكت دراعه قبل ما يتحرك.
«لا، أنا جاية معاك. مش هفضل قاعدة هنا من غير ما أعرف جوزي حالته إيه».
بص لي للحظات، وبعدها هز رأسه بالموافقة.
خرجنا من المخزن وجرينا ناحية جناح العمليات.
الممر كان مليان حركة، والأصوات متداخلة، وكل ثانية كانت بتمر عليا كأنها ساعة كاملة.
وصلنا قدام باب العمليات، وهناك شفت بنتي ليلى واقفة جنب ممرضة، ووشها مليان دموع.
أول ما شافتني، جريت ناحيتي وارتمت في حضني.
«ماما… هو بابا هيرجع البيت؟»
السؤال ده كسر آخر جزء من قدرتي على التماسك.
حضنتها بقوة، وحاولت أتكلم من غير ما صوتي ينهار.
«إن شاء الله يا حبيبتي… بابا لسه بيحارب علشان يرجع لنا».
لكن الحقيقة إني أنا نفسي ما كنتش عارفة إذا كنت بقول لها الحقيقة، ولا بحاول أطمّن نفسي.
بعد دقائق، خرج الطبيب المسؤول عن العملية.
كان وشه جاد، وبيمسح إيده قبل ما يتكلم.
بص ليوسف، وبعدها بص لي.
وقال:
«محتاجين نتكلم مع أسرة الدكتور أحمد».
حسيت إن قلبي وقف.
مسكت إيد ليلى، وبصيت للطبيب وأنا مستنية الجملة اللي ممكن تغيّر حياتنا كلها.
لكنه قبل ما يكمل كلامه، سألني سؤالًا غريبًا:
«حضرتك مريم، زوجته؟»
هزيت رأسي.
فقال:
«فيه حاجة مهمة جدًا لازم تعرفيها عن اللي حصل قبل دخوله العمليات. الموضوع مش متعلق بحالته الصحية بس».
بصيت ليوسف، فلقيته بيغمض عينيه كأنه كان عارف إن اللحظة دي هتيجي.
وبعدين الطبيب قال:
«إحنا لقينا معاه ورقة كان كاتبها قبل العملية، وطلب إنها تتسلم لزوجته لو حصل أي طارئ».
مد إيده ناحية جيبه، وطلع ظرفًا أبيض صغيرًا.
لكن أول ما شفت الظرف، اتصدمت.
كان نفس نوع الظرف اللي حطيته أنا في شنطة الأكل علشان أنهي جوازي منه.
والأغرب من كده، إن الطبيب قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
«الدكتور أحمد كان عايز يقولك الحقيقة بنفسه… لكنه كان خايف إنك تعرفيها بالطريقة دي».
بصيت للظرف، وبعدها رفعت عيني للطبيب.
وسألته بصوت بالكاد كان مسموعًا:
«هو كتب إيه؟»
مد لي الظرف، وقال:
«اقريه يا مدام مريم… لأن اللي مكتوب جواه ممكن يغيّر فهمك لكل اللي حصل بينكم».
فتحت الظرف ببطء، وبدأت أخرج الورقة.
لكن أول سطر قرأته خلاني أحط إيدي على بقي من الصدمة.
«مريم… لو وصل لك الخطاب ده، فمعناه إن السر اللي خبيته عنك ما بقاش ينفع يفضل مستخبي أكتر من كده. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها عن اللي لقيتيه امبارح…»
اتسعت عيناي.
الحاجة اللي اكتشفتها تحت هدومه الليلة الماضية…
كانت جزءًا من السر، لكنها ما كانتش الحقيقة اللي كنت فاكرة إني اكتشفتها.
والسؤال دلوقتي: إيه اللي أحمد كان بيحاول يخبيه عني فعلًا؟ وهل لسه فيه فرصة إني أسمع الإجابة منه بنفسه؟
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة، وبنتي ليلى واقفة جنبي، ماسكة في إيدي بكل قوتها.
ما كنتش قادرة أرفع عيني عن أول سطر كتبه أحمد بخط إيده.
«مريم حبيبتي…




