
عارف إنك وصلتي لمرحلة مش قادرة تستحملي فيها غيابي، وعارف إنك بقيتي تشكي في كل كلمة بقولها. ولو كنت مكانك، يمكن كنت هحس بنفس الوجع.
لكن فيه حقيقة ما قدرتش أقولها لك، مش لأني ما بثقش فيكي، لكن لأني كنت خايف أشوف الخوف في عينيكي كل يوم.
أنا مريض يا مريم، ومرضي أخطر مما كنت متخيل. من سبع شهور، عرفت إن عندي مشكلة صحية كبيرة، وإن علاجي ممكن يحتاج وقت طويل، وإن فيه احتمالات لازم أكون مستعد لها.
في البداية، قلت لنفسي إني هقدر أتعامل مع الموضوع لوحدي. كنت فاكر إن دي الطريقة الوحيدة اللي أحمي بيها بيتنا من القلق.
لكن مع الوقت، اكتشفت إني بدل ما أحميكم، كنت ببعد عنكم.
كنت برجع البيت متأخر، وأقول إن الشغل هو السبب، مع إن الحقيقة إني كنت بقضي ساعات في الفحوصات والمتابعة، وبحاول أظهر قدامكم إني بخير.
أما الحاجة اللي لقيتيها امبارح تحت هدومي، فهي تقرير طبي قديم، ومعاه خطاب من المستشفى عن ضرورة بدء مرحلة جديدة من العلاج.
عارف إنك لما شوفتيه، تخيلتي أسوأ الاحتمالات.
لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
أنا ما كنتش بعيد عنك علشان فيه واحدة تانية في حياتي، ولا علشان زهقت من بيتنا أو من مسؤولياتي.
أنا كنت بهرب من مواجهة خوفي، وبدل ما أشاركك خوفي، خليتك إنتِ تعيشي الخوف والشك لوحدك.
وده أكبر خطأ ارتكبته في حقك.
أنا آسف يا مريم».
وقفت عن القراءة، وانهرت في البكاء.
كنت فاكرة إن الورقة اللي لقيتها امبارح دليل على إن جوزي بيخدعني، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
بصيت للدكتور يوسف، وسألته بصوت متقطع:
«يعني التقرير اللي لقيته كان تقرير مرضه؟ طب ليه ما قالليش؟ ليه سابني أعيش كل ده؟»
يوسف تنهد بحزن وقال:
«لأن أحمد كان طول عمره الشخص اللي الناس بتعتمد عليه. كان بيشوف المرضى في أصعب لحظاتهم، وبيحاول يديهم أمل. لكنه لما بقى هو اللي محتاج مساعدة، ما عرفش يطلبها.
حاول يقنع نفسه إنه يقدر يكمل حياته بشكل طبيعي، وإنه لما يتأكد من نتيجة العلاج، هيحكيلك كل حاجة.
لكن الأيام عدت، والخوف زاد، وهو فضل يأجل المواجهة».
بصيت ناحية باب العمليات.
كنت غاضبة منه، ومجروحة بسبب كذبه، لكن في نفس الوقت، كنت مرعوبة من فكرة إني ممكن أخسره قبل ما أقدر أقوله كل اللي جوايا.
مسكت إيد ليلى وقلت لها:
«تعالي يا حبيبتي، هنستنى بابا مع بعض».
قعدنا على الكراسي قدام غرفة العمليات.
كل دقيقة كانت بتعدي ببطء شديد.
افتكرت أول مرة قابلت فيها أحمد، يوم ما كان شابًا طموحًا بيحلم يبقى جرّاحًا ناجحًا. افتكرت يوم جوازنا، والبيت الصغير اللي بدأنا فيه حياتنا، والليالي اللي كنا بنخطط فيها لمستقبل بنتنا.
افتكرت ضحكته، وطريقته وهو بيحكي لليلى حكايات قبل النوم، والوعود الصغيرة اللي كنا بنقطعها على نفسنا.
وبعدين افتكرت كل المرات اللي استنيته فيها يرجع، وكل مرة كنت ببص فيها للساعة وأحاول أقنع نفسي إنه هيفتكر إنه عنده بيت مستنيه.
كنت زعلانة لأنه خبّى عني الحقيقة.
لكن دلوقتي، فهمت إن الحب مش معناه إننا نخبي عن بعض كل حاجة بتوجعنا.
أحيانًا، محاولة حماية الشخص اللي بنحبه من الحقيقة بتخليه يواجه ألف حقيقة مؤلمة لوحده.
بعد وقت طويل، خرج الطبيب من غرفة العمليات.
وقفنا كلنا بسرعة.
بص لي وقال:
«العملية انتهت، لكن الساعات الجاية مهمة جدًا. حالة الدكتور أحمد مستقرة حاليًا، وهنفضل نتابعه عن قرب».
حطيت إيدي على صدري، وأخدت نفسًا عميقًا لأول مرة من ساعات.
«يعني أقدر أشوفه؟»
رد الطبيب:
«بعد ما ننقله لغرفة المتابعة ونطمن على حالته، هتقدري تدخلي له لفترة قصيرة».
ليلى مسكت إيدي وقالت بلهفة:
«ماما، بابا هيرجع معانا البيت؟»
نزلت لمستواها، ومسحت دموعها.
«هنفضل جنبه يا حبيبتي، وهنعمل كل اللي نقدر عليه علشان يساعده يتعافى».
بعد فترة، سمحوا لي أدخل له.
كان أحمد نايم على السرير، وأجهزة المتابعة حواليه، ووشه شاحب بشكل عمري ما شفته عليه قبل كده.
وقفت عند الباب للحظات.
ده كان الراجل اللي كنت جاية المستشفى علشان أواجهه وأقوله إن جوازنا انتهى.
وده كان نفس الراجل اللي كنت مستعدة أشاركه حياتي كلها يوم ما اتجوزنا.
قربت من السرير، وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
مسكت إيده برفق، وقلت بصوت واطي:
«يا أحمد… أنا هنا».
ما فتحش عينيه.
فضلت ماسكة إيده، ودموعي بتنزل على صوابعي.
«أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك بسرعة على كل اللي حصل، لكني مش عايزة آخر كلام بينا يكون مبني على الشك والغضب.
كنت محتاجة أعرف الحقيقة منك، مش من ورقة، ولا من يوسف، ولا من أي حد تاني.
أنا مراتك يا أحمد. كان من حقي أشاركك خوفك، زي ما شاركتك فرحك».
سكت لحظة، وبعدها كملت:
«أنا مش بوعدك إن كل حاجة هترجع زي الأول في يوم وليلة، لكن لو لسه عندنا فرصة نصلح اللي اتكسر، أنا مستعدة أحاول.
بس المرة دي، من غير أسرار».
وفجأة، حسيت بحركة خفيفة في إيده.
رفعت عيني بسرعة.
أحمد كان بيحاول يفتح عينيه.
ناديت عليه وأنا بضغط على إيده برفق:
«أحمد؟ حبيبي، سامعني؟»
فتح عينيه بصعوبة، وفضل يبص لي كأنه بيحاول يتأكد إني فعلًا موجودة.
وبصوت ضعيف جدًا، همس:
«مريم… إنتِ جيتي؟»
دموعي نزلت أكتر.
«أيوه، أنا هنا».
حاول يتكلم، لكن صوته كان ضعيفًا.
«أنا آسف…»
هزيت رأسي وأنا بمسح دموعي.
«مش دلوقتي يا أحمد. دلوقتي أهم حاجة إنك ترتاح وتتعافى. الكلام كله هييجي بعدين».
بص لي بحزن وقال:
«كنت خايف أخسرك».
مسكت إيده بين إيديا وقلت:
«وأنا كنت بخسرك كل يوم وإنت ساكت. كنت بشوفك قدامي، لكن كنت حاسة إنك بعيد عني جدًا».
غمّض عينيه، ودمعة صغيرة نزلت من طرف عينه.
ما حاولتش أقول إن كل حاجة بقت بخير، لأن الحقيقة إننا كنا لسه في بداية طريق طويل.
كان لازم يتعالج، وكان لازم نواجه اللي حصل بينا، ونتعلم إزاي نرجع نبني الثقة اللي اتكسرت.
لكن على الأقل، بقينا بنتكلم.
ولأول مرة من شهور، ما كانش فيه عذر ولا حجة ولا باب مقفول بيننا.
وبعد أيام من المتابعة والعلاج، بدأ أحمد يستعيد قوته تدريجيًا، بينما بدأنا إحنا الاتنين رحلة أصعب من العلاج نفسه: رحلة إصلاح جوازنا.
—
بعد ثلاثة شهور…
حياتنا ما رجعتش زي الأول بالضبط.
أحمد بدأ يلتزم بخطته العلاجية، وقلل ساعات شغله حسب تعليمات أطبائه، وبقى عنده مواعيد ثابتة للمتابعة.
أما أنا، فبطلت أتعامل مع كل غياب باعتباره دليلًا على إنه ما بقاش بيحبني، لكنه في المقابل بقى فاهم إن الصمت مش حل، وإن الصراحة مش رفاهية بين اتنين متجوزين.
بدأنا نتكلم عن الحاجات اللي كنا بنهرب منها.
عن خوفي من الوحدة، وعن خوفه من المرض، وعن إحساسه إنه لازم يكون قوي طول الوقت، وعن إحساسي إني بقيت آخر اهتماماته.
ما كانتش كل محادثة سهلة، وفي أيام رجع فيها الغضب تاني، لكن المرة دي ما كناش بنقفل الكلام ونهرب.
كنا بنحاول نفهم بعض.
وفي يوم عيد ميلاد ليلى، رجع أحمد البيت بدري.
دخل وهو شايل تورتة صغيرة، وورا ضهره كان مخبي هدية لبنتنا.
ليلى جريت عليه وهي بتضحك، وحضنته بقوة.
«بابا! إنت المرة دي مش هتتأخر؟»
بص لها أحمد، وركع على ركبته علشان يبقى في مستوى عينيها.
وقال:
«المرة دي أنا هنا يا حبيبتي، وعايز أعيش معاكي كل لحظة أقدر عليها».
وقفت أراقبهم من بعيد، وأنا بحاول أمنع دموعي.
ما كانش كل شيء اتصلح، وما كانش المرض اختفى، لكننا بدأنا نفهم قيمة الوقت اللي بنقضيه مع بعض.
بعد ما ليلى دخلت أوضتها، أحمد قرب مني وطلع من جيبه الظرف الأبيض اللي كنت حطاه في شنطة الأكل يوم ما رحت المستشفى.
كنت ناسية تمامًا إني كتبته.
بص لي وقال:
«يوسف حكالي إنك كنت جاية المستشفى علشان تواجهيّني، وإنك كنتِ حاطة الظرف ده في شنطة الأكل».
نزلت عيني للأرض.
«كنت مجروحة يا أحمد. كنت فاكرة إنك بتخدعني، وما كنتش قادرة أستحمل أكتر من كده».
هز رأسه وقال:
«أنا فاهم. ومش هلومك على إحساسك، لأن تصرفاتي هي اللي وصلتك لكده».
فتح الظرف، وطلع الورقة اللي جواه.
كانت ورقة قرار الانفصال اللي كتبتها وأنا غاضبة.
فضل باصص لها شوية، وبعدها سألني:
«إنتِ لسه عايزة تمشي؟»
السؤال كان صعبًا، لأن الإجابة ما كانتش مجرد نعم أو لا.
قلت له بصراحة:
«أنا مش عايزة أعيش في جواز مفيهوش ثقة. ومش عايزة أفضل طول الوقت خايفة من إنك تخبي عني حاجة مهمة.
لكن أنا كمان مش عايزة أخد قرار مصيري وإحنا لسه مش قادرين نتكلم بهدوء.
خلينا ندي لنفسنا فرصة حقيقية، بشرط إننا نكون صريحين مع بعض، ونواجه المشاكل بدل ما نهرب منها».
أحمد هز رأسه، وعينيه مليانة امتنان.
«ده حقك يا مريم. وأنا مستعد أعمل اللي أقدر عليه علشان أثبتلك إن كلامي المرة دي مش مجرد وعود».
طوى الورقة بهدوء، وحطها على الترابيزة.
ما مزقهاش، وما طلبش مني أنساها، لكنه قال:
«مش عايزك تحسي إنك مجبرة تفضلي. عايزك تختاري حياتنا كل يوم، زي ما أنا لازم أختارك كل يوم».
الكلام ده خلاني أفهم إن بداية الإصلاح الحقيقي ما كانتش في إنه رجع البيت، ولا في إنه نجا من العملية، ولا حتى في إنه اعترف بالحقيقة.
كانت في إنه أخيرًا بطل يقرر لوحده إيه اللي من حقي أعرفه وإيه اللي لازم يخبّيه عني.
مد إيده ومسكتها.
وقعدنا نتكلم لحد وقت متأخر من الليل، لكن المرة دي ما كانش بيتكلم عن المستشفى، ولا أنا كنت بسأله ليه اتأخر.
كنا بنتكلم عننا إحنا.
عن بيتنا، وعن بنتنا، وعن المستقبل اللي لسه قدامنا، وعن الخوف اللي لازم نواجهه مع بعض بدل ما كل واحد فينا يواجهه لوحده.
وفي الليلة دي، فهمت إن بعض العلاقات ما بتنتهيش بسبب غياب الحب، لكنها بتوصل لحافة النهاية لما يغيب الصدق، ويبدأ كل طرف يعيش وحده رغم إنه مش لوحده.
وأحيانًا، فرصة جديدة ما بتمسحش الوجع القديم، لكنها بتدينا فرصة نتعلم منه.
أما الظرف الأبيض، اللي خرجت بيه من البيت وأنا ناوية أنهي جوازي، فقد فضل موجودًا في درج مكتبي فترة طويلة.
مش علشان أفتكر أحمد بذنبه كل يوم، لكن علشان أفتكر نفسي بالحقيقة اللي اتعلمتها بالطريقة الأصعب:
الحب مش إنك تخبي الحقيقة علشان تحمي اللي بتحبه، والحب مش إنك تتحمل الوجع من غير حدود. الحب الحقيقي إنكم تقدروا تواجهوا الحقيقة مع بعض، وتختاروا بوعي إذا كان لسه فيه طريق يستحق إنكم تكملوه.
وده اللي قررنا نعمله.
مش لأن الطريق بقى سهل، ولا لأن كل الجروح اختفت، لكن لأننا أخيرًا فهمنا إن أي فرصة جديدة لازم تبدأ بالصدق، مش بالخوف.
تمت النهاية.



